الفضيلة الغائبة فى الفضائيات العربية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 25 أكتوبر 2021 7:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

الفضيلة الغائبة فى الفضائيات العربية

نشر فى : الخميس 25 يوليه 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 25 يوليه 2013 - 8:00 ص

بصراحة تامة هناك قلق مبرَّر يتزايد عند الكثيرين من أن الإعلام العربى، المقروء والمشاهد والمسموع، قد أصبح مصدرا رئيسَّيا من مصادر خلق وإشاعة ثقافة اللا تسامح فى مجتمعات بلاد العرب. ولعل التسابق فى الحصول على أكبر حصّة من الإعلانات التجارية، والتّزاحم على اجتذاب انتباه وولاء أكبر عدد ممكن من القراء والمستمعين والمشاهدين، من أجل التباهى من جهة ومن أجل ممارسة غطرسة القوة المعنوية المجتمعية من جهة ثانية، قد قادا بعض المؤسسات الإعلامية إلى غضَ الطرف عن ظاهرة ممارسة الفهلوة الكلامية والنكتة الجارحة السمجة والمبالغات المثيرة لغرائز الحقد والكراهية والعمى الإدراكى والتطرُّف والتعصُّب فى الفكر واللغة.

إنُّ المحصلة النهائية للتعامل بتلك الصورة مع الإعلام السياسى العربى على الأخص، ستقود إلى إضافة ثقافة اللاتسامح إلى ثقافة التخلف لينتهى الأمر بنا إلى خطابات سياسية لا ديمقراطية ومضادة لحريات الآخرين.

وإذا كان لابد من ذكر أمثلة لتلك الممارسات الخاطئة فإن الإنسان يشاهدها يوميا على شاشات الفضائيات العربية.

●●●

أفجع الأمثلة هى تلك الحوارات السياسية حول قضايا الساعة والتى تتصف أجواؤها بغياب الموضوعية والتوازن المنهجى والإنصاف فى مناقشات الأخذ والعطاء.

تلك الملاحظات تبدو مثلا أكثر ما تبدو فى أيامنا الحالية فى الكثير من حلقات النقاش التليفزيونية عند تناول أخطاء وشخصيات الإسلام السياسى الذى يمرُ فى محنة التراجع فى السلطة وفى القبول الجماهيرى. فى كثير منها تمارس أساليب الاستعداء والاستخفاف والإقصاء والتعميم غير المنضبط. الأمر نفسه ينطبق على مبارزات الفضائيات الدينية المذهبية الكلامية والتشهيرية ضد بعضها البعض، حيث تسود المماحكات وتشويه صورة الآخر لتصل أحيانا للتكفير والإخراج من الملّة ورحمة الرحمان. ويصل الإسفاف إلى قمّته عند المرجفين اللاّعنين الذين يملؤون بعض شاشات الفضائيات العربية الرسمية عندما يمارسون وظيفة النّيل من شرف ونوايا وتاريخ كل معارض مطالب بالإصلاح.

●●●

نحن لا نعترض على شدّة الاختلافات فى الرأى ولا على الفضح المدوى الممارسات الخاطئة بحقّ المواطنين والوطن والأمُّة. إنُّما نعترض على أن يتم ذلك بمستوى مهنى أو مناقبى غير مقبول وبروح التشفٍّى واللاتسامح.

إن القضية تكمن فى حقيقة من حقائق العصر الذى نعيش، وهى صعود المؤسسة الإعلامية إلى مكانة لا تقل عن مكانة البيت أو المدرسة، وذلك بالنسبة لغرس القيم والسلوكيات الإنسانية الفاضلة فى نفوس وعقول الأجيال الشابّة على الأخص. لذلك فان ممارساتها الخاطئة ستنعكس سلبا على مستقبل الثقافة العربية.

فى قلب القيم والسلوكيات الفاضلة موضوع التسامح. إنه مدخل لقلب المساجلات والمبارزات الإيديولوجية المتشنجة إلى مناظرات وحوارات فكرية متفاهمة ويحترم بعضها البعض.

●●●

دعنا هنا نذكر أنفسنا بأن ثقافة التسامح تشير إلى التعامل والتعايش مع آراء وعقائد ومواقف الآخرين بالصّبر والمجادلة الحسنة، بتجنُّب الإنقسام والتعصُّب الإعتباطى، بالبحث عن المشترك، بالرفَّض التام للعنف الكلامى، بالاحتكام للمعايير الأخلاقية ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية وخصوصا مايتعلق بالحرية والكرامة الإنسانية.

دعنا نذكر أنفسنا بأن روح ونهج التسامح، ممثّلا فى حوالى مائة آية قرآنية عن حريُّة الاعتقاد الدينى، قد نادى بها الإسلام، ثم تمثلت فى أقوال شهيرة من مثل قول الإمام الشافعى (رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب) أو قول الإمام أبوحنيفة (كلامنا هذا رأى، فمن كان عنده خير منه فليأتِ به).

أما حقل الفلسفة فقد قام وانتعش من خلال فضيلة الحوار المتسامح. وكان الفيلسوف الفرنسى فولتير يردّد: كلنا ضعاف ميَّالون للخطأ فليسامح بعضنا البعض بشكل متبادل «وللقائد الروحى الهندى غاندى دعابة مؤداها: «لا أحب التسامح ولكنى لا أجد أفضل منه للتعبير عما أسعى إليه».

ثمّ إن ممارسة فضيلة التسامح الفكرى واللّفظى تحتاج إلى شخصية متوازنة ومؤمنة بالمسؤولية الاجتماعية. وهذا لا يتوفر فى الكثير من الشخصيات الهامشية فى الحياة السياسية والثقافية التى تدعى إلى حلقات النقاش التليفزيونية. بعض تلك الشخصيات تمارس مع الأسف أسوأ أنواع أدب الحوار والمناظرات.

●●●

أخيرا هل يمكن لأى نظام ديمقراطى أن يوجد إن لم تقم العلاقة فيما بين أطرافه الفاعلة على أسس الأخذ والعطاء فى المصالح والتسامح فى الخطاب؟ فإذا كانت مجتمعات ثورات الربيع العربى تريد الانتقال إلى النظم الديمقراطية، فهل تبدأ ذلك الانتقال بتجاهل أحد أهم وسائل ممارسة الديمقراطية: التسامح فى الخطاب؟

أملنا كبير فى ألا يسكر بعض القائمين على الإعلام العربى بنشوة انتصار هذه الفئة أو تلك، فالسياسة، كما هى الأرض، تداول بين الناس.

 

مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات