دقائق ثمينة قبل المهرجان - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


دقائق ثمينة قبل المهرجان

نشر فى : الأربعاء 25 أبريل 2018 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 أبريل 2018 - 9:45 م

كنت منذ سنوات أستغرب كيف كانت تستيقظ جدتى باكرا، مع الفجر أو حتى قبله أحيانا. كنت حين أنام عندها أرى كيف تبدأ يومها مع أول أشعة الشمس. لطالما تساءلت عن سبب قيامها من سريرها فى ساعات اليوم الأولى، هى التى لا مسئوليات كبيرة لديها إذ إن أولادها كل منهم فى بيته، ولا وظيفة وساعات دوام تنتظرها، ولا هى تستعد للسفر أو اللحاق بطائرة.

فهمت بعد حين أن حاجة أحدنا للنوم تتغير مع التقدم فى السن، أو على الأقل تتغير عادات الفرد فيما يتعلق بأوقات نومه، وقد يضيف إلى ذلك أن يتقاعد الفرد أو يخرج أولاده من المنزل إلى حياتهم ومنازلهم فيختلف التوازن الذى كان يربط حركة البيت بساعات النهار.

صرت أضحك حتى مع والدى فأقول إنه فى طريقه أن يصبح «ختيار» (أى كبيرا فى السن فى اللهجة المشرقية) وذلك نسبة لقلة نومه، وأنا أعلم أن والدى لم يكن يوما كثير النوم أصلا، إنما كان كثير السهر فهو يلجأ لسكون الليل للاختلاء بكتاب جديد أو للتعرف على كاتب اكتشفه فيجعل منه نديما على مدى عدة ليالى حتى يقرر إن كان قد أقنعه بكتابته أم لا.

***

هناك درس أتعلمه بين حين وآخر هو ألا أضحك من شىء قد يصيبنى. وها أنا أفتح عينى فى السادسة صباحا ورغم محاولتى أن أقنع نفسى أننى ما أزال نائمة إلا أننى أعترف بعد ثوانٍ معدودة أن اليوم قد بدأ وسط سكون أستغربه فى بادئ الأمر، إذ ليست القاهرة مدينة للسكون. لا صوت ولا حركة تخترق محيطى، وحده النور يضىء المكان فأتأكد أن الليل قد ذهب فعلا.

أعد القهوة وألاحظ أننى أتطلع إلى أن تملأ رائحتها البيت بقدر تطلعى إلى الاستمتاع بارتشافها. أجلس مع فنجان كبير وأنظر أمامى. يحكى أن هناك ساعة يسميها البعض «ساعة الزرقة» فى لغة لا أتذكر أصلا إن كانت الفرنسية أو لغة أخرى. هى ساعة من السكون التام قبل أن يستيقظ العالم وتبدأ الحركة. لا أظن أنها ساعة كاملة إذ إننى سرعان ما أسمع صوت أفراد العائلة لكنها قطعا دقائق من السكينة الكاملة التى تسبق بدء يوم لن يختلف عم سبقه فى زخم أحداثه حتى لو اكتفى بالأحداث اليومية. العمل والأطفال والمدرسة والطبيب والهاتف وشبكات التواصل الاجتماعى و... ماذا نطبخ اليوم؟ ماذا حدث فى سوريا؟ قتل عشرة أشخاص فى غزة على فكرة. ماذا قال ترامب؟ ارتفع سعر الكهرباء، ما هذا الرقم على الفاتورة؟ وجه الطفلة شاحب. عن أى رحلة مدرسية يتكلم الطفل الأكبر؟ الليلة عزاء والد فلان. الطفل الأوسط فى بيت صديقه يجب أن أعيده إلى البيت. الغسالة لا تعمل. حريق فى منزل حماتى؟ فى منزل جارها، حسنا. لا يوجد حليب، نسينا أن نشتريه بالأمس. الكل جاهز؟ هيا إلى المدرسة. نسيت الدفتر؟ لن نعود إلى البيت فقد تأخرنا. حادث على الطريق، يا ساتر هل وصلت سيارة الإسعاف؟ من كل هؤلاء المتطفلين على المصاب، يقفون حوله فيعيقون تنفسه.

***

كانت دقائق زرقاء هى التى سبقت المهرجان اليومى الذى سوف أتذكره حين أصبح «ختيارة» بكثير من الحنين حين يسألنى أحدهم عن الأولاد. دقائق من السكون أجلس فيها وحدى فى محاولة منى لتصفية ذهنى تماما قبل أن يبدأ بسباقه اليومى فأفشل. أنا فعلا أشرب القهوة بهدوء لكنى قد بدأت بفرز المهام وما يلبث البيت أن يستيقظ فتتبخر الساعة الزرقاء التى لم أختبرها أصلا.

أرى نفسى «ختيارة» أجلس فى ساعة مبكرة على شرفة منزلى فى القاهرة. أسترق النظر والسمع إلى منزل الجيران قبالتى كما فعلت على مدى السنوات فرأيت أطفالهم يكبرون وعرفت أسماءهم رغم أننى لم أتعرف عليهم بنفسى. أجلس اليوم فى سكون تام إذ لا مواعيد عمل ولا جرس مدرسة ولا طبيب أطفال أهرع إليه. هى ساعة زرقاء كما وصفوها تشق أشعة الشمس فيها سواد الليل فيشرق العالم بيوم جديد سوف يرمى زحامه على أم كالتى كنتها، تتمسك بدقائق الصمت تماما كما كنت أتمسك بها ولا تعلم أنها فى يوم سوف تجلس مثلى على كرسى فى الشرفة على أمل أن تلتقط صوت زحمة بيت آخر فتسترجع معها حياتها بأكملها قضتها وكأنها فى سباق مع الأحداث.

***

أعود من رحلتى فى المستقبل، أنا لست تلك الختيارة بعد إنما سوف أكونها. ويومها سوف أزور نفسى كما أنا اليوم وأشتاق إلى صباحى كما هو صباحى الآن. استيقظت الصغيرة وها هى ملتصقة بى بينما أنا أكتب مقالى. زوجى والولدان فى الغرفة المجاورة وأنا طبعا بدأت أتدخل فى حديثهم حتى أغير خططهم وفقا لما أراه مناسبا، من وجهة نظرى. لحظات وسوف أقفز من مكانى كمن لسعته أفعى فسوف يلسعنى الوقت وأدخل فى المهرجان اليومى. كنت قد استيقظت باكرا رغم حاجتى للنوم ولو لدقائق إضافية، حتى آخذ وقتى فى الهدوء، وأسجل تفاصيل سوف أستحضرها بعد سنوات وأنا أجلس على الشرفة وبيدى فنجان من القهوة يذكرنى بمهرجانات يومية مضت.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات