الله لا يطلع حدا من بيته - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 7:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الله لا يطلع حدا من بيته

نشر فى : الأربعاء 24 أغسطس 2016 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 أغسطس 2016 - 9:20 م
وقفت أمام باب الدخول أفتش عن المفتاح فى حقيبتى بعد عدة أسابيع من السفر والبعد عن البيت. حين وجدته رفعت رأسى فظهر أمامى باب خشبى عليه نقوش هندسية مختلفة فى أشكالها وفى درجات ألوانها البنية. نظرت إلى الباب فى تمعن، ثم أخذت خطوة إلى الوراء لأتمكن من استيعاب شكل الباب وتعقيد تصميمه. أدخلت المفتاح فى القفل وأدرته فحرر اللسان المعدنى ودفعت الباب لأجد أمامى مدخل بيتى فى القاهرة.

الباب الذى فتحته، الباب ذو التشكيلات الهندسية، هو باب بيتنا فى دمشق وليس باب بيتنا فى القاهرة، فبابنا فى القاهرة بسيط لا ألوان أو أشكال فيه. وقفت فى الردهة أحاول أن أفهم اللعبة اللئيمة التى لعبها عقلى حين أوحى لى أننى وقفت عند مدخل بيتنا فى سوريا. لقد تداخلت عواطفى عند عودتى إلى ما أعتبره «البيت»، حيث إن القاهرة هى أيضا بيتى والمكان الذى تعيش فيه عائلتى، وبما أننى غبت عن البيت لمدة طويلة نوعا ما، شعرت خلالها بالشوق إلى حياتى اليومية وإلى المساحة التى أتحرك فيها بشكل مألوف، واشتقت فيها إلى خصوصية «البيت» رغم زخم الرحلة وامتلائها بالأحداث التى لم تسمح لى بالتوقف كثيرا عند العواطف المختلفة، فقد اختلطت على الأمور حين وصلت أمام الباب، فدخل شوقى لبيت عائلتى فى سوريا على شوقى لبيتى فى مصر.

***

داخل البيت رأيت حياتى كما تركتها قبل السفر، هنا غرفة النوم وثيابى، هنا المكتبة ومجموعة كتب كنت أنا أو زوجى قد اخترناها من على الرفوف لنقرأها ولم نعدها إلى مكانها، فى المطبخ البهارات مرصوصة على رفوف صغيرة، وأدوات الطبخ فى أماكنها حتى أننى أردت أن أبدأ فورا بالطبخ، فالمطبخ يعطينى شعورا فوريا بالانتماء، يعيدنى إلى مطبخ أمى وإلى قصص الصديقات التى كنا نبدأها ونحن نغلى القهوة حتى قبل أن نصبها فى الفناجين.

بعد رحلتى الطويلة أردت أن ينسانى الزمن عدة أيام داخل البيت فلا أضطر إلى الخروج منه، وأستعيد نفسى مع التفاصيل والزوايا. أخذت وقتى فى ترتيب أشيائى ورصها فى الأماكن المخصصة لها، لم أجلس أمام جهاز الكمبيوتر لأننى أردت أن أشعر بالعلاقة الحسية مع المكان الذى عدت إليه. هنا بيتى وحياتى ومكان أعيش فيه مع زوجى وأولادى. ترى ماذا سيكون شعورى لو سلب منى هذا المكان، لو لم أستطع العودة إليه، لو منعتنى الظروف من الجلوس فى مكانى المفضل على الكنبة أمام اللوحة التى اشتريتها منذ سنوات من فنان كان شابا وأصبح اليوم مشهورا؟

***

كثيرا ما أتواصل بحكم عملى واهتماماتى بأشخاص فقدوا بيوتهم لأسباب قاهرة، أجلس مع سيدات لأستمع إلى قصص النزوح واللجوء والحرمان والمثابرة والتمسك بالحياة، أتساءل دوما عما كنت سأفعله لو عرفت أننى لن أعود إلى البيت. هناك لعبة صرت أجدها قاسية تسأل فيها المجموعة أحدهم «ما الذى تأخذه معك لو اضطررت أن تفر من بيتك بسبب حريق؟»، فيجيب أحدهم «هاتفى النقال» أو تقول إحداهن «أدوات التجميل» أو «ألبوم الصور».

أن تستيقظ يوما فتجد نفسك خارج بيتك، خارج بلدك وخارج حياتك التى كنت قد رتبتها بدقة كأن تستيقظ فتجد نفسك خارج الزمن، معلقا من خيط رفيع مربوط بيدك، فيتدلى جسدك بأكمله فى الفراغ إلا تلك اليد التى يمسكها الخيط، حتى أنك تشك فى أن يكون الخيط قويا بما فيه الكفاية فلا ينقطع بسبب ثقل الحمل وثقل الحياة التى يحاول أن يشدها. تحتك المجهول ومن حولك الفراغ وجسدك يتأرجح مع الرياح بينما يشدك خيط مربوط بيدك. هناك، وأنت معرض للسقوط فى الهاوية، حين تشعر أنك أصبحت كرة من الفراغ، تتذكر كرسيك المفضل وشمس ما بعد الظهر وهى تدخل بكسل إلى
الغرفة عبر الزجاج، تحرك أنت ملعقتين من السكر فى الشاى، وتفتح كتابك الذى لم تستطع أن تقرأه منذ أيام بسبب مرض طفلك وانشغالك به.

***

نحن نلجأ أوقات الشدة إلى ذكريات دفناها داخلنا، فترى أحدنا يكرر على مسامع من حوله وصفه لحياته السابقة، أو لمقتنيات ليست بالضرورة ذات قيمة مادية، إنما استرجاعها بشكل متكرر أثناء الحديث يخفف من مرارة اختفائها من حياته. أو ندفن الذكريات بعيدا جدا بحيث لا تقع ذاكرتنا عليها بسهولة، فنستطيع التعامل مع حياتنا الجديدة دون أن تعطلنا ضحكات من نحب حين تصدح فى ذاكرتنا.

لكن لعقلنا الباطن قدرة عجيبة على مفاجأتنا باستمرار، كأن يضعنى أمام باب البيت فى الشام وأنا فى القاهرة، فتختلط فى قلبى مشاعر الضياع والوصول، البيت والسفر، القرب والبعد، أسرتى التى كونتها هنا فى بيت القاهرة، والابنة التى كنتها فى بيت العائلة هناك. أشعر أحيانا وكأن الحياة عبارة عن شظايا كثيرة تشكل من نحن، جميعها متماسكة بفضل مادة سحرية تهترئ أحيانا فتسقط قطعة منها تنفجر تحت أقدامنا وتجرحنا، نشعر بالألم وتسيل دماؤنا أو دموعنا فتختلط بالمادة اللاصقة وتساعدها على لصق ما سقط.

أتجول فى البيت وأنا أحاول استخدام حواسى الخمسة للشعور بالمكان، واستيعاب أن البيت هو ذلك المكان الذى يحتضننا بعد غياب، نرمى عند بابه همومنا وندخل متنشقين رائحة من نحبهم فيه. كانت جدتى رحمها الله تقول «الله لا يطلع حدا من بيته»، ولم أكن وقتها أفهم لماذا تدعو ربها أن يبقيها فى مكانها بدل أن تسافر وتزور العالم. الآن فهمت.
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات