اتأجل يومك يا قيامة! - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 5:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

اتأجل يومك يا قيامة!

نشر فى : السبت 25 مارس 2017 - 10:35 م | آخر تحديث : السبت 25 مارس 2017 - 10:35 م
قرأت خبرا عن اكتشاف رواية مجهولة لطه حسين، بعنوان «خطبة الشيخ» نشرت عام 1916، على حلقات فى جريدة «السفور»، اعتمد فى بنائها على الرسائل المتبادلة بين الشخصيات ليتناول حقوق المرأة وينتقد الأزهريين والأعراف الاجتماعية السائدة. وخلال الأسبوع نفسه شاهدت عرضا مسرحيا موسيقيا، يرجع تاريخه للأربعينيات، وهو من تأليف زكريا أحمد وبيرم التونسى وبعنوان «يوم القيامة»، قدمته فرقة الورشة فى إطار مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة الذى يمتد حتى السادس من إبريل.
أحداث من هذا النوع تجعلنى أدخل فى لعبة المقارنات بين ما كان وما هو حاصل، بين جرأة ومستوى مبدعين بداية القرن الفائت ونهاياته إلى الآن. أتخيل نوعية النقاش أو بالأحرى الاتهامات التى كان من الممكن أن تسقط على رأس من اختار أن يتكلم عن يوم القيامة، دون أن يخلو موضوعه من خلفيات وإسقاطات سياسية تبدو صالحة لكل زمان ومكان. الشاعر والملحن لم يجدا حرجا فى ذلك، ولم يمارسا الرقابة الذاتية فيقيدا أفكارهما وحسهما الفكاهى، وجعلا الشعب يغنى راقصا ومهللا: «سلامات، سلامات.. ألف سلامة، اتأجل يومك يا قيامة». ثم يندد الشعب أيضا بالحاكم، متجوها إلى القلعة مباشرة: « يا ولى يا عين النملة، مين قالك تعمل دى العملة»، لأن الولى ببساطة بدد أموال الخراج وأصبح عاجزا عن تسديد ما يطالبه به السلطان، فقرر أن ينشر بين الناس، من خلال أعوانه، أن يوم القيامة سيكون بعد صلاة الجمعة القادمة.
وقد اعتمد على أن الناس سيزهدون فى الحياة الدنيا، وتسود البلاد حالة من الهرج والمرج، يمكن خلالها أن ينهب رجاله ما يريدون.

***

بسخرية غير زاعقة، نتعرف على ردود أفعال فئات الشعب المختلفة: أهل العوز ينتظرون ما وعدوا به فى الجنة بفارغ الصبر، الدراويش يرغبون فى الخلاص، التجار يريدون التبرع بما ملكت أيديهم أملا فى حسن الختام، شيخ الجامع يحث الناس على «الجودة بالموجودة» دون أن يصرف قرشا مما يملك، بنت شهبندر التجار ترفض الزواج الذى فرضه عليها أبوها وتهرب فتحب شابا أتى من الشام حاملا شوارها الذى سرق معظمه فى الطريق، ولم يتبق منه سوى فستان الزفاف.. ينسج الكاتب قصة حب ناعمة كما فى الحواديت، يغنى فيها البطل والبطلة ليطربا مهجاتنا كما تقول شمس، بنت شهبندر التجار، لحبيبها: «غنيلى يا منصور واطرب مهجتى»، فيرد هو: «يا رايحين حلب فيها الصبايا ملاح، وفوق خدود الصبايا ورد على تفاح، يا عيونى»، لنتحسر نحن على ما حدث لحلب وأهلها وصباياها وأسواقها.

***

وعندما تمر صلاة الجمعة بسلام ويكشف الشعب خدعة الحاكم، يحتفى بالحياة ويقول: «سلامات، سلامات.. ألف سلامة، اتأجل يومك يا قيامة». وبعدها يردد أهل العوز، حزنا على ضياع الجنة أم تمر حنة: «ضحكوا علينا وشحططونا.. الله يكيدهم كما كادونا وكمدونا». نضحك نحن أيضا عند سماع الدعوة ونتصور كيف يمكن أن يرددها معهم الكثيرون، فعلى الرغم من أن المسرحية استندت على رواية حقيقية للجبرتى، وقعت فى القرن الثامن عشر الميلادى، فى عهد الوالى عثمان الحلبى، إلا أنها لا تظل نابضة بروح الصدق الذى لا يرتبط بوقت أو بآذان.
يخاف علينا بيرم التونسى من الموت كمدا، فتكون أغنية الختام التى حفظناها جميعا، دون أن نربط بينها وبين المسرحية «يا حلاوة الدنيا يا حلاوة»، هى حلوة بوجود بيرم وزكريا أحمد وطه حسين ومن على شاكلتهم فى حياتنا وتاريخنا. والرجوع إلى أعمالهم من وقت لآخر ينقذنا مما نحن فيه.

 

التعليقات