تحت الجهنمية ظهرًا - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 11:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

تحت الجهنمية ظهرًا

نشر فى : الأحد 25 مايو 2014 - 5:30 ص | آخر تحديث : الأحد 25 مايو 2014 - 5:30 ص

صوت متقطع وصفير مستمر كجهاز إنذار قد أصابه عطب مزمن.. الأسماء تصدر عن ذلك الميكروفون فتتحول إلى زقزقة عصافير غير مفهومة، وكأننا فى مشهد كوميدى من فيلم «الناظر صلاح الدين». مع العلم أننا لسنا فى حوش مدرسة المشاغبين، لكن فى فناء مرفق حكومى تم نقله مؤخرا إلى القاهرة الجديدة، هربا من الزحام.. فى ظل الجهنمية الوارفة جلست أتأمل ملامح التخلف الذى يزحف على المدينة، فالشجرة الرائعة، التى تحب الشمس وتتأقلم مع الظروف، كانت الشيء الوحيد المبهج فى المكان، حتى ظننت أنها لم تنبت بفعل فاعل، بل بإرادة سماوية ودون تدخل بشرى.. لأن المبنى الحديث الذى شيد بسواعد مصرية ظهر عليه إعياء لا يليق بعمره، وتلونت جدرانه بالأبيض والأصفر وما بينهما من درجات.. وكان ذلك بفعل فاعل، كما لو أن مقاولين كثرا قد تناوبوا عليه، لتعبث به الأيدى دون استكمال الشغل المطلوب، ثم ترك ليواجه مصيره. أما السلم الخرسانى فقد نشعت المياه من تحته وبانت آثارها أسفل الجدار.

•••

من وقت لآخر، عندما يصيب الميكروفون الخرس، يرتفع صوت عامل البوفيه وزميله فى محاولة لترويج بضاعتهما، وقد جلسا فى بناء يشبه الدشمة العسكرية، من حوله دشم أخرى صغيرة، بدلا من أكشاك الخدمات التقليدية مثل تصوير المستندات إلى ما غير ذلك. وبالنظر إلى الأوراق المطلوبة تكتشف أنه لا يمكن استخراج أى منها هنا فى المقر الجديد، بل يجب الارتحال مجددا إلى العاصمة وضواحيها لكى يقوم موظفون آخرون باستكمال المستندات اللازمة، فى حين أن وجود كمبيوتر صغير قد يؤدى الغرض، دون الحاجة للتنقل بين الأجهزة الحكومية.. هذا لو كان التفكير المنطقى هو سيد الموقف، لكن فى واقع الأمر نحن نتبع دائما الأسلوب «الجهنمى» فى التفكير، ربما نسبة إلى جهنم التى قد نذهب إليها حتفا بسبب أعمالنا، وربما أيضا نسبة إلى نبات الجهنمية الذى يطلق عليه «المجنونة» فى بعض البلاد العربية لأن أفرعها تمتد بشكل عشوائى فى جميع الاتجاهات ويصعب السيطرة عليها.

ومن تجليات هذا التفكير «الجهنمى» هدر الكثير من الوقت والجهد والإمكانات المادية.. فالمجتمعات المتخلفة تعانى اضطرابا فى منهجية التفكير وعجز عن الفكر الحوارى مع الآخرين، وهو ما قد يستشعره أى أكاديمى عندما يقوم بتصحيح أوراق طلابه أو حتى أى متابع للبرامج الإخبارية.

•••

تحت شجرة الجهنمية فى منتصف الظهيرة.. سمعت من جلس إلى جوارى يحاول تبرير الفساد لنفسه ولمن يهاتفه.. ظل يجادل روحه بصوت جهورى، لينفى عن شخصه تربية رثة.. وهى أيضا من سمات المجتمعات المتخلفة، حتى وإن كان نصيبها من التعليم كبيرا، فالتربية الرثة تقوم على تغييب العقل وتقييد الإرادة وتبتعد كل البعد عن المنهج الجدلى.. وتكون النتيجة سوء التنظيم والفوضى والعشوائية والأنانية والفساد. قد يتعرف البعض على ملامح مدينته وأبنائها عند قراءة هذه الكلمات، وقد يجادل البعض ويظل متمسكا بالماضى.. وذلك التمسك بالماضى بكل تشكلاته هو أيضا من خصائص المجتمعات المتخلفة التى يعجز الإنسان فيها عن التصدى لضغوطات الحياة فيلوذ بقوى تحميه، حتى لو اضطر إلى الرجوع للأبطال الشعبيين والتعلق بصورة الأب الراعى ــ المنقذ أو التعلق بالتفكير الخرافى لحل مشكلاته، فيختلط الواقع بالخيال والحقائق بالرغبات. يقف فى وجه التغيير تحت تأثير ثقافة جامدة.. ثقافة تابعة للماضى فقط، وكأن الماضى فقط هو الصحيح.. ما قد يخدم مصالح نخب دينية وسياسية واجتماعية بعينها.

•••

يرمق الموظف السيدة التى أمامه بنظرة استعلاء وتحرش.. يشعر فى قرارة نفسه أنه يعرف تفاصيل الإجراءات المطلوبة، بحكم عمله وتخصصه، أما هى فلا تفقه شيئا كبقية العميلات.. هذه النظرة أيضا من مظاهر التخلف الاجتماعى وسيكولوجية الإنسان المقهور.. هو يجلس فى الشمس، طوال النهار، دون ساتر، كأنه فى عقاب أبدى، ليرد على تساؤلات تتردد كشريط تسجيل «مكرور»، على الطرف الآخر من شجرة الجهنمية. وبدلا من أن يحلم بالسفر حول العالم فى رحلة كتلك التى قام بها الضابط البحرى والمغامر لويس أنطوان دو بوجنفيل الذى اكتشف شجرة الجهنمية فى البرازيل خلال القرن الثامن عشر وأدخلها إلى أوروبا، يظل يجتر الأشجان ويظن أنه محور الكون الذى يتآمر عليه.

ملامح التخلف تتضح أكثر فأكثر تحت ظلال الجهنمية، وكأننا فى حالة على النقيض تماما من رومانسية «تحت الياسمينة فى الليل».

التعليقات