فشل بناء الدولة فى أفغانستان - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 5:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

فشل بناء الدولة فى أفغانستان

نشر فى : الثلاثاء 24 أغسطس 2021 - 8:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 أغسطس 2021 - 8:45 م
نشر موقع بروجيكت سينديكيت مقالا للكاتب دارون أيسموجلو يتناول فيه فشل فرضية الولايات المتحدة من إمكانية بناء الدولة من أعلى إلى أسفل فى أفغانستان، وفشل فرضية أن الهيمنة العسكرية على أرض ما تؤدى إلى فرض إرادتها، فالدول لا تبنى بالقوة، بل بالتسوية والتعاون.. نعرض منه ما يلى:

قبل عشرين عاما، غَـزَت الولايات المتحدة أفغانستان على أمل إعادة بناء دولة تحولت إلى بلوى ألَـمَـت بالعالم أجمع وبشعبها ذاته. كما أوضح الجنرال ستانلى ماكريستال فى الفترة التى سبقت زيادة القوات الأمريكية هناك فى عام 2009، كان الهدف يتلخص فى «تمكين حكومة أفغانستان من فرض سيطرتها بالقدر الكافى على أراضيها لدعم الاستقرار الإقليمى ومنع استخدامها لنشر الإرهاب الدولى».
الآن، بعد مقتل أكثر من 100 ألف إنسان وإنفاق نحو 2 تريليون دولار، لم تقدم لنا أمريكا أى نتيجة لجهودها غير المشاهد التى رأيناها هذا الشهر من التدافع اليائس للخروج من أفغانستان ــ وهو انهيار مُـذِل يذكرنا بسقوط سايجون فى عام 1975. تُـرى ما الذى أدى إلى هذه النتيجة المشينة؟
•••
كل شىء تقريبا، ولكن ليس بالطريقة التى يتصورها أغلب الناس. ففى حين ساهم التخطيط الردىء والافتقار إلى المعلومات الاستخباراتية الدقيقة فى هذه الكارثة بكل تأكيد، فإن المشكلة كانت فى حقيقة الأمر فى طور التكوين طوال عشرين عاما.
أدركت الولايات المتحدة فى وقت مبكر أن الطريقة الوحيدة لإنشاء دولة مستقرة تتسم ببعض مظاهر القانون والنظام تتلخص فى إنشاء مؤسسات دولة قوية. وبتشجيع من العديد من الخبراء، ونظريات صارت بائدة الآن، تعاملت المؤسسة العسكرية الأمريكية مع هذا التحدى على أنه مشكلة هندسية: إذ كانت أفغانستان تفتقر إلى مؤسسات الدولة، وقوة أمنية عاملة، ومحاكم، وجهاز بيروقراطى حسن الاطلاع، وعلى هذا فإن الحل يتمثل فى ضخ الموارد ونقل الخبرات من الأجانب. وكانت المنظمات غير الحكومية ــ ومجمع المساعدات الخارجية الغربى فى عموم الأمر ــ حاضرة للمساعدة بطريقتها الخاصة (سواء كان السكان المحليون راغبين فى تلقى هذه المساعدة أو غير راغبين). ولأن عمل هذه المنظمات كان يتطلب درجة من الاستقرار، فكان من الضرورى نشر جنود أجانب ــ قوات حلف شمال الأطلسى بشكل أساسى، ولكن أيضا قوات تتألف من متعاقدين من القطاع الخاص ــ للحفاظ على الأمن.
انطلاقا من نظرتهم إلى بناء الدولة على أنها عملية تجرى من القمة إلى القاعدة، «الدولة أولا»، كان صناع السياسات الأمريكيون يتبعون «تقليدا موقرا» فى العلوم السياسية. الافتراض الأساسى هنا مفاده أنك إذا تمكنت من فرض هيمنتك العسكرية بشكل ساحق على منطقة من الأرض وإخضاع جميع مصادر القوة الأخرى، فيمكنك حينئذ أن تفرض إرادتك. مع ذلك، كانت هذه النظرية فى معظم الأماكن نصف صحيحة فقط، فى أحسن الأحوال؛ وفى أفغانستان كانت خاطئة تماما.
•••
بطبيعة الحال، كانت أفغانستان فى احتياج إلى دولة فاعلة. لكن الافتراض بأن هذه الدولة يمكن فرضها من أعلى من قِـبَـل قوات أجنبية كان فى غير محله. كما زعمت أنا وجيمس روبنسون فى كتابنا الصادر عام 2019 بعنون «الممر الضيق»، يفتقر هذا المنهج إلى أى منطق عندما تكون نقطة البداية لتطبيقه مجتمعا شديد التجانس ومنظم حول عادات وأعراف محلية، حيث كانت مؤسسات الدولة غائبة أو معطلة لفترة طويلة.
صحيح أن نهج بناء الدولة من القمة إلى القاعدة نجح فى بعض الحالات (مثل سلالة تشين فى الصين أو الإمبراطورية العثمانية). لكن أغلب الدول لم تُـبـن بالقوة بل عن طريق التسوية والتعاون. تنطوى مركزية السلطة الناجحة فى ظل مؤسسات الدولة بشكل أكثر شيوعا على الرضا والتعاون من جانب رعايا هذه الدولة. فى هذا النموذج، لا تُـفرَض الدولة على مجتمع ضد رغبته؛ بل تعمل مؤسسات الدولة على بناء الشرعية من خلال تأمين الحد الأدنى من الدعم الشعبى.
هذا لا يعنى أن الولايات المتحدة كان ينبغى لها أن تعمل مع طالبان. بل يعنى أنها كان من الواجب عليها أن تعمل بشكل وثيق مع مجموعات محلية مختلفة، بدلا من ضخ الموارد إلى النظام الفاسد غير التمثيلى بقيادة أول رئيس لأفغانستان بعد طالبان، حامد كرزاى (وإخوته). فى عام 2009، شارَكَ أشرف غنى، الرئيس الأفغانى المدعوم من الولايات المتحدة الذى فَـرَ إلى الإمارات العربية المتحدة، فى تأليف كتاب يوثق كيف تسببت هذه الاستراتيجية فى تغذية الفساد وفشلت فى تحقيق هدفها المعلن. ولكن، بمجرد وصوله إلى السلطة، استمر غنى على ذات الطريق.
الواقع أن الوضع الذى واجهته الولايات المتحدة فى أفغانستان كان أسوأ حتى من الوضع المعتاد الذى يواجه بناء الأمم الطموحين. فمنذ البداية، كان الشعب الأفغانى ينظر إلى الوجود الأميركى على أنه عملية أجنبية تسعى إلى إضعاف مجتمعهم. لم تكن تلك صفقة يريدون إبرامها بطبيعة الحال.
•••
لكن ماذا يحدث عندما تسير جهود بناء الدولة من القمة إلى القاعدة ضد رغبات المجتمع؟ فى العديد من الأماكن، يكون الخيار الجذاب الوحيد هو الانسحاب. فى بعض الأحيان، يأتى الانسحاب على هيئة رحيل جماعى مادى، كما يوضح جيمس سكوت فى دراسته حول شعب زوميا فى جنوب شرق آسيا بعنوان «فَـن ألا تُــحْــكَـم». أو قد يعنى التعايش المشترك دون تعاون، كما فى حالة الأسكتلنديين فى بريطانيا أو الكتالونيين فى إسبانيا. لكن فى مجتمع مستقل بشدة، وجيد التسليح، ويراعى تقليدا قديما من صراعات الدم والثأر، ولا يخلو تاريخه الحديث من حرب أهلية، فإن الاستجابة الأكثر ترجيحا هى الصراع العنيف.
ربما كانت الأمور لتتخذ منحى مختلفا لو لم تقدم وكالة الاستخبارات الباكستانية الدعم لحركة طالبان بعد هزيمتها عسكريا، ولو لم تتسبب هجمات الناتو بطائرات بدون طيار فى إبعاد وتنفير السكان، ولو لم تكن النخب الأفغانية التى دعمتها الولايات المتحدة فاسدة إلى حد الإسراف. لكن أوراق اللعب كانت دوما ضد استراتيجية «الدولة أولا» التى انتهجتها أمريكا.
الحقيقة هى أن قادة الولايات المتحدة كان ينبغى لهم أن يدركوا الواقع على الأرض بشكل أفضل. كما توثق ميليسا دِل وبابلو كويروبين، تبنت أمريكا استراتيجية مماثلة من القمة إلى القاعدة فى فيتنام، وأفضى ذلك إلى نتائج عكسية إلى حد مذهل. فقد أصبحت المناطق التى قُـصِـفَـت لإخضاع الفيتكونج أشد دعما للتمرد ضد أمريكا.
كانت تجربة المؤسسة العسكرية الأمريكية الحديثة فى العراق أكثر دلالة. فكما يوضح بحث من تأليف إيلى بيرمان، وجاكوب شابيرو، وجوزيف فيلتر، عملت «زيادة القوات» هناك بشكل أفضل كثيرا عندما حاول الأمريكيون الفوز بالقلوب والعقول من خلال حشد الدعم من جانب الجماعات المحلية. على نحو مماثل، كما أشرت فى بحثى مع على شيما، وعاصم خوجة، وجيمس روبنسون، يلجأ الناس فى المناطق الريفية فى باكستان إلى القوى الفاعلة غير التابعة للدولة على وجه التحديد عندما يعتقدون أن مؤسسات الدولة غير فعالة وغريبة عنهم.
لا يعنى أى من هذا أن الانسحاب لم يكن من الممكن إدارته على نحو أفضل. ولكن بعد عشرين عاما من الجهود المضللة، كان من المحتم أن تفشل الولايات المتحدة فى تحقيق هدفها المزدوج المتمثل فى الانسحاب من أفغانستان وترك مجتمع مستقر قائم على القانون هناك.
كانت النتيجة مأساة إنسانية هائلة. وحتى لو لم تعد حركة طالبان إلى أسوأ ممارساتها، فسوف يدفع رجال باكستان، ونساؤها بشكل خاص، ثمنا باهظا لإخفاقات أمريكا، فى السنوات والعقود القادمة.

النص الأصلى

التعليقات