فيلمان من أيام القاهرة السينمائية - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 9:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

فيلمان من أيام القاهرة السينمائية

نشر فى : الخميس 25 أبريل 2019 - 10:35 م | آخر تحديث : الخميس 25 أبريل 2019 - 10:35 م

ما يجمع بين هذين الفيلمين التسجيليين، اللذين شاهدتهما فى أيام القاهرة السينمائية، أنهما فيلمان مهمان من حيث الموضوع، وفيهما جهد كبير من حيث التنفيذ، ولكن هناك مشكلات فنية واضحة فى الفيلمين، مما يؤكد من جديد أن الفن ليس فى المادة أو الموضوع، وإنما فى طريقة معالجتها.

الفيلم السورى الألمانى اللبنانى المشترك «عن الآباء والأبناء»، من إخراج جلال ديركى، يتابع حياة أسرة فى إدلب من جبهة النصرة، أب وأولاده، الرجل يربى الأبناء على مبادئ القتال من أجل تحقيق حلم الخلافة، نتابع ولديه أسامة (على اسم أسامة بن لادن) الذى يتدرب على السلاح ضمن قوات النصرة للناشئين، وأيمن (على اسم أيمن الظواهرى) الذى يختار أن يتعلم فى المدارس العادية، الأب يفقد قدمه فى انفجار لغم، ولكنه يجهز ألغاما أخرى لمن يراهم أعداء الدين، والمخرج الذى تسلل إلى الأسرة بدعوى أنه متعاطف مع الجهاديين، يعود فى نهاية الفيلم إلى ألمانيا، بعد أن وجد نفسه فى وطن غريب عنه.

لا بد أن أى متفرج سينبهر بمتابعة تفصيلات الحياة لرجل متطرف، إنه يقدم هنا أيضا كإنسان من لحم ودم، وليس كشيطان كامل، هو أب عادى جدا، يعشق أولاده، ولديه عقيدة يتشدد فى الدفاع عنها، يؤمن بحرب نهاية العالم القادمة، التى سيسود بعدها العدل الكامل، المخرج يظهر معه ويسأله، ولكنه لا يناقشه أبدا، ربما لأنه زعم له أنه متعاطف معه، ولكن هذا السبق فى اكتشاف حياة متطرف، يتحول إلى نقطة ضعف، حيث تبدو الرؤية غائمة: هل المخرج يتظاهر أمام الرجل بالتعاطف أم أنه متعاطف فعلا؟ هل يراه جهاديا أم متطرفا؟ لماذا لا يعلق المخرج، ولو من خارج الصورة، على أفكار المتطرف؟ وما الفرق بين ما شاهدناه وبين أى فيلم دعائى عن أفكار جبهة النصرة؟

إننا أمام رؤية سطحية تكتفى بالسبق الصحفى؛ مثل أى ريبورتاج تليفزيونى، بل إن بعض الريبورتاجات أكثر عمقا فى إثارة الجدل والنقاش، وفى تعميق الفكرة، بطل فيلمنا مثلا لم يولد متطرفا، ما الذى جعله كذلك؟

لا إجابة، كل ما نراه أب يربى أبناءه على ما يؤمن به، وهو أمر يمكن أن ترى مثله لدى أى تيار متعصب أو غير متعصب، من النازيين إلى ثوار السانديستان؛ مثلا!

مشكلة هذا الفيلم أن «الكوابيس» التى يتحدث عنها، لا تختفى بمجرد الكتابة عنها كما يقول والد المخرج، أو بمجرد تصويرها فى فيلم، ولكنها تختفى بدراستها بعمق، وبإدراك أسبابها، ونسف أفكارها، وليس فى الفيلم أى شىء من ذلك، ولذلك ستساهم هذه المعالجات السطحية، فى تكرار الكوابيس بدلا من محوها.

الفيلم الثانى؛ إنتاج مصرى لبنانى إسبانى قطرى، عنوانه «تأتون من بعيد»، من إخراج أمل رمسيس. الموضوع مؤثر بلا شك، الصحفى الفلسطينى الشيوعى الراحل نجاتى صدقى، تشتت أولاده الثلاثة: دولت وريم وسعيد فى دول ثلاث، دولت بالذات تم إيداعها فى ملجأ فى روسيا، وهى لا تتحدث العربية، بينما عاشت ريم فى أثينا، وعاش سعيد فى البرازيل.

القصة إنسانية بامتياز، وهناك بعض المشاهد المؤثرة، وخصوصا عندما يجتمع الأخوة الثلاثة فى نهاية الفيلم، ولكن المشكلات الفنية أيضا كثيرة، نجاتى صدقى يبدو مناضلا شيوعيا بالأساس، يؤمن بالأممية، وتعانى ابنته دولت من اختياراته، واختيارات أمها الشيوعية اليهودية الأوكرانية، حتى قبل الصراع العربى الإسرائيلى، وبينما يغيب سعيد تماما فى معظم الفيلم، يظهر فجأة فى اللقاء الأخير، رغم أهمية شهادته عن سنوات الطفولة الشباب، وهناك فيلم قصير داخل فيلمنا عن الحرب الأهلية الإسبانية، والمتطوعين العرب فى سبيل الجمهورية، بينما تمر النكبة الفلسطينية مرورا عابرا.

نفتقد فى مناطق كثيرة تعبير وجه دولت وهى تحكى، فتسرف المخرجة بشكل مستفز فى عرض مشاهد المدن التى تصور فيها، بل إن فيلمنا يبدأ بمشاهد تليفزيونية لقصف بغداد فى العام 2002، وهو أمر مقحم تماما فى رأيى، أما منطق تشابه المدن أثناء الحروب فهو منطق شكلى وسطحى، ويبدو أنه منطق الرؤية كلها.

«تأتون من بعيد» عمل تائه بين الإنسان والسياسة والجغرافيا والأماكن، صور ما هو متاح ودمتم، وما هكذا أبدا تعالج هذه الحكاية الإنسانية العظيمة.

التعليقات