اختيارات إيران النووية واختياراتنا - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 4:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


اختيارات إيران النووية واختياراتنا

نشر فى : الثلاثاء 23 نوفمبر 2021 - 8:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 نوفمبر 2021 - 8:10 م
نشر موقع بروجكت سينديكيت مقالا لريتشارد هاس تناول فيه عيوب إحياء خطة العمل المشتركة مرة أخرى مع إيران، واقترح تبنى دبلوماسية غير رسمية، لا تعتمد على اتفاقيات، تضع خطوطا لتسامح الولايات المتحدة وحلفائها فى ما يتعلق بقدرات إيران النووية، وتدفع إيران ثمنا باهظا إذا تجاوزت هذه الخطوط.. نعرض منه ما يلى.
من المقرر أن تُـسـتأنَـف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بشأن أنشطة إيران النووية فى التاسع والعشرين من نوفمبر. ولكن برغم أن كثيرين سيرحبون بهذا التطور، فمن الواجب عليهم أن يضعوا فى الاعتبار أن المحادثات من غير المرجح أن تنجح. وحتى لو صادفت النجاح، فإن أى اتفاق لن يحل سعى إيران الحثيث لبسط هيمنتها الإقليمية أو إنتاج الأسلحة النووية.
•••
لنستعرض أولا بعض التاريخ. فى عام 2015، أبرمت إيران، والولايات المتحدة، والصين، وفرنسيا، وألمانيا، وروسيا، والاتحاد الأوروبى، والمملكة المتحدة، خطة العمل الشاملة المشتركة، وهى الاتفاقية التى قضت بخفض مخزون إيران من اليورانيوم، ومستوى تخصيب اليورانيوم المسموح لها بالوصول إليه، وعدد أجهزة الطرد المركزى التى يمكنها تشغيلها. كما جرى تنظيم عمليات التفتيش الدولية المكثفة، وتعهدت إيران بالامتناع كليا عن إنتاج أسلحة نووية.
طبقا لتقديرات خبراء، فإن هذه الترتيبات كانت تعنى أن إيران ستحتاج إلى ما يصل إلى عام كامل لإنتاج أسلحة نووية إذا اختارت القيام بذلك وأن المفتشين من المرجح أن يكتشفوا مثل هذه العملية. بيد أن معظم القيود التى فرضها اتفاق 2015 كانت تتضمن فقرة «انقضاء»، وهذا يعنى أن العمل بها ينتهى خلال فترة تتراوح بين 10 و15 عاما.
بمجرد رفع القيود، ستحتاج إيران إلى وقت أقل كثيرا لتطوير برنامج أسلحة نووية تام النضج. مع ذلك، بعد توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة جرى فك تجميد مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية، وأعفيت إيران بشكل كبير من العقوبات الاقتصادية الشاملة.
اختارت إيران الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة. ولكن بعد ثلاث سنوات، فى عام 2018، فى عهد الرئيس دونالد ترامب، انسحبت الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاقية، التى وصفها ترامب بأنها «مروعة» و«واحدة من أسوأ المعاملات وأكثرها محاباة لجانب واحد». ثم فرض مجموعة جديدة من العقوبات الصارمة. بعد ذلك بفترة وجيزة، تحركت إيران لإبقاء المفتشين الدوليين على مسافة واقتربت بثبات من التمكن من إنتاج أسلحة نووية. وتشير أدلة قوية إلى أنها قامت بتخصيب القدر الكافى من اليورانيوم إلى درجة تقترب من المستوى اللازم لإنتاج سلاح نووى واحد أو أكثر.
•••
فى عهد الرئيس جو بايدن، أعربت الولايات المتحدة عن رغبتها فى العودة إلى الاتفاقية (التى جرى التفاوض عليها عندما كان بايدن نائبا للرئيس) وحثت إيران على فعل الشيء ذاته. مع وجود رئيس جديد (إبراهيم رئيسي) فى إيران أيضا، أعلنت إيران استعدادها للقيام بذلك، ولكن بشرط إلغاء العقوبات التى فرضت فى عهد ترامب أولا. إذا قادت المفاوضات الجانبين إلى العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن هذا من شأنه أن يعيد فرض القيود على البرنامج النووى الإيرانى لمدة تقرب من عشر سنوات مقابل رفع العديد من العقوبات الاقتصادية ولكن ليس كلها.
لكن هذا السيناريو لا يخلو من مشكلات. فأولا، سيسهل رفع العقوبات حصول إيران على الموارد المالية الكفيلة بالسماح لها بالقيام بالمزيد مما تقوم به بالفعل لتقويض الاستقرار فى اليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، وغزة، وأماكن أخرى فى المنطقة. لم يقيد اتفاق 2015 مثل هذا النشاط.
ثانيا، لا يوجد من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن إيران قد توقع أبدا على اتفاق نووى «أطول أمدا وأكثر قوة« (خطة عمل شاملة مشتركة 2) تفرض قيودا أكثر صرامة على برنامجها النووى لفترة أطول. ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن تركيبة إيران السياسية أو ما تسعى إلى تحقيقه من أهداف قد يختلف جوهريا فى غضون عشر سنوات من الآن.
يقودنا هذا إلى عيب آخر يشوب إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة: فقد تعود إيران إلى اتفاق 2015، وتمتثل له، فى حين تعمل على التعجيل بإنتاج الصواريخ الباليستيكية (التى لا يغطيها الاتفاق أيضا)، ثم تبدأ بعد عام 2030 فى توسيع مخزونها من اليورانيوم المخصب بشكل كبير. بالإضافة إلى هذا، ربما تواصل إيران فى مواقع مخفية تنفيذ مشروعات ذات صلة بتطوير الأسلحة بالبناء على ما تعلمته فى السنوات القليلة الأخيرة ــ وهو النشاط الذى من شأنه أن يفضى إلى تعزيز جودة وكمية أى أسلحة نووية إذا قررت السعى إلى إنتاجها.
•••
السؤال ليس إذا كنا لنصل إلى هذه المرحلة، بل متى نصل إليها: خلال أشهر إذا فشلت المفاوضات، أو فى غضون أقل من عشر سنوات إذا نجحت. من الواضح أن إيران التى يُـسـمَـح لها باكتساب المعرفة الميدانية الكاملة بالأسلحة النووية أو الاقتراب من مثل هذه النقطة (أن تصبح على أعتاب كونها دولة مسلحة نوويا) ستكون فى الأرجح أكثر عدوانية فى جهودها الرامية إلى تشكيل المنطقة على هيئتها.
من ناحية أخرى، قد تدفع إيران التى تمتلك أسلحة نووية، أو لديها القدرة على إنتاجها فى غضون أيام أو أسابيع، واحدة أو أكثر من الدول المجاورة ــ فى الأرجح، المملكة العربية السعودية، أو مصر، أو تركيا ــ إلى أن تحذو حذوها. وهذا من شأنه أن يدفع المنطقة التى تمزقها الصراعات بالفعل إلى حافة الهاوية.
البديل هو الاستعاضة عن الدبلوماسية الرسمية بشيء أقل رسمية. سمها دبلوماسية مستترة أو محاولة للحد من التسلح بدون اتفاقيات. فى ظل هذا السيناريو، تقوم حكومة الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات المعنية (بما فى ذلك إسرائيل) بإبلاغ إيران بوضوح بحدود تسامحها فى ما يتعلق بقدرتها النووية.
إذا تجاوزت إيران هذه الخطوط الحمراء الكمية أو النوعية، فسوف تدفع ثمنا باهظا. فبالإضافة إلى زيادة العقوبات، يمكنها أن تتوقع هجمات سيبرانية، فضلا عن هجمات عسكرية تقليدية على منشآتها النووية وربما أهداف ذات قيمة اقتصادية وعسكرية.
لن يخلو مسار الأحداث هذا أيضا من مخاطر وتكاليف. فليس هناك ما قد يضمن نجاح مثل هذه الهجمات، خاصة وأن إيران ستبذل قصارى جهدها لحماية العناصر المهمة فى برنامجها النووى وإعادة تشكيلها إذا لزم الأمر. وسوف تحظى إيران أيضا بخيار تنفيذ ردود انتقامية بالاستعانة بمجموعة من الأدوات وضد أهداف من اختيارها فى مختلف أنحاء المنطقة والعالم.
كل هذا يعنى ضمنا اختيارات صعبة أمام الولايات المتحدة. ربما يضطر بايدن وخلفاؤه إلى النظر فى المشاركة فى هجمات ضد إيران أو التغاضى عن هجمات ضدها. قد يضطرون أيضا إلى التعهد بأن الولايات المتحدة سترد على أى تهديد إيرانى باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها فعليا، تماما كما تفعل الولايات المتحدة مع حلفائها فى أوروبا وآسيا ضد روسيا والصين. لقد أوضح كل من ترامب وبايدن رغبتهما فى تقليص التورط العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط. وبسبب إيران، يبدو أن تحقيق هذه الرغبة بات مستبعدا على نحو متزايد.

النص الأصلي

التعليقات