اللاجئون السوريون فى مصر - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الخميس 19 سبتمبر 2019 11:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

اللاجئون السوريون فى مصر

نشر فى : السبت 24 أغسطس 2019 - 7:40 م | آخر تحديث : الإثنين 26 أغسطس 2019 - 12:26 م

أثار خلاف بين مواطنة مصرية وصاحب مطعم سوري في مدينة الإسكندرية، ورسالة "الاستغاثة" التي بعثت بها المواطنة إلى رئيس الجمهورية، ردود أفعال واسعة النطاق في مواقع التواصل الاجتماعي، انتقلت إلى وسائط الاتصال التقليدية ومنها صحيفتنا، "الشروق" الغراء. ليس الخلاف ذاته وكنهه موضوع هذا المقال، فالخلاف تناولته أقلام قديرة بالفعل ثم أنه من نوع الخلافات التي تنشأ بين البشر، خاصةً عندما يغيب تطبيق القانون الذي ينظم العلاقات بينهم. ردود الفعل واسعة النطاق على الخلاف انقسمت بين مؤيد لشكوى المواطنة من "جور" اللاجئين السوريين على المصريين، ومنهم من زايد فاشتكى، بين أمور أخرى، من أنهم يستولون على فرص عمل، المصريون أولى بها. لحسن الحظ، انبرت ما يعتبره كاتب هذه السطور أغلبية جارفة لمواجهة هذه الدعاوى وللترحيب بأهل سوريا في مصر. هذا المقال ينضم إلى هذه الأغلبية ويتناول بالتفنيد جوهر هذه الدعاوى وهو أن أهل سوريا عبء على مصر والمصريين.

***
عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى مكتب المفوضية السامية لشئون اللاجئين في مصر يبلغ 131,000. قارن هذا الرقم بعدد اللاجئين السوريين المسجلين حالياً في لبنان والأردن والذي يبلغون المليون تقريباً في لبنان وحوالي السبعمائة ألفاً في الأردن. نسبة اللاجئين السوريين إلى السكان في مصر تبلغ 0,0013 في المائة أي أن واحداً من كل ألف من السكان في مصر سوري. حتى إذا أخذنا التقدير الذي ذهبت إليه السلطات المصرية في الاعتبار منذ سنوات وهو أن إجمالي اللاجئين السوريين المسجلين وغير المسجلين في مصر يصل إلى 300,000 فإن نسبهم إلى السكان ستبلغ 0,003 أي أن ثلاثة من كل ألف ساكن سوريون. هل هذه أو تلك نسبة يعتد بها في أي حساب؟ النسبة المقابلة للاجئين المسجلين وحدهم في كل من لبنان والأردن هي حالياً 16,6 في المائة وفي الأردن 7 في المائة.

بعبارة أخرى، 17 من كل مائة من السكان في لبنان وسبعة من كل من مائة في الأردن سوريون. المقارنة تستدعي الحياء. واللاجئون الـ131,000 في مصر يعيشون في 44000 أسرة معيشية حسب أرقام المفوضية السامية. هذا معناه أن كل أسرة معيشية تتكون في المتوسط من حوالي ثلاثة أفراد. الأسرة المعيشية هي فرد أو مجموعة من الأفراد يعيشون في مكان واحد ويشتركون في وجبات الغذاء. معدل مشاركة اللاجئين في النشاط الاقتصادي، بعبارة أخرى اشتراكهم في سوق العمل، منخفض بشكل عام في كل مكان. ولكن لنفترض أن واحداً من كل ثلاثة أعضاء في الأسرة المعيشية يشترك في النشاط الاقتصادي، أي أن 44,000 سورياً يعملون أو يبحثون عن عمل. بل فلنفترض أن هذا المعدّل ينطبق على ال 300,000 لاجئ الذين قدرتهم السلطات فيصل عدد المشاركين في النشاط الاقتصادي إلى 100,000. قس هذا العدد أو ذاك بقوة العمل المصرية التي تصل إلى الثلاثين مليوناً. هذا القياس سيبيّن أن المشاركين السوريين في النشاط الاقتصادي يمثلون 0,001 أو 0,003 على أقصى تقدير أي أن واحداً أو ثلاثةً من كل ألف مشارك في سوق العمل المصرية سوري أو سوريون. هل هذه نسبة يمكن أن تؤثر بأي شكل من الأشكال في سوق العمل المصرية وفي تشغيل المصريين؟

ثم إنه ليس كل السوريين الذين لاذوا بمصر ممن يعملون أو يبحثون عن عمل لدى الغير. صاحب مطعم الإسكندرية نفسه خير مثال على ذلك. تقرير صادر في سنة 2017 عن ثلاث من وكالات الأمم المتحدة وبرامجها هي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأغذية العالمي تحت عنوان "توفير فرص العمل يحدث الأثر المنشود" يكشف عن أن استثمارات السوريين في مصر بلغت 800 مليون دولار. عندما ينشئ اللاجئون أو المهاجرون في أي مكان مشروعات اقتصادية فهم يضيفون إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلد المعني وينشئون فرص عمل لأبناء هذا البلد أنفسهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر كأثر مضاعف للاستثمار فضلاً عن الاستهلاك. ومصر ليست استثناء من بين البلاد، بمعنى أن منشآت السوريين في مصر من محال ومطاعم ومصانع أنشأت فرص عمل وشغّلت مصريين.

***
غير أن للحديث في مصر عن فرص العمل التي ينتزعها من المصريين "الأجانب"، وهم السوريون في هذه الحالة، جانباً مدهشاً لسبب آخر، غريبٌ أنه لم يخطر على بال من يصدر عنهم. كيف يمكن أن يصدر هذا الكلام في بلد يعيش ستة ملايين من أبنائه، في تقدير المتخصصين، "أجانب" في بلدان أخرى، يعملون ويحققون بعرق أجبانهم دخولاً يحولون الجانب الأكبر منها إلى مصر، حتى أن تحويلاتهم وصلت في تقديرات البنك الدولي إلى 28.9 مليار دولار في سنة 2018 مثلت 11,6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؟ بعبارة أخرى، عادلت قيمة التحويلات أكثر من واحد على عشرة من كل ما أنتجته مصر من سلع وخدمات في 2018.

التحويلات كانت المصدر الأول للعملة الأجنبية في مصر في السنوات الأخيرة التي انكمشت فيها السياحة الدولية. ألا يمنح هذا الكلام الذي يعدم أي أساس في الواقع وقوداً لدعاة حماية أسواق العمل الوطنية، وللمتطرفين القوميين المعادين للأجانب في البلدان التي يعمل فيها المصريون ويكدّون ليعيلوا أسرهم ويساندوا الاقتصاد المصري برمته فيستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر نفس أولئك الذين يناوئون أهل سوريا وكل من هم أو ما هو "أجنبي" في مصر؟ متوقعٌ أن البعض قد يقول أن المصريين في بلدان هجرتهم مجتهدون بينما اللاجئين و"الأجانب" عالة على مصر. أول ردّ لذلك هو مرة أخرى في مثال صاحب مطعم الإسكندرية والمئات أو الآلاف غيره الذين أنشأوا مشروعات في مصر. أما الرد الثاني فهو أن هذا القول بحرفه يسوقه في حق المهاجرين المصريين وغيرهم عدد من المتعصبين المتطرفين في بعض البلدان التي يعملون فيها والذين كانوا هم أنفسهم مهاجرين.

بعض قدامى المهاجرين الإيطاليين في مصر أو أبناؤهم، مثلاً، يقولون أنهم أتوا إلى مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين بمهارات ومعارف ليشتركوا في تحديثها بينما المهاجرون المصريون لا يساهموا بأي شكل مفيد. لحسن الحظ أن هؤلاء المتعصبين قلة ولكن هل يريد أحد من بيننا منح ما يقولونه أي شرعية بتكراره في حق أهل سوريا أو غيرهم، على الرغم من مجافاته لواقع ما حدث أو يحدث؟

***
نترك مناقشة الموضوع اقتصادياً ونتناول سريعا جانبه المتعلق بالقانون الدولي. القانون الدولي للاجئين بمقتضى كل من قواعده العرفية واتفاقية سنة 1951 بشأن وضع اللاجئين يلزم الدول الأعضاء في المجتمع الدولي باستقبال من يلجأ إليها هرباً من الاضطهاد في بلاده وتوفير الحماية له. مصر طرف في الاتفاقية وفي بروتوكولها الملحق الصادر في سنة 1967، وهي كذلك، وللعلم، طرف في اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لسنة 1969 بشأن المشكلات الخاصة باللاجئين في إفريقيا. أن تكون مصر طرفاً في الاتفاقيات المندرجة في كل أفرع القانون الدولي، من القانون الدولي لحقوق الإنسان مروراً بالقانون الدولي للعمل وصولاً إلى القانون الدولي للاجئين وغير هذه من أفرع، مما يشرف مصر والمصريين. وتَشَرُّفُهم يزيد عندما لا تكتفي مصر بالانضمام للاتفاقيات بل تضيف إليه تطبيقها بحسن نية وأمانة. سمعة الدول عظيمة الأهمية لتحركها في المجتمع الدولي وهي تقاس باحترام الدول للقانون الدولي وغير الدولي. وللاحتياط، نسارع إلى القول بأن عدم احترام دول أخرى، قريبة أو بعيدة، صغيرة أو كبيرة، للقانون الدولي ليس مبرراً لعدم مراعاة أحكامه. أما من باب القانون الداخلي فإن مصر تقرّ بالحق في اللجوء إليها منذ دستور سنة 1923.
***
ولكن ثمة جانباً سياسياً شديد الأهمية في موضوعنا كان من الجدير بمن يزعمون الغيرة على مصلحة مصر والمصريين أن يأخذوه في الاعتبار. في الثقافة السياسية المصرية حرص على اعتبار مصر "الشقيقة الكبرى" بين الدول العربية وهو حرص تشترك فيه الأغلبية الساحقة من المصريين. أن تكون الشقيقة الكبرى يرفع من مستوى مكانة مصر في المجتمعين الإقليمي والدولي، ولهذه المكانة مردود معنوي غير ملموس ومردود مادي ملموس. المردود يرجع إلى اعتبار أنها تستطيع بمكانتها أن تؤثر في مواقف شقيقاتها. أليس لهذه المكانة ثمن؟ أليس على الزعيم واجبات تجاه من يتزعمهم حتى يرتاحوا إلى زعامته؟ أليس على الشقيقة الكبرى مهام تضطلع بها تجاه شقيقاتها وأبنائهن؟ النكوص عن التزام مصر بحماية مواطني الدول العربية الأخرى، وكذلك الإفريقية، المحتاجين إلى الحماية هو انتقاص من قدر مصر وتقويض لمصالحها ومصالح مواطنيها.
فليعش أهل سوريا مكرمين في مصر، وليجتهدوا حتى تتحقق مصالحهم وينتفع المصريون.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات