لماذا لا تُلبى الحكومة اللبنانية الجديدة مطالب الشارع؟ - رابحة سيف علام - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


لماذا لا تُلبى الحكومة اللبنانية الجديدة مطالب الشارع؟

نشر فى : الجمعة 24 يناير 2020 - 10:15 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يناير 2020 - 10:15 م

تشكلت الحكومة اللبنانية الجديدة بعد أكثر من شهر من تسمية رئيس الوزراء حسان دياب من جانب نحو 69 نائبا من أصل 128 نائبا لبنانيا، تتألف هذه الحكومة من 20 وزيرا ــ بينهم 6 وزيرات ــ بعد دمج عدد من الوزارات تخفيفا للنفقات باعتبارها حكومة لإدارة الأزمة الحالية ولتقديم حلول إنقاذية للوضع الاقتصادى والمعيشى المتردى، وإذ يتحدث رئيس الحكومة عن حكومته باعتبارها حكومة كفاءات أو خبراء كما طلب الشارع الذى لم تخفت الاحتجاجات فيه من 17 أكتوبر الماضى، واصل المحتجون إعلان غضبهم فى الشارع رفضا لهذه الحكومة وتشكيكا فى مصداقيتها، فلماذا لا تُلبى الحكومة اللبنانية الجديدة مطالب الشارع؟
***
مطالب الشارع المنتفض فى لبنان كثيرة ولكن كان على رأسها مطلب إسقاط النخبة السياسية الحاكمة، وتفرع هذا المطلب إلى إسقاط الحكومة ــ وهو ما حدث فعلا باستقالة الحريرى ــ وأيضا إلى المطالبة بمحاسبة الفاسدين الذين أهدروا المال العام لسنوات دون تقديم خدمات لائقة للمواطنين، ولكن مطلب إسقاط الحكومة لم يعنِ قط أن تأتى الحكومة الجديدة بنفس قواعد تشكيل الحكومات السابقة، بل على العكس، يعنى أن تأتى الحكومة الجديدة على قواعد جديدة تناسب المفردات السياسية الجديدة التى فرضها الشارع المنتفض، طالب المحتجون بحكومة لإدارة الأزمة من خبراء ومتخصصين كلٍ فى مجاله من أجل البحث فى حلول عاجلة وإنقاذية لمعالجة تردى الوضع المعيشى والاقتصادى، وأيضا لاقتراح حلول طويلة الأجل تعالج العوار المستحكم فى إدارة اقتصاد ما بعد الحرب منذ نحو ثلاثين عاما، كما كان الغرض أيضا من مطلب الحكومة المحايدة سياسيا أن تشرع فور تسلمها زمام الأمور فى التخطيط لانتخابات نيابية مبكرة وفق قانون انتخابى جديد لا يخضع للاعتبارات الطائفية ويعتبر لبنان كله دائرة واحدة، ولكن أغلبية النخبة السياسية الحاكمة رفضت مبدأ توزير خبراء محايدين، وعلى إثر ذلك انسحب الحريرى من تشكيل الحكومة، وهذا الشقاق أدى بالتالى إلى نسف التحالف الحكومى الذى قام على تسوية عون / الحريرى منذ عام 2016، ولذا فهذه الحكومة تشكلت من فريق واحد وليست حكومة وحدة وطنية كحكومات الأزمات السابقة، وهذا الفريق الواحد هو فريق حزب الله وحلفاؤه من التيار العونى وحركة أمل ومجمل الأحزاب الموالية لسوريا إبان وجودها العسكرى فى لبنان حتى عام 2005، وثانيا فوفق التركيب الطائفى فهذه الحكومة لا يترأسها أهم زعيم للسُنة فى لبنان، وهو الحريرى، ولذا وصفت بأنها حكومة غير ميثاقية – أى أنها لا تحترم روح الميثاق الوطنى لعام 1943 الذى وزع الرئاسات الثلاثة ــ رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ــ بشكل طائفى بين مارونى وسُنى وشيعى، ورغم أن رئيس الحكومة الحالى هو بطبيعة الحال سُنى، فإنه لا يمثل أغلبية السُنة وليس له تمثيل برلمانى سُنى كبير يقف وراءه، وبالتالى فإذا قِسنا تشكيل هذه الحكومة على معايير تشكيل الحكومات ما قبل انتفاضة 17 أكتوبر، فهى حكومة فريق واحد وتمثيل السُنة فيها ضعيف وبالتالى فهى لا تبدو حكومة قادرة على إدارة الأزمة لما يشوب تمثيلها السياسى والطائفى من ضعف.
أما إذا قسنا هذه الحكومة على معايير ما بعد انتفاضة 17 أكتوبر، فهى أيضا لا ترقى لمطالب الشارع، فهى أولا ليست حكومة خبراء ولكنها حكومة محاصصة ضمن فريق واحد، سمى كل طرف فيها وزراء من خارج كوادره الحزبية أو على الأقل من خارج الصف الأول لكوادره، وهذا أمر جدلى للغاية، فمعنى الحياد السياسى قد يكون نسبيا فى بلد كلبنان ولكن معنى الخبرة العملية أو الاختصاص ليس كذلك، بل يمكن قياسه بمدى خبرة الشخص المكلف بوزارة ما فى هذا الاختصاص وعمله السابق به أو على الأقل تطوعه لخدمة المجتمع فى نفس هذا الاختصاص. وهو أمر لا يتوفر فى أغلب وزراء هذه الحكومة إذا ما راجعنا سيرّهم الذاتية المنشورة. وثانيا، والمدهش أيضا، هو ما أنتجه المحتجون من بحثٍ موازٍ فى السير الذاتية البديلة للوزراء المكلفين من حيث قرابتهم العائلية لأحد أقطاب السلطة أو دخولهم فى شراكات اقتصادية مع النخبة الحاكمة أو امتلاك عائلاتهم لحصص فى بعض البنوك التجارية أو دخولهم طرف فى شبكة علاقات تجارية مع النظام السورى. وهو ما أعطى انطباعا سريعا عن أن هذه الحكومة ليست فقط من خارج دائرة الاختصاص والخبرة ولكنها أيضا غير مؤهلة لمكافحة الفساد نظرا لما تشكله من استمرار لظاهرة تزاوج المال بالسلطة.
أما بمقاييس التحالفات الإقليمية فهذه الحكومة شُكلت بوساطة بارزة للنائب جميل السيد وهو أحد الأركان الأمنية السابقة للوصاية السورية على لبنان ما قبل 2005، بما يشى بعودة نفوذ حلفاء دمشق للهيمنة على المجريات السياسية اللبنانية. بل والأخطر أن هذه الحكومة ربما ستصبح متحمسة لاستئناف العلاقات الكاملة مع دمشق دون التحسب لأثر ذلك على امتداد العقوبات الأمريكية والأوروبية بحق أقطاب النظام السورى إلى حلفائهم فى لبنان، مما قد يعقد الوضع الاقتصادى والمالى اللبنانى أكثر فأكثر. ويرى المراقبون بأن التعامل الأمنى الخشن الذى واجهت به القوى الأمنية الاحتجاجات طوال الأسبوع الماضى ما كان إلا إشارة بعودة رموز وأسلوب الوصاية السورية إلى الواجهة السياسية اللبنانية من جديد. ويتقاطع مع ذلك أيضا هيمنة حزب الله السياسية على هذه الحكومة، فى لحظة يبدو فيها الحزب متأهبا إقليميا للانتقام من اغتيال قاسم سليمانى وعازما على طرد الأمريكيين من المنطقة. ولا داعى هنا للتذكير بأن سلسلة العقوبات الأمريكية التى فُرضت على رموز من حزب الله كانت ضمن أسباب التنازع على السياسة المصرفية بين الحزب وشركائه ضمن الحكومة السابقة خلال الأشهر الماضية، ومع غياب الشركاء السابقين خاصة الحريرى عن الحكومة الحالية يبدو حزب الله مرشحا لإنفاذ إرادته كاملةً فيما يخص العقوبات الأمريكية وما يتصل بهذا الملف من تعقيدات، وبالتالى فالحكومة الحالية تبدو أقرب إلى النفوذ الإيرانى فى الإقليم وتُبقى على بيروت ضمن العواصم العربية الأربعة التى تدعى طهران السيطرة عليها.
***
وبالعودة لأصل الأزمة نجد أن للأزمة شقين، فهى أولا أزمة ثقة فى النخب الحاكمة وثانيا فهى أزمة اقتصادية ومعيشية. فبالنسبة للثقة، فإن تشكيل الحكومة لا يشى بالاستجابة لمطالب الشارع ولا يشى بتغيير نمط تشكيل الحكومات، إلا فيما يتعلق بالعودة إلى تشكيل حكومة من فريق واحد، وهذا الفريق قريب من سوريا. وبالتالى فلا يبدو أن غضب الشارع سيهدأ فى المدى المنظور، بل أن التعامل الأمنى الخشن سيُغرى المحتجين بالجنوح للعنف المضاد وقد يؤدى ذلك لدائرة مفرغة خطيرة من العنف والعنف المضاد. كما أن مطلب إقامة انتخابات مبكرة وإصدار قانون انتخابى غير طائفى لا يبدو أنه سيكون ضمن أولويات الحكومة، وذلك لأن أى انفتاح فى صيغة الحكم لن يكون فى صالح النخبة الحاكمة، وبالتالى فهى لن تسمح به من الأساس. ولذا فالنخبة الحالية تراهن على تعب واستنزاف المحتجين وخفوت مطلب الانتخابات المبكرة ومطلب تغيير بنية النظام الطائفى بفعل تصاعد قمع الاحتجاجات وتصاعد تأثير الأزمة المعيشية على الشارع.
وأما فيما يتعلق بالشق الاقتصادى والمعيشى للأزمة فإن الحل العاجل يكمن فى ضخ تدفقات مالية كبيرة من الخارج من أجل استعادة التوازن فى النظام المصرفى وأيضا استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين فى الوضع المالى ككل. ولكن السؤال المطروح هو من أين ستأتى هذه المساعدات الإنقاذية للاقتصاد اللبنانى؟ من المعروف أن أغلب الدول المانحة والمُقرضة للبنان هى بالأساس دول عربية خليجية ودول أوروبية، فهل ستدعم الدول الخليجية اقتصاد لبنان لكى تنقذ حكومة تشكلت حديثا ضمن الفلك الإيرانى؟ أم هل ستقوم الدول الأوروبية بضخ استثمارات لإنقاذ اقتصاد لبنان الذى تشكلت حكومته ضمن الفلك السورى وهى التى تمنع تمويل إعادة الإعمار بسوريا لحين التوصل لتسوية سياسية عادلة؟ والأهم لماذا ستسهم أوروبا فى إنجاح حكومة تشكلت على غير رغبة الشارع الغاضب؟ ولماذا قد تتحمس أصلا لضخ استثمارات فى بلد يعانى من فساد مزمن تم ترسيخه لعقود فى أغلب أجهزته الحكومية؟ وبالطبع فالولايات المتحدة التى سبق وفرضت عقوبات مالية لخنق حزب الله لن تتدخل لإنقاذ حكومته. ولذا وبطبيعة الحال، فلا يتوقع أن تكون مهمة الحكومة الجديدة فى كسب ثقة مجموعة الدول المانحة والمُقرضة للبنان مهمة سهلة على الإطلاق. وربما قد يكون عليها أن تبحث عن مصادر بديلة لتمويل الإنقاذ من خلال الحليف الإيرانى، ولكن طهران لم يسبق لها أن قامت بضخ أموال إلى خزينة الدولة اللبنانية بل كانت مساعداتها تمر دوما عبر حزب الله. ولكن إذا كان لدى طهران الرغبة والقدرة على تغيير هذه الاستراتيجية، فلابد لها أن تتحسب أنها قد تواجه موقفا مشابها أيضا فى بغداد. أما حكومة دياب الجديدة فعليها أن تثبت استقلاليتها وأن تبذل جهدا مضاعفا لكسب ثقة الشارع ولو تطلب الأمر تحديا مبطنا لإرادة النخبة الحاكمة. أما إذا فشلت فى ذلك، فسيصبح أسوأ الاحتمالات قابلا للتحقيق، وهو أن تدخل الحكومة الجديدة والشارع المنتفض فى سباق يحاول فيه كل منهما أن ينفى الآخر، فيطالب الشارع بسقوط الحكومة، وتُفعّل الحكومة أدواتها الأمنية لقمع الشارع وإسكات مطالبه بالقوة بدلا من الاستجابة السياسية لها.
باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

رابحة سيف علام باحثة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
التعليقات