صحيفة الشرق الأوسط ــ لندن الهوس الافتراضى - صحافة عربية - بوابة الشروق
الأربعاء 10 أغسطس 2022 6:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

صحيفة الشرق الأوسط ــ لندن الهوس الافتراضى

نشر فى : السبت 25 يونيو 2022 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 25 يونيو 2022 - 7:40 م

نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتبة آمال موسى بتاريخ 24 يونيو، تناولت فيه ظاهرة الهوس بمواقع التواصل الاجتماعى فى الدول العربية والإسلامية وأسباب ذلك.. نعرض من المقال ما يلى.
فى زمن الرقمنة والإنترنت وتكنولوجيا الاتصال لا نستطيع إلا تثمين إنجاز البشرية والفتوحات الهائلة التى مكنت من تيسير التواصل وجعله فى متناول غالبية السكان فى العالم.
طبعا كل الإنجازات تظل إيجابية وتدافع عنها وظيفتها التى من أجلها تم ابتكارها ووضعها، لكن المشكل يكمن دائما فى كيفية الاستعمال والتوظيف. فى هذا السياق، نلحظ أن استعمال العالم العربى والإسلامى لتكنولوجيا وسائل الاتصال تغلب عليه بعض الخاصيات التى نعتبرها مهمة من ناحية ما ترمز إليه، وما تكشف عنه من حقائق جديرة بالحفر فيها علميا ومحاولة استنطاقها.
وفى الحقيقة، من أولى هذه الملاحظات هى ظاهرة الإقبال الهائل على استعمال شبكات التواصل الاجتماعى. فالأرقام تشير إلى ملايين من العرب يستخدمون منصتى «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما، كما أن هذا الاستخدام، وهنا مكمن الاستغراب، يستغرق فى معدل يومى ساعات، ما يدفعنا لوضع مجموعة من نقاط الاستفهام.
فالوقت المخصص لشبكات التواصل الاجتماعى مقارنة بالمجتمعات الأوروبية يعد أكبر بكثير، بشكل يشير إلى نوع من الهوس والإدمان على وسائل التواصل الاجتماعى.
فالواضح هو وجود مشكل فراغ وتعويض، ويحيل هذا المشكل بدوره إلى مشكلات أخرى عدة مختلفة الأبعاد؛ ذلك أن ظاهرة الإدمان على الافتراضى لساعات طويلة هى موقف من العالم الواقعى ذاته وتعبير عن اغتراب عميق.
فأى ارتباط بين ظاهرة البطالة والهوس الافتراضى؟ وأى صلة بين الفراغ فى الواقع والإدمان على الافتراضي؟ وإلى أى مدى يعكس حجم الزمن المخصص لشبكات التواصل الاجتماعى إهمالا للعمل، باعتبار أن تثمين قيمة العمل تشترط إيلاء الوقت وكيفية عدم إضاعته الاهتمام اللازم؟
ما من شك فى أن البطالة سبب قوى من أسباب الهوس بالافتراضى لأن إهدار الوقت يعنى أن القائم بذلك لا وقت ثمينا له ولا شىء جديا يشغله. وهذا إلى حد ما صحيح مع توضيح أن عددا كبيرا من الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعى فى الفضاء العربى الإسلامى إنما يقومون بذلك أثناء العمل، وهو ما يفسر الأرقام المتدنية جدا بخصوص مدى حسن استثمار الوقت أثناء العمل.
وبشكل عام، فإن البطالة لا يمكن أن تكون السبب المقنع فى تبرير الهوس الافتراضى، لأن البطالة يمكن أن تكون حافزا لاستغلال الوقت فى البحث عن العمل أو فى تحسين مَلَكات الباحث عن العمل وإثراء ملفه.
طبعا من المهم الإشارة إلى أن الإبحار فى الافتراضى والرهان على أصدقاء افتراضيين إنما يعكس نوعا من الهروب من نمط العلاقات الاجتماعية التقليدية والتوغل فى الوهمى الذى يشبعه عدد الجامات.. ومن دون أن ننسى العلاقة بالذات التى أصبحت وفق غالبية التدوينات والمنشورات فى شبكات التواصل الاجتماعى استعراضية ومظهرية ولا تفصل بين الحميمى والخاص والعام. بل إن هناك من يبدأ يومه بالتحية الصباحية وينهى اليوم بتحية المساء، ما يعنى أن كل الزمن الذى يتحرك فيه إطاره افتراضى.
اللافت من جهة ثانية أن إهدار الوقت فى وسائل التواصل الاجتماعى فيه دليل على أننا أمة لا تحسن توظيف الوقت؛ خصوصا أن التحديات الماثلة أمام المجتمعات العربية اليوم والمتمثلة أساسا فى الرهان على العمل وبذل الجهد والتقدم فى مسار التنمية والقيام بالإصلاح والمعارك الثقافية القيمية التى تحتاج إلى عناية خاصة ونفس طويل والمثابرة.. كل هذا يحتاج بدوره إلى الوقت ويتناقض مع كل مظاهر إهدار الوقت.
المشكل أن الهوس بالافتراضى أصبح يشكل الكبار والصغار والشباب وينطوى على برود تجاه الأطر الاجتماعية المعهودة مثل الأسرة والصداقة وغير ذلك.
أما النقطة الأخرى الجديرة بالتركيز أيضا فتتمثل فى توظيف شبكات التواصل الاجتماعى فى إلحاق الأذى بالآخر مع ما يعنيه ذلك من سلوك عدوانى وعنيف، والحال أن الهدف الأولى من هذه الشبكات هو تيسير التواصل بين الناس للتعارف والمشاركة وتبادل الآراء والمعلومات والمعارف والقصص والتجارب بشكل يغنى الثقافة الإنسانية ويجعلها أكثر تنوعا. نفهم أن استعراض التجارب والقصص، سواء حول النجاح أو الفشل، لمشاركة الآخرين، يشترط ثقافة متصالحة أكثر مع الذات وتمييزا بين التجربة وصاحبها، ولكن هذا لا يعنى البتة استبدال المشاركة والتواصل والتبادل بإلحاق الأذى أو توظيف هذه النافذة التواصلية من أجل نشر قيم السلبية والإحباط فى اللحظة التى تحتاج فيها مجتمعاتنا إلى تثمين الإيجابى ورسائل الأمل والتشجيع.
الهوس بالافتراضى يظل ظاهرة مزعجة وعلامة غير صحية بالمعنى النفسى والاجتماعى والثقافى والحضارى.
وإذا كان لا بد من الهوس فليكن نحو العمل والإيجابية والمشاركة الخلاقة.

التعليقات