طفل يتحدث عن نفسه - جميل مطر - بوابة الشروق
السبت 24 يوليه 2021 1:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فصل حلا شيحة من نقابة المهن التمثيلية بعد تصريحاتها عن فيلم مش أنا؟

طفل يتحدث عن نفسه

نشر فى : الثلاثاء 25 مايو 2021 - 8:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 25 مايو 2021 - 8:00 م
اليوم أمى تتصرف على غير عادتها. لمحتها تمر مهرولة أمام باب غرفتى المفتوح قليلا. لم تنظر ناحيتى. شىء فى هرولتها منعنى من الاحتجاج. أمى منذ أن جاءت بى إلى هذه الدنيا كانت لأسبقيتى فى اهتماماتها قدسية. أسبق كل أشقائى وشقيقاتى الأكبر سنا بل وأسبق أبى. عندما كنت صغيرا، كثيرا ما كنت أسمع أبى يعبر عن استيائه لمشاركتى إياه وأمى فى الفراش. كسبت الرهان مرات عديدة. أبقى فى مكانى بالفراش وفى حضن أمى بينما يروح أبى يجمع مخدته وبعض ملابسه ليرحل إلى غرفة أخرى. لا أخفى حقيقة خبيثة يخمنها الأب ولا أحد غيره. لا شك أنه خمن أكثر من مرة أننى أبالغ فى احتجاجى وتكرار طلب مشاركتهما الفراش بقصد الكيد. لم يخطئ. كان اكتشافا مذهلا أن أعرف أن لكل فرد فى عائلتى نقطة ضعف يجدر بى أن أستغلها لمصلحتى. كنت أظن أن لا أحد غير أمى يهتم بما أفعل وبما أحس. كلهم غيارى. لن ينسوا واقعة وصولى، يومها، وأقصد يوم ولدت، فقد كل فرد فيهم شيئا وحصلت أنا عليه. كل منهم فقد حضنا دافئا أو وقتا مميزا أو قطعة حلوى أو جميعها معا.
***
تتركنى أمى مع ابنة الجيران دقائق تمتد أحيانا إلى ساعة أو أطول تقضيها مع جارتنا فى حديث لا ينتهى. مملة ابنة الجيران. لا تمل احتضان دميتها. دميتها تأتى إلى بيتنا ومعها رضعتها وطاقم غيار. أما صاحبتنا، وأقصد بنت الجيران، فلا تتوقف عن الشكوى من ثقل المسئولية، مسئولية تربية الأطفال. تواصل الشكوى ودميتها بين يديها فتقول إن شغلة الأم صعبة وليست مثل شغل الأب. ينام طول اليوم. هى تفضل الطبخ عن مسايرة دميتها الرضيع، ولم تفتها دعوتى إلى تناول وجبة فى شقتهم تقوم هى بإعدادها خاصة أنها تلقت مطبخا كاملا بثلاجته والفرن والصحون هدية عيد ميلادها. لم تذكر، وأظن أنها لا تعرف أن المطبخ كان هديتنا فى عيدها. معذورة! كيف تعرف خاصة أننا وصلنا وكانت لا تزال عند الكوافير يصفف لها شعرها. عادت لتجد الهدايا تراكمت حتى السقف. فكرت يومها أن أسال أبى فور عودتنا إلى شقتنا عن أبو فصادة الذى يغنى له الأطفال قرب انطفاء شمع التورتة. من هو؟ ولماذا لا يظهر بلحمه ودمه لنلعب معه.
***
تبدأ ماريا يومها فى السادسة صباحا. نحن نستيقظ أولا ونبدأ، شقيقتى وأنا، التحرك فى أنحاء غرفتنا فينتقل الصوت إلى غرفة نوم الأهل ليصل أعلى من حقيقته. يئن الأب ثم نسمع صوته متذمرا. تنهض الأم لتوقظ المربية الإفريقية. التعليمات لها جاهزة. غيرى لهما ملابسهما واخرجوا من البيت بأسرع ما يمكنكم، وسوف نتصل بكم فى الوقت المناسب لتعودى بالطفلين من أجل إفطارهما. ينتقل الركب إلى خارج البيت مثيرا ضوضاء. بعد قليل يسمع الجيران صوت ماريا يأتيهم أعلى من صوت الطفلين قبل أن يتحول هذا الأخير إلى صراخ. تنفتح الشبابيك ويطل منها رجال ونساء فتنقض علينا المربية بالنهر والسب لأننا نحن الأطفال أيقظنا الأسياد. سمعناها عند العودة تلقى أمام أهلنا باللوم على الجيران الذين لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأطفال. كانت هى التى تثير صويت وصراخ الصغار فى أرجاء الحى الهادئ وتفرح شامتة فى خناقات أهل الدار مع الجيران بسبب شقاوتنا المزعومة. صحيح أننى كطفل وشقيقتى، وهى أيضا طفلة، لا ينطبق على أى منا الصفة الكريمة بأن الأطفال أحباب الله، ولكن كنا بالتأكيد وما نزال أقرب أطفال الحى إلى قلوب البشر من السكان والأغراب على حد سواء، ربما لأننا كنا إذا كوفئنا بحضن من قريب أو غريب تعلقنا برقبته. نبقى طويلا فى الأحضان ولا نغادر إلا بعد وقت وإلحاح بالتقبيل أو الدغدغة. أظن أننا أدركنا مبكرا وحرفيا معنى العيش فى نعيم من القبل وقررنا أننا لن نقبل بغيره بديلا، هذا فى حال ترك الكبار لنا حق الاختيار.
***
عشت أتجنب كبار السن من الضيوف والعائلة على حد سواء. أجزم بأننى لم أقابل رجلا أو امرأة تقدم بهما العمر لم يضيعا فرصة ليتوجها إلى طفل بكلمة من فم عاتب أو نظرة من عين لائمة أو عبسة على جبين منهك. لا أخص نفسى بل أى طفل. هكذا على كل حال يدشن كبير العمر علاقته بطفل يقابله لأول مرة. لاحظت على وجه العموم أن هذه البداية ربما هى السبب فى أن علاقة وثيقة إن قامت بين طفل وجده أو جدته فسوف تكون الأقوى فى كل علاقاته باستثناء العلاقة بالأم. ولعله السبب نفسه الذى يباعد بين أغلب الأطفال من ناحية وكبار السن بشكل عام من ناحية أخرى. أعرف أسبابا أخرى، منها مثلا ضيق مساحة ومخزون الصبر عند المتقدمين فى العمر بينما الطفل منا إذا احتاج رفيقا أو رقيبا فشرطه أن كان من حقه التشريط أن يكون صبره بلا حدود. أنا طفل وأسئلتى لا حدود لعددها ولا حدود لموضوعاتها ومفاجآتها. إمكاناتى فى اللعب والكلام لا يحد منها إلا إمكانات الكبار من متقدمى العمر. هم ونحن ننام مبكرا، هم ونحن صبرنا محدود، هم ونحن نحب الحلوى وهى ضارة لصحتنا ونتعاون أو نتآمر للحصول عليها دون علم الرقيب وكثيرا ما ركزنا النظر فى عينيه ومددنا الأيدى إلى الحلوى نجرها فى هدوء وبإصرار وهو يتغافل حبا أو بالرضا المستتر. هم ونحن ننسى المواعيد وأشياء أخرى، هم ونحن نمشى الهوينى ليس عن ضعف أو عجز وإنما نتوخى الحذر. هم ونحن إن تخابثنا فبنعومة وإن تمردنا فبخشونة.
***
أسمع فى أحاديث الجدات حكايات عن تربية الأطفال فى عصرهن. سمعت من تقول إن تنشئة الأطفال كانت أقرب إلى الممارسة العامة، كادت تكون مشاعا، بمعنى أن الطفل كان يرضع من أمهات شقيقات وقريبات وجارات ومربيات وليس من أم واحدة. تراقبه فى اللعب والنوم كثيرات. قالت إحدى الجدات أنهن كأطفال لم يكلفن الأهل كثيرا. تربية الأطفال كانت قليلة الكلفة على عكس هذه الأيام حين أصبح الطفل المعاصر يكلف ثروة. كفانا دليلا تقدير ما تتكلفه روضة الأطفال زائد أجرة وإقامة مربية إفريقية أو آسيوية. تدخلت فى النقاش جدة أخرى. قالت «تنسون أن الكثيرات من جداتنا أنجبن أطفالا عهدن بهم منذ مولدهم إلى مربيات من فرنسا وسويسرا وإيطاليا، كلهم بدون استثناء أو باستثناءات قليلة صاروا فى الكبر رؤساء حكومة ووزراء ومفكرين كبار وسفراء. صديقات لى منكن يعرفن أن بين أصدقائى من رجال الفكر والسياسة الذين قضوا طفولتهم وجانبا من مراهقتهم فى رعاية مربيات أوروبيات، بينهم عدد لا بأس به لعب فى مرحلة من حياته دورا كبيرا فى الحركة الشيوعية المصرية وفى تحديث مؤسسات الثقافة والفكر».
***
التهى أحيانا بعقد مقارنات بين عصر طفولتى وعصور طفولات أخرى. أحيانا يغلبنى الشعور بالندم. أندم لأننى لم أتدخل بإصرار أشد لمنع صدور قرار عائلى أو آخر يخصنى مباشرة، أو أندم لأننى لم اعترض بغضب أقوى على فرص ضاعت، وهل كان يفيد هذا أو ذاك؟ أصدقكم قولى، نعم، أضعت فرصا وخيبت آمالا، ضيعت وخيبت أكثرها بسبب كثرة تمردى، أنا غير نادم. أنا الطفل الذى اختار الحب هدفا والتمرد عشقا.
جميل مطر كاتب ومحلل سياسي