الاعتداء على الأطباء والمستشفيات.. أليس له من نهاية؟ - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأربعاء 8 يوليه 2020 10:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الاعتداء على الأطباء والمستشفيات.. أليس له من نهاية؟

نشر فى : الجمعة 24 أبريل 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 24 أبريل 2020 - 9:55 م

دخل المريض فى الثانية بعد منتصف الليل مصابا بذبحة صدرية وجلطة بالقلب إلى أفضل وحدة قسطرة فى معهد القلب وهى أحدث وحدة لقسطرة القلب فى مصر كلها، أبلغ الأطباء أقاربه بخطورة الحالة وقاموا بإجراء قسطرة لشرايين القلب ولكن المريض توفى بعدها فى الرابعة فجرا.
جاء قرابة مائة شخص من أقارب وأصدقاء المريض، وقاموا باقتحام معهد القلب، وحطموا غرفة القسطرة، والتى بلغت تكلفتها أكثر من 20 مليون جنيه، فضلا عن كم الإهانات والاعتداءات على الأطباء والممرضات سواء بالأيدى أو بالألفاظ النابية التى يعف اللسان عنها.
وما أدراك ما موقف الطبيب وقتها، وهو متحير بين أمرين أحلاهما مر، إما أن يترك غرفة العناية المركزة ومرضاها لمصيرهم المحتوم، وإما أن يقف مع المرضى ليدافع عن نفسه ومرضاه وحيدا أمام هجمات هذا التتار.
وآه مما يحدث للطبيبات وقتها، ويا ويل الطبيبة لو أدركها مثل هذا الموقف أو كان تخصصها قلب أو عناية مركزة أو تخدير ومات مريض فى نوبتجيتها.
أما مرضى العناية المركزة الذين يشرف أكثرهم على الموت فيقفزون فى هلع ورعب ساعتها من أسرتهم مذعورين لا يلوون على شىء ولا يدرون ماذا يفعلون.
سيقول البعض: وأين أمين الشرطة ومساعدوه الموجودون فى نقطة المستشفى؟
فأقول هؤلاء لا حول لهم ولا قوة وكما أنهم لم يستطيعوا صد الهجوم البربرى من هؤلاء المائة المدججين بالعصى والسنج فى معهد القلب فإنه لا يستطيع فعل شىء فى مثل هذه الهجمات، فهو وحيد فريد دون سلاح، ولا هيبة له، فالأمين فى قسم الشرطة يختلف جذريا عنه أى مكان آخر مثل المستشفى.
هذا الذى حدث من قرابة عام فى معهد القلب يتكرر كثيرا فى معظم المستشفيات ولكن بسيناريوهات مختلفة.
ففى 12 إبريل الماضى قدمت مريضة عمرها 62 عاما إلى مستشفى شبرا العام ولديها التهاب رئوى حاد، وكانت تعانى من قبل من أمراض صدرية خطيرة ودخلت العناية المركزة مرارا، وتردت حالتها بعد أربعة أيام من العلاج رغم وجودها على جهاز التنفس الصناعى، فقام أقاربها بتحطيم جهاز التنفس الصناعى الذى كانت تعالج به وثمنه قد يصل إلى ثلث مليون؟؟؟؟؟؟؟ جنيه، وفى المستشفى 25 جهازا أمريكيا من أحدث الأجهزة، ولولا أن الأمن مستقر وقوى فى البلاد وله هيبة الآن لقاموا بتكسير كل الأجهزة.
أما ما لم يذكر فهو كم الإهانات والاعتداءات على الأطباء وطواقم التمريض وسيل البذاءات التى نالتهم فضلا عما أصاب مرضى العناية المركزية الذين ينامون على الأسرة بجوارها من رعب وهلع.
أى عقل يفكر به هؤلاء، فهذه امرأة مسنة لديها أدوية خطيرة ومتكررة ومزمنة وحالتها متأخرة، وقدمت لها الرعاية الفائقة وكانت فى أرقى مكان طبى «فى العناية المركزة» فماذا لو دخلت المستشفى وهى سليمة أو شابة، ترى ماذا كان يفعل هؤلاء؟!
إنه الاستخفاف بالأطباء وطواقم التمريض من جهة وعدم الاعتداد بحرمة هذا المكان، فهؤلاء لو كانوا فى مكان آخر له هيبة وسطوة ما فكروا أصلا بهذه الطريقة، ولو علموا أن عقابهم سيكون رادعا وفوريا وقويا ما فعلوا ذلك.
هؤلاء يعرفون أن المئات من أطباء الطوارئ والعناية والجراحات المعقدة يشتمون صباح مساء، وليس أمامهم خيار سوى العفو والتجاوز والصمت، لأن الطبيب لا يستطيع مجاراة هؤلاء فى سفاهتهم وبذاءتهم، ولا وقت لديه للجرى فى الأقسام والنيابات لأنه يمكن أن يحبس مع الطرف الآخر، حتى تظهر الحقيقة بعد حين وذلك يحدث كثيرا وسيجد نفسه وحيدا فى القسم لا نقابة معه ولا زملاء ولا مدير مستشفى.
والطبيب لم يتعود طوال حياته على المشاكسات والملاسنات، ويعرف أنه لا نفوذ له، ولا أحد يحميه، وليست هناك كاميرات فى المستشفى توثق جريمة هؤلاء، ومعظمهم يخرج براءة بفضل حيل المحامين فلن يثبت تكسير الأجهزة وضرب الأطباء على أحد بحجة أنه فى حالة الشيوع، ولن يتطوع أحد بالشهادة لأن الشاهد سيذوق الأمرين ويتعرض للويلات، وما أدراك ما العنت الذى سيصيب الشهود من الممرضات والطبيبات خاصة إذا تأخروا فى أقسام الشرطة بالليل، فضلا عن الاستدعاءات القضائية التى قد ينتظرون فيها خارج المكتب عدة ساعات دون اعتبار لوقتهم أو حتى إنسانيتهم.
لقد حكى لى صديقى د/ علاء الرحال، استشارى القلب والباطنة، أنه فى التسعينيات دخلت سيدة مستشفى دمنهور العام، وكانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، فأرسلها الاستقبال فورا إلى العناية المركزة لإدراك ما يمكن إدراكه من حياتها، وحاول أطباء العناية المركزة إنقاذها بكل الطرق دون جدوى ولفظت أنفاسها الأخيرة، رغم التنفس الصناعى والصدمات وغيرها.
وآه وألف آه من كلمة «البقاء لله» التى يقولها أحد الأطباء «تعيس الحظ» لأهل المريضة، فبمجرد قولها ينفجر البركان، وتحضر الشياطين رغم أنها قدمت المستشفى فى النزع الأخير، فقد قام أهلها بضرب الأطباء جميعا والممرضات والعمال وحطموا كل أجهزة العناية المركزة، وفر المرضى من على أسرتهم مذعورين، ومعظمهم كانوا نائمين ليلا، كل ذلك رغم أنها جاءت للمستشفى شبه متوفية وبذل معها المستحيل.
أما أمين الشرطة المغلوب على أمره فلم يستطع فعل شىء أمام هذا الطوفان ولم يحدث لهؤلاء عقوبات تذكر، وماتت القضية مثل غيرها، فالشيوع يفسد أى قضية والبركة فى بعض المحامين الذين لا ضمير لهم.
وفى النهاية تخسر الدولة عدة ملايين هى أحوج ما تكون إليها ولن تتوفر هذه الملايين لمثل هذه المحافظة البعيدة إلا بعد عدة أعوام، ويعيش المرضى الفقراء عدة أعوام بدون عناية مركزة فى هذه البلدة.
وأسوأ شىء فى مصر أن المتهمين لو حصلوا على براءة كان من المفروض عليهم شراء أجهزة بديلة عن التى حطموها، ولكن هيهات.. هيهات، فلا الأجهزة، ولا كرامة الأطقم الطبية عادت، الكل ذهب أدراج الرياح.
والغريب أن الطبيب لا يؤمن عليه ضد هذه الأخطار، فضلا عن طواقم التمريض، ولا أدرى كيف يمارس الطبيب ومساعدوه مهنتهم بهمة ونشاط وهم لا يشعرون بالأمان، ففى عام واحد سجلت 81 حالة اعتداء عليهم.
أما حالات الاعتداء على المستشفيات وتحطيم الأجهزة الطبية وضرب الأطباء بعد ثورة 25 يناير فهى أكثر من أن تحصى، وحدث عنها ولا حرج، فقد كان الانفلات الأمنى خطيرا جدا، وكان الأطباء يضربون يوميا وكذلك الممرضات، وبعضهم أضرب عن العمل.
وعادة ما يعتدى على الطبيب المخلص الذى يواصل الليل بالنهار لرعاية المرضى ويسهر الليل ويرفض مغادرة المستشفى أو التزويغ منه، لأن الأهالى لا يجدون سواه لفرد عضلاتهم عليه وإهانته لأنهم يعلمون أنه أضعف حلقة فى منظومة الدولة كلها.
وأعتقد أن هذه الفترة كانت البداية الحقيقة لهجر كل الكفاءات الطبية المستشفيات الحكومية بالحصول على إجازة بدون مرتب، أو هجر الطب المصرى كله، والسفر إلى أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا، أو بلاد الخليج.
وكل هؤلاء كانوا كفاءات قوية، فلا الحكومة كانت تحميهم من جهة ولا تنصفهم ماليا من جهة، وقد يسجن مع أى حالة وفاة أو ما شابه ذلك.
وفى السنوات الماضية ما قابلت جراحا أو طبيب عناية كف إلا وحدثنى عن إجازاته المتكررة بدون مرتب أو السفر للخارج، أو من ينتظر ترتيب أموره لأحدهما.
فترة الانفلات الأمنى بعد ثورة 25 يناير كانت الأسوأ على جميع الأطباء والمستشفيات، ومن يدرس هذه الفترة المأساوية على القطاع الطبى سيدرك أثرها الخطير على ما بعدها، فالدولة استعادت هيبة كل المؤسسات الأمنية بعدها، ولكن دون القطاع الطبى الذى ظل بلا حماية ولا تطوير ولا إمكانيات، ودون دراسة كافية لخطورة هجرة الكفاءات الطبية وهذه الهجرة لأفضل الكفاءات الطبيبة لدينا لم تحدث حتى فى عصور الجدب الاقتصادى المصرى، أو حتى فى حالات الحروب التى مرت بها مصر، مما أضاع على وطننا فرصا رائعة من السياحة العلاجية المتميزة التى ذهبت إلى دول أقل منا كفاءة وخبرة طبية.
الاعتداء على الأجهزة والطواقم الطبية لابد أن ينتهى إلى غير رجعة وأن توضع لهذه المشكلة الحلول الجذرية ضمن منظومة طبية حديثة تليق بمصر التى كانت أول دولة فى الشرق الأوسط كله تنشأ فيها مدرسة عليا للطب وفيها أول التخصصات الطبية الدقيقة فى الشرق الأوسط، ولعل هذا الأيام تكون مناسبة لإعادة النظر فى المنظومة الصحية المصرية كلها.
وصدق الشاعر:
إن المعلم والطبيب كليهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما.

التعليقات