أجواء وأصداء الانتخابات البرلمانية السورية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 4:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

أجواء وأصداء الانتخابات البرلمانية السورية

نشر فى : الجمعة 24 يوليه 2020 - 10:25 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يوليه 2020 - 10:25 م

أجريت الانتخابات البرلمانية السورية الثالثة منذ تعديل الدستور السورى فى عام 2012، يوم الأحد 19 يوليو 2020. وكان مقررا لها أن تجرى فى 13 أبريل، وأجلت إلى 20 مايو الماضى ثم أجلت ليوليو، وتعد هذه الانتخابات هى الأقل حظا من سابقاتها ليس فقط بسبب ظروف مواجهة وباء كورونا وما تبعه من اتخاذ إجراءات احترازية وتباعد فى لجان الاقتراع، وخشية الناخبين من احتمالات الإصابة بفيروس كورونا، وإنما لعدة ظروف وملابسات أحاطت بأجواء هذه الانتخابات منها:
• تدهور كبير فى الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر الذى قدرته بعض المنظمات الدولية بما يزيد عن 80% من السكان، وذلك بسبب عدة عوامل فى مقدمتها طول فترة الحرب التى امتدت نحو تسع سنوات، مع انخفاض فى الإنتاج فى معظم القطاعات وما أصاب البنية الأساسية من تدمير وضعف أداء ما تبقى منها، وخروج أهم مناطق إنتاج البترول عن سيطرة الحكومة، وانخفاض عائدات التجارة الخارجية.
• كما أن إيران التى كانت تقدم مساعدات وقروضا بسخاء لم تعد قادرة على الاحتفاظ بنفس المستوى سواء فى السلع الاستراتيجية ومنها البترول أو المساعدات المالية نتيجة معاناة الاقتصاد الإيرانى من أزمات حادة متتالية من جراء المقاطعة الاقتصادية الأمريكية وتداعيات وباء كورونا. يضاف إلى ذلك تأثير أزمة كورونا على سوريا داخليا، وتأثير الأزمة الاقتصادية والمالية فى لبنان على الاقتصاد السورى، نظرا للارتباط الوثيق بين اقتصاد البلدين وهو ما أدى إلى انخفاض كبير فى سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكى وانخفاض قوتها الشرائية، مما زاد معاناة المواطنين وذوى الدخول الثابتة الذين لا تكفى رواتبهم وأجورهم لمواجهة متطلبات معيشتهم وأسرهم.
هذا إلى جانب بدء تطبيق العقوبات التى فرضها قانون قيصر الأمريكى على سوريا اعتبارا من شهر يونيو 2020 إلى جانب العقوبات الأمريكية والأوروبية السابقة وما لها من مضاعفات سلبية على الاقتصاد السورى.
• حدوث حالة من الجمود على المسار السياسى لحل الأزمة السورية، وعدم بدء عمل اللجنة الدستورية السورية التى تأخرت كثيرا فى إنجاز التعديلات الدستورية المطلوبة والمقرر انعقادها فى أواخر شهر أغسطس 2020. وكانت هناك رغبة لدى روسيا وعدة أطراف دولية أخرى فى أن تسرع اللجنة فى إنجاز عملها قبل إجراء الانتخابات البرلمانية السورية هذا العام والرئاسية العام القادم. كما كانت موسكو تحث النظام السورى على تقديم بعض التنازلات للمعارضة خاصة بعد أن حقق النظام سيطرته على معظم الأراضى السورية وإخراج المنظمات المسلحة والمنظمات الإرهابية من عدة مناطق كانت خارج سيطرة النظام، ومن ثم فإن التنازلات التى سيقدمها هى مصدر قوة من ناحية وتسرع بالعملية السياسية والتوصل إلى تسوية من ناحية أخرى. ولكن النظام السورى يرفض تقديم أى تنازلات مؤثرة ويميل إلى الاستمرار على المسار العسكرى لاسترداد سيطرته على باقى الأراضى السورية. وهو ما أدى إلى حالة من الاحتقان الصامت بين دمشق وموسكو يخرج أحيانا إلى العلن فى الإعلام الروسى الذى بدأ على غير العادة يوجه انتقادات شديدة إلى النظام السورى، ويتهمه بالعناد وعدم الواقعية، وإضاعة فرص متاحة قد تساعد كثيرا على اختصار الطريق على المسار السياسى، وتعرب عن خشيتها أن يؤدى هذا العناد وعدم الواقعية إلى تغيرات فى الظروف والأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية فى غير صالح النظام.
• شككت المعارضة ــ خاصة جبهة الائتلاف الوطنى المعارضة فى الخارج، فى مدى شرعية هذه الانتخابات البرلمانية استنادا إلى أن نحو 8 ملايين سورى مهاجرين فى الخارج أو نازحين فى مناطق خارج سيطرة الحكومة لن تجرى فيها انتخابات، كما أن مناطق الإدارة الذاتية تحت سيطرة الأكراد السوريين رفضوا دخول اللجان وصناديق الاقتراع إليها قائلين إنهم لا شأن لهم بهذه الانتخابات. ومن ثم فإن كل هؤلاء السوريين لم يشاركوا فى الانتخابات التى ستأتى نتائجها ــ كما تقول المعارضة ــ على هوى الحكومة وكما أعدت لها.
• عدم اهتمام شرائح عديدة من المواطنين السوريين بالمشاركة فى الاقتراع فى هذه الانتخابات لعدم اقتناعهم بها سواء من حيث رؤيتهم أن الأولوية تكون لإعادة الإعمار للأحياء المدمرة والتى يفترض من سكانها المشاركة فى هذه الانتخابات، كما يرون أن الأولوية القصوى هى إنهاء هذه الحرب العبثية التى طال أمدها والتى تجعلهم يعيشون حتى الآن وسط قلق وخوف شديد من انفجار هنا أو هناك أو غارات جوية من طرف أو آخر تودى بحياة المزيد من أبنائهم وأحبابهم. ومن ثم كان عزوفهم عن هذه الانتخابات.
• رغم أن البرلمان يختص بمناقشة بيان الحكومة، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار خطط التنمية الوطنية، ومنح وحجب الثقة عن الحكومة أو أحد الوزراء، والبرلمان هو الجهاز الرقابى على أداء الحكومة، وإقرار القوانين، إلا أن غالبية المواطنين يرون أن دوره مرتبط بالدرجة الأولى بما تريده الحكومة فى معظم إن لم يكن فى كل الأحيان، ويرون أنه هيئة بعيدة عن هموم المواطنين الحقيقية.
***
هذا وقد أجريت الانتخابات فى نحو 7000 لجنة، وترشح بها 1658 مرشحا فى قائمتين كل منها تمثل 50% للعمال والفلاحين، و50% الأخرى. وتضم القائمة الأولى مرشحى مختلف النقابات (الأطباء – المحامين – الصيادلة – العمال، وغيرهم) على أن لا يكون المرشح يعمل فى التجارة أو تكون لديه صناعة، والقائمة الثانية تضم رجال المال والأعمال والصناعة والمستقلين. ويتكون البرلمان من 250 عضوا.
وما أن تعلن نتيجة الانتخابات حتى تستقيل الحكومة الحالية التى سبق إعفاء رئيسها فى شهر يونيو وتكليف وزير الموارد المائية حسين عرنوس القيام بأعمال رئيس الوزراء إلى أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات البرلمانية.
ويسيطر على البرلمان منذ زمن طويل حزب البعث والأحزاب المتحالفة معه وتكون ما يعرف بقائمة الوحدة الوطنية فى الانتخابات والمكونة من مرشحين يختارهم قيادات الأحزاب التى تشكل «الجبهة الوطنية التقدمية» مع حزب البعث العربى الاشتراكى. ويلاحظ أنه قد تم انسحاب ثلاثة من كبار المرشحين قبل الانتخابات بيومين أبرزهم رجل الأعمال محمد حمشو. وقد شملت الانتخابات مناطق استطاعت الحكومة بدعم من روسيا وإيران استعادة السيطرة عليها، ولم يسبق أن أجريت فيها الانتخابات البرلمانية عام 2016، كما خصصت مراكز اقتراع لنازحين من مناطق لا تزال خارج سيطرة الحكومة.
ويلاحظ أنه لم تجذب الناخبين الإعلانات الضخمة الدعائية لرجال الأعمال من المرشحين، وغطت عليها أنباء بعض التفجيرات والغارات الإسرائيلية، ومتابعة الإصابات بفيروس كورونا ووفيات بعض الأطباء، وكثرة جرائم السرقات وما يصاحبها من عنف قد يؤدى فى عدة حالات إلى القتل. وكان التناقض واضحا بين ما يتحدث عنه المرشحون من وعود بناء حاضر ومستقبل أفضل وبين مشاهد الدمار والفقر التى تغلب على كثير من الأماكن والأحياء، وانعدام الأمن الغذائى حسب تقديرات برنامج الأغذية العالمى. وقد لاحظ المراقبون أن معظم الناخبين من موظفى الحكومة الذين يخشون على وظائفهم أو من المؤيدين لبعض رجال الأعمال الذين يعملون معهم أو يتعاملون معهم. وكان يوم الانتخابات يوم عمل عادى وهو ما أدى إلى ضعف إقبال الناخبين على لجان الاقتراع فى النصف الأول من اليوم وهو ما دعا هيئة الانتخابات إلى الموافقة على تمديد فترة الإدلاء بالأصوات من السابعة مساء إلى الحادية عشرة مساء لإعطاء فرصة أكبر للعائدين من أعمالهم من ناحية، وزيادة عدد المشاركين من ناحية أخرى.
***
ولم تحظ الانتخابات البرلمانية السورية باهتمام خارجى يذكر وكان فى أغلبه أقرب إلى الانتقاد حتى من جانب حليف رئيسى وهو روسيا التى لم تصدر عنها آراء أو تعليقات رسمية فى فترة الإعداد للانتخابات باستثناء تصريح للمتحدثة الرسمية الروسية زاخاروفا أشارت فيه إلى أن الانتخابات مهمة من أجل تحقيق الاستقرار، ولكنها أضافت أنه لا يمكن الحكم عليها قبل معرفة نتائجها. أما على المستوى الإعلامى الروسى فيرى بعض الكتاب الروس أن الانتخابات تجرى فى ظل ظروف بالغة الصعوبة، وحالة من الاستياء الشعبى العام، وعدم قبول من المجتمع الدولى، ويرون أن النظام السورى يحاول تجاهل ما أنجزته روسيا مع حلفائها فى مسار أستانة، ويعمل على الالتفاف على تنفيذ ما حدده قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر عام 2015 والذى يحدد الإطار العام للتسوية السياسية للأزمة السورية، وأن النظام السورى يراهن على إجراء انتخابات رئاسية على نفس نمط الانتخابات البرلمانية، والاستمرار فى الحكم كما يشاء بعد توليه على مدى 20 عاما حتى الآن، وأن هذا كله يزيد الأمور صعوبة وقد يدفع المجتمع الدولى إلى العمل بوسائل أخرى على تغيير هذه الأوضاع.
وقد أعربت الخارجية الإيرانية عن أملها فى أن تشكل الانتخابات البرلمانية السورية خطوة إيجابية نحو تحقيق التسوية السياسية والسلام والاستقرار، وأن تمثل تقدما على مسار الحوار السورى – السورى، والتخفيف من معاناة الشعب السورى.
وواضح أن موقف إيران يتماهى مع موقف النظام السورى باتخاذ موقف قوى من المعارضة السورية، وبصفة خاصة المعارضة المسلحة والمعارضة فى الخارج والتى يمثلها الائتلاف الوطنى السورى المعارض.
وقد وصفت واشنطون الانتخابات بأنها مزورة وأن هدفها الوحيد الإبقاء على شرعية الرئيس بشار الأسد.
وقد فاز فى هذه الانتخابات عدد كبير ممن يسمون أثرياء الحرب، وأمراء الحرب فى سوريا المتعاونين مع النظام.
هذا ويتمسك النظام بموقفه من أنه إذا لم تقبل المعارضة ما تقدمه الحكومة لها فإنه لا سبيل إلا استكمال استعادة سيطرة النظام على بقية الأقاليم والمناطق السورية بالقوة أيا كان المجهود والوقت ورغم كل الصعوبات.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات