مُقاوِل أنفَــــار - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 8:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

مُقاوِل أنفَــــار

نشر فى : الجمعة 24 سبتمبر 2021 - 7:50 م | آخر تحديث : الجمعة 24 سبتمبر 2021 - 7:50 م

بعضُ الأحيان تضيقُ الحالُ بشخص فَقَد عملَه لأيّ سببٍ كان، تقصر مهاراتُه عن مُتطلبات السُّوق أو يتخطَّى حرفتَه الزمانُ؛ فيجد نفسَه وقد لجأ إلى قوةِ جسده وحدها، يعتمد عليها في كَسب عيشِه وتوفير قوتِ يومِه. قد يُوكَل إليه حملُ أغراضٍ ثقيلةٍ، أو يشارك في تشييد بناءٍ، أو يساعد في التخلُّص من أثر هدم؛ فنقلُ الأطلالِ وتنظيفُ المكان، وقد يكون العملُ في غيطٍ أو حقلٍ يجمع منه الغلَّةَ ويحصد الثمار.

•••
يأتي دور مقاوِل الأنفار في توفير العمالةِ اليومية البسيطة؛ التي لا همَّ لها إلا كسب ما يفي باحتياجاتٍ تكاد تكون لحظيةً، فإذا كان الحظُّ موفورًا، امتدت الشغلانةُ لأيام، يضمن فيها العاملُ لوازمَه ولوازمَ أسرته، إلى أن تنتهي فيبدأ البحثَ من جديد.
•••
لا يفتش المُقاول عن مُؤهلاتٍ دراسية ولا عن مُعدلات ذكاءٍ عالية ولا يطلُب في العادة مهاراتٍ خاصة مُتفردة، إنما حرفته إيجاد عملٍ لمن لا عمل له، وتجارته تعتمد على عرضٍ وطلب لا ينضبان، فالحاجة لقوة الجسد دائمةٌ مستمرةٌ، وهؤلاء الذين لا يملكون غيرها وفرة.
•••
المُقاول في اللغة العربية هو القائمُ بالمفاوضةِ على سعرٍ وقيمة، والمُقاولة هي اتفاقٌ بين طرفين يكلِّف أَحدهما الآخر بعملٍ ما لقاءَ أجرٍ محدود في مُدة مُعينة، أما الأنفار فجمع نَفر وهو الواحد من الجماعةِ بلا تسمية ولا تخصيص، وأحيانًا ما تُطلَق الكلمةُ على عدد من الرجال ما بين ثلاثة وعشرة.
•••
لا يتمتع الأنفار بحقوق تحميها القوانين، يأتون ويذهبون في سلام، لا يؤمّن عليهم صاحبُ الوظيفة المؤقتة، ولا يحظون بمعاشٍ في سنّ المعاش. لا يُعالجُون كذلك من إصاباتٍ كثيرها جسيم جراء المخاطر التي يتعرَّضون لها، بل ومنهم من يغدو في طرفةِ عينٍ قعيدًا بسبب حادثٍ منبعه الإهمال؛ فالمهام الصعبة التي يُؤجَرون عليها، لا يصحبها حذر ولا ترافقها حيطةٌ، والدارج أن تغيبَ الإجراءاتُ الوقائيةُ عن المشهد؛ إذ النتائج لا تهم. إذا سقط واحد جاء غيره، وإذا اعترض آخر ففي الشارع مُتسع للعاطلين.
•••
تواردت إلى ذهني الخواطر وأنا أتابع برنامجًا حواريًا؛ أعلن فيه مسؤولٌ رفيع أن حالَ التعليم وضَعف الموازنة المُخصَّصة للمُعلّمين، يستدعيان التعاقد مع أفراد شِبه متطوعين، يعملون بالقطعة، فيدخلون الحصةَ ويقرأون على الطلَّاب الدرسَ ثم يأخذون المقابل ويمضون إلى حال سبيلهم. الجنيهات المقررة بالطبع قليلة؛ لكنها لا بد ستجد مَن يرضى بها ومَن يسعى إليها حثيثًا؛ فالناس في ضنك وقرشٌ في اليد خير من لا شيء.
•••
هززت رأسي ونفضت ما ظننته قد علق بأذنيّ وجعلت أكذّب ما سمعت. أيصير المُعلم نفرًا يصطف عارضًا سلعته، مُتنازلًا عن حقوقِه، عارفًا بهوان شأنه، مدركًا أنه في أسفل الدرك، لا يهتم أحد لرفع مستواه ولا لصون كرامته؟ وما التعليم إذًا إن لم يكُن في جانبه الأعظم وسيلةً لحماية الإنسان والارتقاء بذاتِه؟
•••
أظن أن ثمَّة فارقًا شاسعًا بين المُعلّم وبين عامل التراحيل؛ وإن جمعتهما صفاتُ الإنسانية ومُقتضياتُها وشروطُها. الثاني يؤثر في نفسه وقلة في محيطه، أما الأول فيخاطب مئات وآلاف النشء ومنه يتشربون الأخلاقَ والمبادئَ ويستقون المفاهيمَ، ثم يعكسونها في تصرفاتهم وأفعالهم؛ فإذا تجلَّى أمامهم مُهانًا مَحرومًا من مُقومات الحياة المُستقرة الكريمة، يمُد يدَه ليأخذ ما في حكم الصَّدقة، لما استقام بيتُ الشِعر الذي يأمر له بالوُقوفِ والتبجيل، بل وكان غيابُه أفضل وأقلَّ وطأة.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات