قصة مدينتين وقطار مكهّرب - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 26 فبراير 2021 9:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

قصة مدينتين وقطار مكهّرب

نشر فى : الإثنين 25 يناير 2021 - 6:55 م | آخر تحديث : الإثنين 25 يناير 2021 - 6:55 م

لم تعرف دول أفريقيا والشرق الأوسط خطا واحدا للسكك الحديدية عندما شرعت مصر عام 1834 فى مد قضبان خطوط السكة الحديد بين السويس والإسكندرية، والتى توقف مشروعها بسبب اعتراض فرنسا عليه لأسباب سياسية. وكذلك لم يعرف العالم كله سوى خطوط السكك الحديدية فى المملكة المتحدة عندما أنشئ أول خط حديدى فى مصر يوم 12 يوليو عام 1851، وبدأ تشغيله فى عام 1854 تحت إشراف المهندس الإنجليزى روبرت ستيفنسون ابن مخترع القاطرة البخارية «جورج ستيفنسون».
تلك الحقيقة التاريخية التى لا يمكن محوها، ابتلعتها عقود عدة من إهمال شبكة السكك الحديدية فى مصر، وما نشأ عن ذلك بالضرورة من تزايد معدلات الحوادث، وعدم صيانة القطارات والمزلقانات، وتراجع الاعتماد على السكك الحديدية فى نقل الركاب والبضائع بصورة تشكّل عبئا حقيقيا على وسائل النقل البديلة، وعلى تكلفة النقل، وحالة الطرق الممهدة، بل وقبل كل شىء على معدلات الوفيات من حوادث الطرق فى مصر، والتى باتت من أعلى المعدلات عالميا.
اليوم ونحن على أعتاب طفرة جديدة فى وسائل النقل الجماعى فائق السرعة. ونحن نستلهم أهداف التنمية المستدامة التى أقرها البنك الدولى واعتمدتها مصر فى رؤيتها 2030. نضع وزنا كبيرا على وسائل النقل صديقة البيئة، التى تنخفض معها الانبعاثات الضارة بالهواء، والتى ينخفض معها الاعتماد على الوقود الأحفورى. فإن الإعلان عن تدشين شبكة جديدة لخطوط السكك الحديدية لخدمة القطار المكهّرب فائق السرعة، يفتح بابا جديدا للأمل فى تكامل جهود التنمية على نحو غير مسبوق.
***
كل محاولات الغزو الحقيقى للصحراء، وتوسيع رقعة العمران إلى المدى الذى يسمح بتخفيض الكثافات السكانية، وتحقيق مستهدفات التنمية البشرية، ظلت رهنا بإقناع المواطن المصرى شديد الاتصال بالأرض التى نشأ فيها، بأن ينتقل من مكان إلى مكان. الهجرة الداخلية من المناطق الفقيرة إلى مناطق فرص العمل باتت فى ذاتها أزمة تخلق مزيدا من التكدس فى العاصمة والدلتا والمدن الساحلية، وتتسبب فى مزيد من الإفقار للمناطق الطاردة المحرومة من الموارد الطبيعية، لتحرم فوق هذا من مواردها البشرية بصفة مستمرة. وبالتالى فإن خلق مجتمعات ومدن جديدة قريبة من العمران تمنح أملا أكبر فى حل أزمة الكثافة السكانية، وما ينشأ عنها من أزمات مرتبطة وفى مقدمتها البطالة والفقر، وكذا كانت فلسفة اختيار مواقع معظم المدن الجديدة. لكن ظل إقناع ملايين المواطنين بالتوطن فى مكان جديد أمرا شديد الصعوبة. وكان من الضرورى أن يتوافر لتلك المدن وسائل مواصلات آدمية وعملية، تسمح بمرحلة انتقالية يهاجر خلالها السكان هجرة عبرــ يومية بأعداد كبيرة، لحين نشوء أسباب العمران والاستيطان، وتدبير السكن الجديد لتلك الأعداد من العاملين فى هذه المدن. أزمة وسائل المواصلات التقليدية تتمثل فى خلق اختناقات كبيرة فى رحلتى الذهاب والعودة للعاملين بالمدن الجديدة، كما يحدث فى مخارج ومداخل مدينة السادس من أكتوبر، حيث المنطقة الصناعية والقرية الذكية. وكذلك ما تتعرّض له مدن القاهرة الجديدة من اختناقات شبه يومية تتسبب فى أزمات على الطرق السريعة تلقى بظلالها على المدن القديمة بشكل مضاعف... يستثنى من ذلك مدينة السادات وما على شاكلتها نظرا لاعتمادها الكثيف على العمالة من محافظة المنوفية التى تعد ظهيرا لها.
من ناحية أخرى تسبب الاعتماد المفرط على نقل البضائع بالمقطورات ونقل الأفراد بالميكروباص والربع نقل والتاكسى والتوكتوك.. فى ارتفاع تكلفة النقل (من الأنفس والأموال)، وانخفاض كفاءته، وتخريب الطرق بأحمال كبيرة وقيادة متهورة غير مؤهلة، ووضع قيود شديدة على حركة التجارة وجذب الاستثمار والسياحة الداخلية والوافدة من الخارج.
عندئذ كان من الضرورى أن نفكّر مليا فى مصير المدن الكبرى التى صممّت حديثا لتصبح مدنا ذكية عالية التخطيط والتنسيق الحضارى. ما هو مصير العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة الروبيكى ومدينة العلمين ومدينة دمياط للأثاث وغيرها لو استمر الاعتماد فى حركة الانتقال على النقل البرى عبر طرق الأسفلت، فى غياب شبه تام لوسائل النقل الجماعى المنظم فوق تلك الطرق؟ قرارات الهجرة إلى مدينة بدر مثلا القريبة من العاصمة الإدارية، أو إلى المشروعات السكنية فى مدينة العلمين... ربما لا تكون مناسبة وسريعة لكثير من المواطنين الباحثين عن فرص جديدة لتعمير المدينتين، وتحقيق أحلام عزّ نوالها فى المدن القديمة المزدحمة. كما أن الاعتماد على وسائل النقل التقليدية للانتقال يوميا (من وإلى تلك المناطق) ليست حلا عمليا لسكان المدن المصدّرة للعمالة الماهرة فى القاهرة والإسكندرية. ربما يضيع أكثر من نصف اليوم فى محاولة الانتقال بين مدينة وأخرى، ناهيك عن الرغبة فى ربط المدن الجديدة بعضها البعض، وما ينشأ عنه من خلق فرص متزايدة للعمل والاستثمار.
إذن فإطلاق مشروع القطار الكهربائى (أو المكهّرب) فائق السرعة والذى تبلغ سرعته فى المتوسط 250 كم/ساعة، بشبكة يبلغ طولها عند اكتمالها 1000 كم، ولا تعترضه مزلقانات، ولا تنقصه العناية والإدارة (على الأقل عبر عقود التشغيل للسنوات الأولى)، والذى يتخذ مسارات هامة للربط فى مرحلته الأولى بين شرق مصر وغربها مرورا بأهم مدنها الاقتصادية وكتلها السكانية، يحقق العديد من الأهداف والوفورات التى يصعب رصدها فى مقال واحد.
***
بعض المقالات أثارت جدلا حول تكلفة وأهمية المشروع من باب أنه لا يخدم كثافة سكانية معتبرة فى الوضع الراهن. لكن السبيل إلى تقييم هذا المشروع تقييما منصفا يجب أن ينظر إلى أبعد من ذلك. فهو لا يخدم طلبا قائما على حركة النقل بصورة تبرر تكلفة إنشائه اليوم أو حتى عند بدء تشغيله بعد عامين. لكنه بلا شك يخلق طلبا جديدا على العمل والسياحة والإقامة بتلك المدن التى أقيمت لتحسين توزيع السكان فى مصر، وتحقيق تنمية شاملة على أسس صحيحة، تقبل ركائزها التعميم على المدن القائمة تباعا. فالمشروع فضلا عن أهميته المباشرة فى رد الاعتبار إلى وسيلة النقل بالسكك الحديدية، انطلاقا من أحدث ما وصلت إليه الدول المتقدمة وليس عبر الطريق الذى اتخذته تلك الدول من بدايته، يضفى قيمة كبيرة على المشروعات المقامة فى المدن والمناطق التى من المزمع أن تخدمها الشبكة، سواءً السكنية أو التجارية أو الخدمية والصناعية والزراعية. وهو يحقق نقلا آمنا للأفراد والبضائع بكفاءة عالية توفر المال والوقت، وتحقق الاستيطان التدريجى السلس للمدن الجديدة، بعيدا عن التعقيدات التى قتلت الكثير من مشروعات المدن العمرانية فى مهدها.
عالميا تزداد أهمية خطوط السكك الحديدية فى نقل الركاب والبضائع، فهى تستولى على 40% من «حجم» السلع المنقولة و16.2% من قيمتها وهى مسئولة فقط عن 8% من الانبعاثات الكربونية (بالنسبة للقطارات التى تعمل بالوقود التقليدى). بلغ حجم السلع المنقولة عبر خطوط السكك الحديدية عام 2010 نحو 6228 مليون طن ــ كم صعودا من 2106 مليون طن ــ كم عام 1999 وبمعدل نمو سنوى بلغ فى المتوسط 14.7% وفيما بين العامين 2018 و2019 نمت حركة نقل البضائع عبر خطوط السكك الحديدية على مستوى العالم كله باستثناء قارة أفريقيا والتى تراجعت قليلا حركة التجارة عبرها.
وفيما أعلن من بيانات عن مشروع القطار المكهّرب يبدو أن شروط التمويل للتكلفة البالغة فى مجملها ما يقرب من 23 مليار دولار (تستحوذ المرحلة الأولى من المشروع على ثلث تلك القيمة) تبدو جيدة للغاية مع شركة سيمنز الألمانية المنفذة للمشروع. حيث يموّل المشروع بنسبة كبيرة من إيرادات تشغيله، ويتم التمويل عبر مدى زمنى طويل يبلغ عشرين عاما من بدء التشغيل، مما يجعله أشبه بقروض التمويل الميسرة التى توفرها مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولى، خاصة إذا تم التفاوض على تخفيض أسعار الفائدة وغرامات التأخير إلى أدنى مستوياتها، كما نجح السيد الرئيس فى التفاوض على تخفيض نحو 360 مليون دولار من التكلفة دفعة واحدة. أقترح أن تستخدم السندات الخضراء وصكوك التمويل السيادية فى تمويل المشروع. خاصة أنها صكوك تصدر بضمان إيراد، ولا تثقل كاهل الموازنة العامة للبلاد أو مطابع البنكنوت بأعباء المديونية وضغوط التضخّم.
***
القطار المكهرب بين مدينة العين السخنة والعلمين يسطر قصة مدينتين (مع الاعتذار للأديب العالمى تشارلز ديكينز) مدينة فى الشرق (العاصمة الإدارية) وأخرى فى الشمال الغربى (عاصمة الشتاء الساحلية) قدّر لهما أن تؤسسا كمرآة للقاهرة والاسكندرية، يعمل الخط الحديدى كشريان دافق بين البحرين الأحمر والمتوسط مرورا بالقاهرة الكبرى، يصل مدنا زاخرة بالفرص، بأخرى ممتلئة بالطاقات البشرية والاختناق الذى يبحث عن متنفّس.
وعلى الرغم من اهتمام المقال بهذا الخط على وجه التحديد نظرا لحداثة الإعلان عنه، والجدل المثار حوله، فضلا عن أهميته الاستثنائية الكبيرة، إلا إن وزارة النقل قد أعلنت عن خمس خطوط فى خطتها للقطارات الكهربائية هى: خط السلام ــ العاشر بطول 90 كم، وخط مونوريل 6 أكتوبر، وخط بديل لقطار أبوقير، وقطار المنصورة المكهرب، بالإضافة إلى خط السخنة ــ العلمين بطول 460 كم.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات