الهدف خدمة المواطن.. ولكن - علاء الحديدي - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 11:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الهدف خدمة المواطن.. ولكن

نشر فى : الإثنين 25 يونيو 2018 - 9:45 م | آخر تحديث : الإثنين 25 يونيو 2018 - 9:45 م

جاءت القرارات الحكومية الأخيرة برفع أسعار الطاقة من بنزين وسولار وكهرباء لتفتح باب النقاش على صفحات التواصل الاجتماعى وفى الجلسات العائلية حول الدعم والأسعار وبرنامج الإصلاح الاقتصادى. وكان طبيعا أن تنقسم الآراء بين مؤيد ومعارض لهذه القرارات، بين من يرى فى هذه الإجراءات ضرورة ملحة من أجل إصلاح الاقتصاد، وبين من يرى أن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة قد وصلا إلى حد بات يهدد بنتائج غير محمودة.
ولكن فى اعتقادى أن النقاش الأهم قد غاب عن الساحة، وهو النقاش حول تعريف «الدعم» نفسه. فمن الواضح أن البعض يرى أن «الدعم» هو مجرد تحمل الحكومة فرق السعر بين تكلفة سلعة ما ــ مثل رغيف العيش أو لتر البنزين ــ وبين ما يتم بيعه للمواطن، وأن الحكومة باتت تتحمل خسارة ما عادت تستطيع تحملها، لذا يكون تقليص هذه الخسارة أمرا لا مفر منه لأن الأولوية يجب أن تكون لضبط الميزانية باعتبارها المفتاح لإصلاح اقتصادى سينعكس على مجمل الاقتصاد، وبالتالى وبحكم التبعية سينعكس على المواطن. ويضيف أصحاب هذا التعريف للدعم أن الحكومة تعمل على تعويض أصحاب الدخول المحدودة ــ وهو لفظ مهذب للفقراء ــ بتقديم أشكال أخرى من الدعم مثل زيادة مخصصات بطاقات التموين، فضلا عن التوسع فى برامج التكافل الاجتماعى وغيرها.
التعريف الآخر للدعم والذى يتفق عليه معظم الخبراء الاقتصاديين يميل إلى التوسع فى مفهوم الدعم، بحيث لا يكون قاصرا على مجرد تحمل الحكومة لفروق الأسعار، ولكن يشمل أيضا ما يتم تقديمه من خدمات ومرافق وبنية تحتية، حتى لو لم يطلق عليه مسمى «الدعم»، إلا أنه فى النهاية يمثل «دعما» بما يتم تقديمه من خدمات بأسعار منخفضة وأحيانا أو حتى فى الأغلب مجانا. وبالتالى فإن قضية «الدعم» تخرج عن حيزها المالى الضيق فى عدد محدود من السلع، إلى معنى أوسع ليشمل مجمل سياسات وأهداف وبرامج الحكومة.
يعكس هذا الخلاف حول تعريف الدعم قضية أكبر وهى النظرة لدور الحكومة: المدرسة الأولى ترى أن هذا الدور ينحصر فى الحفاظ على ما يسمى بقوى السوق لتعمل بحرية ودون عوائق، فينعكس ذلك إيجابيا على مجمل الاقتصاد وبالتالى على المواطن فى النهاية. المدرسة الثانية ترى أن تكون خدمة المواطن عن طريق توسع الحكومة فى الخدمات المدعومة. الاثنان يتفقان على خدمة المواطن، ولكن الخلاف حول الأسلوب والمنهج.
نرى هذا النقاش بشكل أوضح فى الدول الديمقراطية الغربية حيث تدور الانتخابات عادة ما بين هاتين الرؤيتين أو البرنامجين، لكل منهما حزبه وبرنامجه الذى يدور حول نسبة الإنفاق الحكومى على الخدمات الاجتماعية من رعاية وتأمين صحى مثلا، وهو المرادف للدعم عندنا، وهل يتم زيادته أم العمل على تقليصه. فإذا كنت ممن يؤيدون زيادة الرعاية الصحية فأنت بالتبعية ستوافق على فرض ضرائب تصاعدية من أجل تمويل التوسع فى برامج الرعاية الصحية وكل الخدمات الطبية المرتبطة بها. أما إذا كنت تعارض فرض مزيد من الضرائب، سواء تصاعدية أو غيرها، فأنت لن تهتم بتوسيع برامج الرعاية الصحية، بل ستؤيد المرشح أو البرنامج الذى يدعو إلى تخفيض الضرائب حتى لو كان هذا يعنى تقليص الخدمات الصحية. وقد تابعنا جميعا المعركة التى خاضها ترامب والحزب الجمهورى حول تخفيض الضرائب بشكل غير مسبوق وخاصة من على بعض الفئات والأعمال، متعهدين فى ذات الوقت بالعمل على إنهاء العمل ببرنامج أوباما للرعاية الصحية. على الجانب الآخر، يدافع الحزب الديمقراطى عن برنامج أوباما للرعاية الصحية، والذى يخدم فى الأساس الفقراء أو محدودى الدخل. ويرد الديمقراطيون على منتقديهم بأن برامج الرعاية الصحية هذه التى تكلف الخزينة العامة المليارات من الدولارات، يمكن تمويلها عن طريق الضرائب التصاعدية، وهكذا.
فإذا انتقلنا إلى الدول الناشئة، ونظرا لاختلاف مستويات المعيشة عن الدول المتقدمة، فإن النقاش حول أشكال الدعم المختلفة تصبح قضية أكثر محورية لحياة المواطن اليومية. ويكون معيار النجاح أو الفشل هنا ما يلمسه المواطن من تحسن فى الخدمات المقدمة له، وشعوره بالرضا عن أداء الحكومة فى هذا المضمار. وهنا تختلف التجارب من دولة لأخرى، بعضها ناجح مثل ماليزيا تحت حكم مهاتير محمد أو فترة رئاسة سيلفا دى لولا فى البرازيل أو السنوات العشر الأولى من حكم رجب طيب أردوغان فى تركيا. وأذكر فى هذا الإطار ما لاحظته عندما كنت سفيرا فى تركيا خلال الفترة ما بين ٢٠٠٧ و ٢٠١٠ على سبيل التوضيح. فقد كان من الأشياء التى لفتت نظرى فى جميع المدن التى زرتها حينذاك عدد الحدائق والمتنزهات العامة التى أقامتها الحكومة للترويح عن المواطنين. وكان بهذه الحدائق أو المتنزهات أماكن للتريض وألعاب بسيطة لمختلف الأعمار ومراجيح مخصصة للأطفال، وكلها دون مقابل. هذا فى الوقت الذى كان فيه معدل نمو الاقتصاد التركى نصف نظيره المصرى ( ٣،٥٪ مقابل ٧٪)، ولكن الفارق كان فى حرص الحكومة على أن يشعر المواطن البسيط باهتمام الحكومة به، وقيامها بتوفير بعض من أبسط وسائل الترفيه له. هذا بالإضافة إلى قيامها برفع نسبة الإنفاق على التعليم من ٣٪ إلى ٤٪ من الإنفاق العام خلال الفترة من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٢، وكذلك رفع الإنفاق على الصحة من عام ٢٠٠٢ إلى عام ٢٠٠٩ لنحو ٦،٧٪ من الدخل القومى للبلاد. النتيجة كانت ارتفاع شعبية أردوغان فى ذلك الوقت وتحقيقه نسبا أعلى فى الانتخابات اللاحقة.
بالطبع لا تتبع كل الدول أو الحكومات هذا النموذج أو ذاك بشكل كامل، ولكن فى كثير من الأحيان تكون السياسات والإجراءات المتبعة مزيجا من المدرستين سالفتى الذكر، ولكن ممكن تلمس إلى أى من الاتجاهين تميل قرارات وبرامج الحكومة، هل الأولوية لضبط الميزانية؟ أم للتوسع فى الخدمات؟ ولكل إجابة منهما برامج وسياسات تختلف عن الأخرى.
تشير الشواهد إلى أن الحكومة فى مصر قد حسمت أمرها فى الوقت الحالى لصالح ضبط الميزانية. إلا أن ضبط الميزانية لا يقتصر فقط على ملف «الدعم»، ولكنه يمتد إلى ملف الدين الداخلى والخارجى معا، وهو الأمر الذى من المنتظر أن يمثل التحدى التالى للحكومة. فهل سيكون هدف الحكومة القادم هو خدمة الدين أم خدمة المواطن؟

التعليقات