غَفْـــــــــــلَة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 12 أغسطس 2022 1:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

غَفْـــــــــــلَة

نشر فى : الجمعة 24 يونيو 2022 - 9:05 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يونيو 2022 - 9:05 م
انحنى بها الظَّهرُ وابيضَّ الشعر وخّفَّ، وحفرت بعضُ التجاعيد خطوطًا على العنُق والجبهة. ظهرت أوجاع المَفاصل فضاقت الخطوةُ وتباطأت الحركة. جرى ما جرى في غَفْلَةٍ من الزمان؛ لكن شيئًا لم ينل مِن جوهرها. دامت الروحُ مُتوثّبةً ملأى بالحيوية، تواقةً للمَعرفة والتجربة، لا ينهكها كربٌ ولا تنال منها الخطوب.
• • •
الغَفْلَةُ في قواميس اللغة العربية حالٌ من الغيبةِ والسَّهو، والغافلُ عن أمرٍ من الأمور هو غير المُنتبه له، أما الرَّجُل الغُفل بضَمّ الغين؛ فعديم الخبرةٍ الجاهلُ بالمألوف، والنَصُّ الغُفل إذًا؛ مَجهولُ التوقيع لا يُعرَف كاتبه. إذا غفّل واحدٌ الآخرَ بتشديد الفاء؛ فقد صرف نظره بعيدًا عما يُهمُّه وضلَّله عامدًا مُتعمدًا، والشخصُ المُغفَّل هو من يسهل تعرُّضه للغشّ والخداع، وقد وضع أبو الفرج بن الجوزيّ في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" تعريفًا جامعًا للفريقين، فقال إن الحمقَ والتغفيلَ يمثلان غلطًا في اختيار الوسيلةِ والطريقِ إلى المَطلوب، مع التسليمِ بصحَّة المقصود.
• • •
إن غَفَلَت العينُ عن المُراقبة والمُتابعة المُوكَلة إليها؛ فقد نَكَصَت وتَقاعَسَت وأخلَّت بواجِبها، أما إذا غَفَت؛ فقد هزمها النومُ بما له من سَطوة ومَقدرة. الفارقُ بين المفردتين حرفٌ واحد هو اللام، لكن ثمَّة مسافةً طويلةً تفصل بينهما؛ الغفلةُ بمنزلةِ اتهام، بينما الغفوةُ غلبةٌ للطبيعة وإقرارٌ بتصاريفها.
• • •
وَرَدَ تعبير "إرادةُ الغفلة" عنوانًا لافتًا لإحدى مقالات الراحلِ العظيم عباس محمود العقاد. هذا العنوانُ المُبتَكر قد صِيغَ ببلاغةٍ ساخرةٍ مُثيرةٍ، ضمن سياقٍ حَمَل تعبيراتٍ شبيهةٍ مُوازِية؛ تحدَّث العقاد عن إرادةِ الحياةِ عند دارون، وإرادةِ القوَّة عند نيتشه، ثم جعلَ الغَفلةَ في ذاتها إرادةً، واختصَّ بها "أناسًا من الشرقيين" يتلذَّذون بالاستغفال؛ إذ هو مُتعةٌ بلا عناء، أقرب ما تكون إلى الاسترسالِ في النوم. يأتي التعبيرُ العبقريّ "إرادة الغفلة" من دِقَّة التوصيف والتشخيص، بما يترك أثرًا قاسيًا مؤلمًا عند القارئ المُتأمّل في الألفاظِ والمعاني والدلالات؛ فغفلتنا الطويلةُ مَصنوعةٌ مُدبَّرة، ونحن نشارك بمنتهى الحرصِ والدأبِ في تغذيتِها وتنميتِها وتجذيرِها. نبحثُ في العادةِ عن غمامةٍ ننْظر من خلالِها؛ فتعمى أعينُنا عن رؤيةِ الواقعِ بمساوئِه وعوراتِه، ونخلقُ بأيدينا غيبوبةً تلفُّ عقولَنا وتبتلع الوعيَ بالحاضرِ، ثم تحجِبُ عن الخيالِ المُستقبلَ؛ حتى إذا وقعت الواقعةُ ندمنا على ما اقترفنا بحقّ أنفسِنا وذرفنا الدَّمعَ وبتنا في لومٍ وتأنيب، مع هذا لا نلبث نُعيد الكرَّة ونتغفَّل باختيارنا مِن جديد.
• • •
إذا تدارَك المَرءُ زِلةً وشيكة، وتمكَّن من إنقاذ ما قد شارَفَ على الفسادِ أو الانهيار؛ فقد استفاقَ من غَفْلتِه في اللحظةِ المُناسبة، وتلك نادرةٌ من النوادر؛ إذ العادة أن يفوتَ الأوانُ، ويضع القَّدرُ أوزارَه ويضفي لمسَاته الأخيرة على اللوحة، فتكتمِل الصورة، وتتحقَّقُ منها العِبرةُ وتؤخذُ العِظة.
• • •
ثمَّة عبارةٌ نحفظها عن ظهرِ قلب، ونرددها ما لزِمَ الأمر: القانونُ لا يحمي المُغفَّلين. المُغفَّلون درجاتٌ وأنواع أما القانون فواحد، تسري بنودُه وموادُه وأحكامُه بغضّ النَّظرِ عن حال الضحايا. ربما بدا المُغفَّلُ على درجةٍ مُنخفضَةٍ من الذكاءِ، وربما كان مِن السذاجةِ بمكان؛ استبدَّت به النوايا الحسنةُ والظنونُ الطيبة؛ فما افترَضَ في الآخرين سوءًا، ولا ارتابَ أو تشكَّك في أغراضِهم وتدابيرِهم ونواياهم، والحقُّ أن القوانينَ مهما بدت صارمةً مُحكَمَة؛ فإنها تحوي مِن الثَّغرات ما ينفُذ منه أصحابُ المهارةِ والدَّهاء وما يستغلُّه المُحنَّكون. أمام كُلّ مُغفَّلٍ مُحتالٌ، وفي مُقابل كُلّ مُستقيمٍ مُنحرفاتٌ وانحناءات.
• • •
غفلنا طويلًا عن خطواتٍ كان علينا أن نخطوَها، وعن مواقف تخاذلنا حين حقَّ اتخاذُها، وعن صراعاتٍ وَجَبَت لكنَّا لم نَخُضها. طال بنا الزَّمنُ رابضين في أماكِننا، مُغفَّلين عن ضروراتٍ وصيروراتٍ حتميةٍ لا مَهرَب منها، مُتصورين أن الحياةَ ستطيبُ مع الوقت، وستُنعِم علينا بالمنّ والعسلِ جزاءَ الصَّبر، لكنها والعهدةُ على الأولين؛ تعطينا درسًا تلوَ الآخر وتُلهِب ظهورَنا بالسياطِ لعلنا ننتبه ونَستَبصِر.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات