للبحر رسائل كثيرة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 15 نوفمبر 2019 12:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

للبحر رسائل كثيرة

نشر فى : الخميس 25 يوليه 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 25 يوليه 2019 - 9:30 م

استلمنا بعلم الوصول رسائل البحر التي أرسلها المخرج الكبير داوود عبد السيد عبر فيلمه الجميل "رسائل البحر" الذي كتب له قصته وعُرِض قبل تسع سنوات. هذه الرسائل كانت تحمل قيما مختلفة وتضع معان في مواجهة أخري: التاريخ مقابل المادة، والسخرية مقابل تحقق الذات، والأحادية مقابل التنوع وغير ذلك كثير. أقول استلمنا رسائل بحر داوود عبد السيد لكنها ليست الرسائل الوحيدة فبحورنا نحن أيضا كانت لها رسائلها ، رسائل تَغَيَر مضمونها مع القفز من مرحلة عمرية لمرحلة أخرى ومع تَغَيُر الناس والشواطئ ومع تَغَيُر لون البحر. القفز من مرحلة عمرية لأخرى هو تعبير مقصود تماما فنحن لا نشعر أبدا أننا نسير الهويني من العشرين للثلاثين للأربعين للخمسين لل ... بل نشعر بين فترة وأخرى أنه قد أُلقِي بِنَا في عشرية جديدة في غفلة منّا ودون تمهيد.
***
رسالة البحر الأولى هي رسالة الفرحة الجنونية التي كانت تنتابنا صغارا ونحن نلقي بأنفسنا في أحضان أول موجة نستقبل معها أجازة الصيف. نترك الأهل يدقون الشماسي ويحفرون لعصاها سردابا طويلا في الأعماق ، أما نحن فنغطس ونطفو ونسبح ونشرَق ونتراشق بالمياه، ينادون على البنات ليضعن البونيهات على شعورهن كي لا يفسدها الماء المالح، من قال إن ماء البحر مالح ؟ كان مذاق ماء البحر في حلوقنا كطعم الشهد. كنا نكره البونيهات لأنها كانت تخفي شعورنا ونحن نريدها أن تطير في الهواء، ونريدها أيضا أن تعوم على عومنا حين ينادينا الموج الأزرق نحو الأعمق. البحر علي اتساعه ملكُنا، لا چت سكي ولا لانشات ولا يحزنون، فقط سواعدنا والموج هم صنّاع بهجتنا. لم نعتب على البحر حين كان يغمر بيوت رمالنا بيتا تلو بيت ويطمسها، كنّا نبنيها بكل الحب ثم نُهدِيها لعرائس البحر بلا عدد تستقر في الأعماق البعيدة نسمع عنها ولا نراها أبدا. الشيء الوحيد الذي كان يزعجنا هو تلك الراية السوداء اللعينة التي كانت ترتفع من وقت لآخر لتحول بيننا وبين البحر، وعدنا أهلنا ألا نغيب وألا ندخل في "الغويط"، قلنا لهم إننا نثق في البحر سيان أن يستوي كالبساط أو يلطم كسوط أو يتلوى كدوامة، بكينا بحرقة أمامهم لأن يوما بطوله قد ضاع منّا بغير بحر ، لكن شيئا لم يكن يجدي مع الأهل نفعا فالراية السوداء هي الراية السوداء .
***
رسالة البحر الثانية هي رسالة الدهشة ونحن أوائل الثانوية العامة نصعد على ظهر الباخرة "الجزائر" لأول مرة لنبدأ رحلة نظمتها لنا جريدة الجمهورية نبحر فيها ونكتشف. ياااااه نكتشف؟ ماذا نكتشف بالضبط ؟ نكتشف أنفسنا ونحن الغرباء عن بعضنا البعض شبانا وشابات يحملنا البحر علي كفوف الراحة وينسج بنعومة علاقات فيها فطرة واندفاع وخوف وحب استطلاع، ونكتشف المدن التي نرسو علي موانئها مدينة مدينة وما كنا أكملنا بعد اكتشاف مصر نفسها فالعمر في بدايته لم يزل، ونكتشف قدرتنا على تحمل المسؤولية مع علمنا أن بعضا من إظهار الحاجة للكبار يرضي غرورهم، ونكتشف طبعا أننا لسنا وحدنا في هذا العالم وأننا نقطة في بحر، نكتشف ونكتشف ونكتشف، وكما لم نعترف بملوحة ماء البحر في طفولتنا قاومنا دوار البحر في رحلتنا هذه، كنّا نحب البحر جدا ونخشى أن يحرمنا منه شيء، فكنّا نقول إن كان البحر أدار رؤوسنا فإنما فعل ذلك بالمعنى المجازي للتعبير، أو هو تلاعب بعقولنا كما تتلاعب الخمر بالعقول. هذه الرحلة مطبوعة في القلب، أن تنتظم دقاته أو تضطرب، أن يتضخم قليلا أو يرشق فإن ذكرى رحلة البحر قبل سنين كثيرة لا تُنسى أبدا .
***
رسالة البحر الثالثة هي رسالة التأمل، قادر هو البحر دائما على أن يتشكل بما يناسب ذائقتَنا، ذائقتنُا أو عمرُنا المعنى واحد. من شرفة الشاليه تتجلى شمس الأصيل وهي تزحف ببطء وتتلكأ، يتقد نورها ثم يذوي وتروح الأمواج تقضم قرصها حتى يختفي. نتخذ مسار الشمس من المشرق إلى المغرب مناسبة لنستعرض مشوار حياتنا، تطل علينا وجوه اقتربنا من أصحابها وابتعدنا، تباغتنا أحداث تافهة نتصور أنّا نسيناها فإذا بِنَا لم ننسها، نتذكر نجاحاتنا وعذاباتنا وتجاربنا وأسفارنا وأسرارنا ونتبّين أننا عشنا كثيرا، تعاودنا وصية الحبيب لحبيبته في رواية "بين الأطلال" ليوسف السباعي: "عندما يوشك القرص الأحمر الدامي على الاختفاء ارقبيه جيدا فإذا ما رأيتِ مغيبه وراء الأفق فاذكريني.. اذكريني". بعض العشاق يزعجه الغروب والبعض الآخر يزعجه الشروق، يقول ابراهيم ناجي في قصيدة "الأطلال": "وإذا النور نذير طالع وإذا الفجر مطل كالحريق، وإذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأحباب كل في طريق"، ونحن نصدق أطلال السباعي كما نصدق أطلال ناجي، فهنا فراق وهناك فراق والباقي تفاصيل.
***
وصلنا إلى رسالة البحر الأخيرة وهي رسالة الفراق، تفصل مياه البحر بيننا وبين أحبائنا، نتلفت حولنا فنجد كثيرين ممن تربينا معهم وارتبطنا بهم ركبوا البحر أو طاروا من فوقه وذهبوا إلى قارات بعيدة ومواقيت ليست كمواقيتنا، فليلنا نهارهم ونهارهم ليلنا. قالوا سيدرسون، سيعملون، سيهربون ثم يعودون، فدرسوا وعملوا وهربوا لكن إلى الأبد. هذه الرسالة من رسائل البحر هي الأقسى، هل هي مسؤولية البحر أم مسؤولية من اجتازوه ؟ المسؤولية مشتركة، بقدر هذا الحب الذي حملناه للبحر كنّا نتوقع ألا يطاوعهم، أن ترد موجاته مراكبهم إلى شواطئنا، أن يرفع لهم الراية السوداء قائلا: لن تمروا! ...إنه الهذيان بعينه.
***
حلّ المساء وانسدل رداء أسود مترام على بحر الإسكندرية الحبيبة، بدا متماوجا في سلام كأن لم يبهج ولم يدهش ولم يباعد ولم يخِف، بدا وديعا كطفل وهادئا كملاك، انعكست على صفحته أضواء الأعمدة والإعلانات والمقاهي لكنه انساب كعادته لا يلوي على شيء.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات