تعليم الصحافة فى العالم العربى - قضايا إعلامية - بوابة الشروق
الأربعاء 1 أبريل 2020 12:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

تعليم الصحافة فى العالم العربى

نشر فى : الأربعاء 24 يونيو 2015 - 12:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 يونيو 2015 - 3:29 م

قبل ثمانى سنوات قامت مجموعة من طلبة إحدى الجامعات الحكومية الأردنية، التى تدرس الصحافة والإعلام، بحركة احتجاجية استمرت ثلاثة أيام رافضين الدخول إلى قاعات المحاضرات. كانت عناوين هذه الحركة: نريد مناهج جديدة لتعليم الصحافة، وتعليما جديدا، وأساتذة جددا، فى إشارة إلى حجم أزمة تعليم الصحافة والإعلام فى الجامعات الأردنية، التى تعد من بين أفضل الجامعات العربية فى الكثير من المؤشرات، فما بالك بحجم هذه الأزمة فى الجامعات العربية الأخرى؟

تلك الحركة الاحتجاجية الصغيرة والغريبة على تقاليد الاحتجاجات الطلابية فى جامعات الشرق الأوسط دفعتنى لكتابة مقال فى ذلك الوقت عن أولئك الطلبة الذين كسروا حاجز الصمت فى الأبراج الأكاديمية، وكانوا من المبادرين إلى المطالبة بجودة التعليم فى كليات الصحافة والإعلام.

ودفعت ثمن تلك المقالة التى دافعت فيها عن مطالب الطلبة، إذ وجد بعض الأساتذة ذلك اصطفافا مع الطلبة ضد الأساتذة. ومع ذلك لم تثمر تلك الحركة الاحتجاجية سوى عن تغيرات شكلية، هى تحويل القسم إلى كلية وزيادة أعداد الطلبة.

اليوم وبعد التحولات الكبيرة التى شهدها العالم العربى خلال السنوات الأربع الأخيرة يبدو واضحا حجم دور التشوهات التى يعانيها الإعلام وأهمية التركيز على واقع نظم تعليم الإعلام فى العالم العربى كأولوية أساسية. كما يبدو مهما الكشف عن عمق الفجوة بين تلك النظم وما يشهده تعليم الصحافة والإعلام فى العالم من تحولات خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ومدى قرب مؤسسات تعليم الصحافة فى العالم العربى من النقاش المحتدم منذ سنوات، حول الحفاظ على جودة الصحافة فى ضوء التحولات الكبيرة التى تشهدها، بفعل تكنولوجيا الاتصال التى تقود فى هذه الأثناء إلى تحولات جذرية فى العملية الاتصالية والإعلامية، والانتقال الكبير من الاتصال العمودى التقليدى إلى الاتصال الأفقى الجديد الذى يلعب فيه المواطنون الدور الرئيسى.

هذه التحولات العميقة فى حقول الاتصال الجماهيرى والصحافة كشفت عن جانب من أزمة الأداء المهنى والأخلاقى فى وسائل الإعلام، فقد ذهبت العديد من الوثائق إلى إحالة أزمة الصحافة وأزمة المهنية وفشل النموذج الاقتصادى لوسائل الإعلام إلى كليات الصحافة ولجمود التعليم الذى تعانيه.

وهذه النقاشات وجدت صدى عميقا فى مؤسسات التعليم الصحفى فى العديد من مناطق العالم، وانعكست فى مراجعة مناهج التعليم وأساليبه، وفى الطريقة التى يتعلم بها الطلبة جمع المعلومات والأخبار، كما طرحت هذه المراجعات أسئلة أخلاقية أكثر عمقا فى الكثير من القضايا، منها الطرق التى يتعلمها الطلبة فى التعامل مع المصادر المزدحمة للمعلومات، والمحتوى الذى ينتجه المستخدمون وغيرها.

***

أزمة تعليم الصحافة فى العالم العربى لها أوجه مختلفة بالمقارنة مع ما يدور حوله النقاش فى المجتمعات الغربية، وللأسف، على الرغم مما شهدته السنوات الأخيرة من ازدياد الاعتراف فى المنطقة العربية بقوة تأثير وسائل الإعلام فى الشأن العام، وازدياد الاختلاف حول تقييم هذا الدور، فإنه لا يوجد نقاش جاد أو مبادرات تتناول واقع تعليم الصحافة، المبادرة الوحيدة ــ فى حدود علم الكاتب ــ أطلقتها اليونسكو بالتعاون مع جامعة القاهرة العام 2011، وهى مبادرة صغيرة لتقييم أداء كليات الصحافة المصرية، ولم نسمع عن نتائجها.

إن مراجعة ملامح نظم تعليم الصحافة والإعلام فى الجامعات والكليات العربية يكشف جذور التحديات التى تواجه تطوير الإعلام فى العالم العربى، وحجم الفرص الضائعة التى كان من المفترض أن يساهم التعليم من خلالها فى تطوير مهنة الصحافة، وما يعنى ذلك من مصفوفة طويلة من التأثير فى الحياة العامة، وفى جعل الشئون العامة أولوية أساسية للجمهور، وفى إنضاج المشاركة العامة، وتعزيز فرص التحول الديمقراطى ومكانة حقوق الإنسان، وبناء مؤسسات مدنية، ومجتمع تعددى يؤمن بالتنوع.

وعلى الرغم من أن هناك تنوعا فى نظم تعليم الصحافة فى الجامعات العربية، نرصد أهم ملامح هذه النظم المتمثلة فى التوسع الكمى الكبير، حيث يوجد فى العالم العربى نحو 135 برنامجا أكاديميا لتعليم الصحافة والإعلام فى الجامعات العربية، معظمها ظهر فى آخر عقدين، ومنها على سبيل المثال 19 برنامجا فى الجامعات المصرية، و7 برامج فى الجامعات الأردنية. وهناك تفاوتا كبيرا فى توفر المرافق والبنى التحتية الملائمة فى الجامعات ومستواها، مثل المختبرات والاستديوهات، ولكنها فى الأغلب غير مستثمرة فى تنمية الجانب التطبيقى.

لكن هذه البرامج لم تطور فى المقابل نظما للجودة الأكاديمية، أو للتميز والمنافسة. ويلاحظ هذا الاستنتاج فى فهم مدخلات هذه البرامج، ومنها الخطط الدراسية تقليدية، التى لم تستجب للتحديث، فما زالت الخطط الدراسية فى أقسام كليات الإعلام فى معظم الجامعات العربية، غير محدثة بما يستجيب للتطور الذى شهده علم الصحافة والإعلام، ولم تُدخَل إليها مواد فى الإعلام الرقمى، ولم تستجب للتطور الكبير فى تكنولوجيا الاتصال. وعلينا أن نتذكر فى هذا المجال أن الكثير من الدول العربية لا يوجد لديها هيئات اعتماد لمؤسسات التعليم العالى لتحديد معايير اعتماد الأقسام الأكاديمية، وفى الدول القليلة التى تتوافر لديها هيئات اعتماد، فإن معايير اعتماد الأقسام ما تزال بعيدة عن التحولات الكبيرة التى يشهدها الإعلام، فعلى سبيل المثال ما تزال معايير الاعتماد لإحدى هيئات الاعتماد العربية تتطلب وجود مختبرات لتحميض الأفلام بالطرق التقليدية.

***

إن من أهم التحديات التى تواجه تعليم الصحافة والإعلام التركيز على المعرفة النظرية على حساب التطبيق، إذ تركز الخطط الدراسية فى معظم البرامج على الأطر النظرية، فيما لا تتجاوز المهارات التطبيقية فى أحسن الأحوال 10 فى المئة، ما ينعكس سلبا على نوعية الخريجين وقدرتهم على المنافسة فى السوق. وضعف الاستجابة للتجديد والتكيف مع التغيير والاندماج السريع مع التكنولوجيا وبيئات الأعمال الجديدة. وهذا ينسحب على ضعف انفتاح كليات الإعلام على وسائل الإعلام الوطنية والإقليمية والاتصال بها، فلا ترتبط المؤسسات التعليمية بعلاقات تعاون تكاملية تنعكس على نوعية التعليم وعلى البحث العلمى.

للأسف ورغم وجود تجارب رائدة فى بناء الهيئات التدريسية مثل برامج الابتعاث والمنح الدراسية، إلا أن معظم هذه البرامج توقفت فى الجامعات العامة والخاصة. ففى الأردن توقفت برامج المنح الخاصة بإرسال الطلبة لجامعات مرموقة والعودة للتدريس فى أقسام الصحافة منذ نحو عقدين.

وفى جامعة القاهرة، التى تحتضن أعرق كلية إعلام عربية، نجد معظم أعضاء هيئة التدريس هم من خريجى الكلية نفسها، ونلاحظ اليوم ندرة فى المتخصصين فى مجالات الصحافة والإعلام من حملة درجة الدكتوراة فيما ترفض معظم تلك الجامعات الاستفادة من خبرات الخبراء والمهنيين من خارج الأكاديميين. يحدث ذلك فى الوقت الذى تتوسع فيه الجامعات بافتتاح برامج جديدة فى هذه المجالات، ما يدفعها إلى التراخى فى التدقيق فى معايير الكفاءة، ويتكرر ذلك فى عدم وجود معايير ومتطلبات جادة فى اختيار الطلبة المقبولين فى أقسام الصحافة، مثل الاختبارات والاستعداد والشغف لدى الطالب بأن يصبح صحفيا.

***

لقد أثبتت التحولات العربية بعد العام 2011 دور الإعلام فى إحداث التغيير وإدارته، فى الوقت الذى كشفت فيه هذه التحولات الفجوات الكبيرة فى أدائه، فالإعلام العربى الذى كان حليفا للسلطة فى الماضى، ما زال عاجزا عن أن يكون حليفا للديموقراطية، وهذا يطرح سلسلة من القضايا الأساسية، من بينها تأهيل الصحافيين العرب، وإصلاح نظم تعليم الصحافة والإعلام، وذلك فى ضوء المتغيرات الآتية:

تتزامن مرحلة الانتقال السياسى نحو الديموقراطية، التى يشهدها عدد من المجتمعات العربية، مع ثورة إعلامية واسعة. وفى وقت من المفترض فيه أن تنهض وسائل الإعلام بدورها فى توطين قيم الديموقراطية وتوفير قنوات حرة ونزيهة لتدفق المعلومات، ومنابر متعددة للنقاش العام، إلا أنها لم تقم بهذا الدور، إذ إن معظم الصحفيين العرب قد نشأوا وتلقوا تعليمهم فى ظل أنظمة ديكتاتورية، وفى مؤسسات تعليم تقليدية.

ــ تشهد وسائل الإعلام العربى تحولات واسعة فى هيكل مؤسسات الإعلام وملكيتها، مع بدء تخلى الحكومات عن احتكار ملكية وسائل الإعلام، مما يتيح للقطاع الخاص والمجتمع فرصة امتلاك وسائل الإعلام وإدارتها، وهذا الأمر يؤدى إلى ظهور منافسة حقيقية بين وسائل الإعلام، تحتاج إلى صحافيين مهنيين منافسين، ما لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود نظم تأهيل وتعليم وتدريب ذات جودة عالية.

كشفت محاولات التحول الديمقراطى فى المجتمعات العربية، التى شهدت ثورات شعبية منذ مطلع العام 2011، حالة من الفوضى الإعلامية؛ لقد كشفت هذه التحولات فجوة مهنية وأزمة أخلاقية وضعف فى تأهيل الصحفيين فى استخدام الأدوات الرقمية يتطلّب ردمها بإصلاح نظم تعليم الصحافة والإعلام.

***

تكمن الأهداف التى يجب على الجامعات العربية أن تطمح للوصول إليها بكل بساطة فى الاندماج فى العالم الرقمى، والمزيد من الحرص على تعليم أصول الصحافة فى القيم والأخلاقيات والممارسات المهنية، كان جوزيف بوليتزر يقول «إن الصحافيين الذين لا يتعلمون مهنتهم فى كليات علمية يتعلمون مهنتهم على حساب الجمهور». وإذا لم تتطور كليات الصحافة فى الجامعات العربية، فإن الكثير من الصحافيين العرب سيبقون يتعلمون مهنتهم على حساب الجمهور وسيبقى الجمهور أسيرا للاستبداد والفساد.

عميد معهد الإعلام الأردنى.
ينشر بالاتفاق مع مجلة الفنار للإعلام

التعليقات