لننطلق من فضيلة العدالة - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 11:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


لننطلق من فضيلة العدالة

نشر فى : الأربعاء 23 ديسمبر 2020 - 8:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 ديسمبر 2020 - 8:55 م

لقد بينا عبر الأسابيع الماضية فى عدة مقالات بعدم وجود نظام ديمقراطى واحد، بكل منطلقاته النظرية وتطبيقاته، صالح لكل دول العالم، وذلك بسبب تأثيرات التاريخ والتراث والثقافة والبنى الاجتماعية على كثير من تفاصيل الديمقراطية، وبالتالى على حاجة العرب للاتفاق على نوع الديمقراطية الصالحة لمجتمعاتهم فى الحاضر والمستقبل القريب. كما بينا أفضلية أن يكون المنطلق الأساسى للديمقراطية المتبناة فى بلاد العرب مبدأ العدالة، بعد أن أظهرت تجارب العديد من الدول الغربية الديمقراطية بأن مبدأ الحرية الليبرالية كمنطلق لديمقراطيتهم، ودون أن يحكمه مبدأ العدالة ويعلو عليه، قد قاد إلى مشاكل وأزمات فى حقول الاقتصاد والسياسية والسلم الأهلى والأخلاق والأوضاع النفسية الجمعية.
وها أن ما نراه من أزمات خطرة فى مسيرة الديمقراطية فى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا وآسيا تشير إلى وجود خلل فى المنطلقات الأساسية لتلك الديمقراطيات.
السؤال المنطقى الذى يحتاج إلى إجابة واضحة بالنسبة لنا كعرب هو: عن أية عدالة نتكلم؟ ما مصادرها وقيمها وتطبيقاتها فى الواقع؟ وما نوع علاقتها بالديمقراطية؟
هذا موضوع كبير ومطروح على مستوى العالم منذ زمن طويل من قبل الفلاسفة والمفكرين فى أمور السياسة والاقتصاد، ويعاد طرحه بقوة فى الوقت الحاضر بعد أن دخل العالم عدة أزمات عولمية، وعلى الأخص فى الاقتصاد أو فى مواجهة وباء غريب معقد كوباء الكورونا.
وقد تعددت تعاريف العدالة وتطبيقاتها والتزاماتها القانونية وارتباطاتها بالأخلاق وقيم الفضيلة عند أولئك الكتاب والفلاسفة. والأمر نفسه يجده الباحث فى التراث العربى والمعالجات العربية الحديثة لموضوع العدالة.
فالعدالة عند العرب ارتبطت بحميمية بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية من مثل المساواة فى الخلق والقيمة البشرية والحق والقسط والميزان والإنصاف والتقوى والإحسان والمحبة وتحكيم الضمير والسعادة والوسطية بلا إفراط ولا تفريط. هذا الترابط الوثيق بين العدالة وكل القيم الأخلاقية والفاضلة يختصره المفكر الأمريكى جون رولز والفرنسى بول ريكور باستمرار بمقولة «العدالة هى الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية كالحقيقة بالنسبة لأنساق الفكر».
ويحسب للحضارة العربية الإسلامية اهتمامها المتميز بموضوع العدالة قبل الحضارة الغربية بعدة قرون وذلك من خلال أطروحات «أهل العدل والتوحيد» (المعتزلة) الكلامية. ومع أن الطرح المعتزلى ركز كثيرا على إثبات التنزيه الإلهى عن الظلم، ولم يعط الاهتمام الكافى التفصيلى للقانون والمؤسسات القانونية كأدوات تفعيل للعدل فى المجتمعات، إلا أن المعتزلة أبرزوا أهمية ما يعرف الآن بالحق الطبيعى وشتى جوانب التساوى فى الإنسانية والنتيجة أن المعتزلة جعلوا موضوع العدل الإلهى والإنسانى موضوعا عاما تداوله رجالات الحكم والفقه والفلسفة عبر سنين طويلة. ولو قيض للمدرسة المعتزلية الاستمرار لسُدت الثغرات ولساهم العرب فى ترسيخ نظريات العدالة لا تقل عما جاء بها فلاسفة مثل كانت وروسو ورولز وغيرهم.
ولمن يريد أن يعرف الغنى الذى وصلت إليه مناقشات موضوع العدالة فى التراث العربى عليه أن يقرأ مدينة الفارابى الفاضلة التى سبق مؤلفها غيره فى القول بأن واجب من يحكمها هو ضمان حق الحياة وحق السعادة، والتى لا تقل روعة عن جمهورية أفلاطون الفاضلة، أو أن يقرأ أقوال الفقيه أبى القاسم الأصفهانى فى حول أهمية ومعانى العدالة من منظور دينى بالغ التقدم.
ملخص القول بأن مفكرى الحضارة العربية الإسلامية قد أعطوا اهتماما كبيرا لموضوع الأخلاق، قيما وفضائل وممارسات، ثم انتقلوا إلى إعطاء أهمية كبرى لفضيلة العدل التى وجدوها مبثوثة فى النصوص القرآنية كمواجهة وعلاج لرذيلة الظلم، وذلك من خلال الإعلاء الكبير للتكافل الاجتماعى وللحرية والمساواة الإنسانية الشاملة والتسامح فى السلوك والقصاص والحكم بالقسط والنهى عن ممارسة البغى.
وما نود أن نصل إليه هو أن أهم أساس للديمقراطية، كنظرية ونظام، وهو فضيلة العدل، مبثوثة بشكل بارز فى التراث العربى الإسلامى. وإذا كنا نتفق مع استنتاج هيئة الأمم بأنه لا يوجد نظام ديمقراطى واحد يصلح لكل المجتمعات، وذلك لارتباط الديمقراطية بتاريخ وتراث وثقافة وعقائد المجتمعات، فإننا نستطيع القول بأن الانطلاق من فضيلة الفضائل، أى العدل، بصيغ صالحة لعصرنا العربى ولحداثتنا المطلوبة، سينسجم مع تراثنا وثقافتنا، وبالتالى سيجعل الانتقال إلى الديمقراطية مطلبا مجتمعيا واسع الانتشار وأكثر قبولا وأقل لغطا وثرثرة.
وحتى لا تلتبس الأمور فإن هذا الاستنتاج، القابل للمناقشة والمراجعة، لا يعنى إطلاقا التقليل من أهمية المنطلقات القيمية، والأخلاقية الأخرى من مثل الحرية والأخوة والمساواة والمواطنة وحقوق الإنسان الكثيرة الأخرى.
وأخيرا لنؤكد على أهمية الخروج من تحت عباءة المركزية الحضارية النيوليبرالية الرأسمالية الغربية المتوحشة وإملاءاتها وأخطائها التاريخية.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات