صور الزمن الجميل - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


صور الزمن الجميل

نشر فى : الأربعاء 23 نوفمبر 2016 - 9:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 نوفمبر 2016 - 9:05 م

فى صور الزمن الجميل، تبتسم السيدات من وراء نظارات سوداء تخفى نصف وجوههن، أو تلمع عيونهن من تحت تسريحات شعر عالية ومعقدة. فى صور الزمن الجميل يتكئ شاب على سيارة سقفها مكشوف، وهو ينظر باتجاه شابين آخرين منهمكين فى حديث يبدو من ملامحهما فى الصورة أنه ممتع. فى صور الزمن الجميل تلبس السيدات فساتين السهرة ذات الخصر الضيق والتنورة الواسعة، وتلمع فى آذانهن أقراط تتدلى من طرفى وجوههن الضاحكة، ويظهر فى ركن الصورة موسيقى يجلس وراء البيانو ومن حوله مجموعة مستمعين فى دائرة صغيرة. فى صور الزمن الجميل شوارع تبدو وكأنها كانت أعرض، أنظف، أقل استعمالا مما هى عليه اليوم، ويبدو الطقس عموما أقل تلوثا وتبدو الحياة وكأنها أقل قساوة.

فى صور الزمن الجميل تعج جامعات العواصم العربية بطلاب شباب يبدو من وقفتهم أمام الكاميرا أن مستقبلا مشرقا ينتظرهم، يبتسمون للأفق وهم يمسكون كتابا بيد بينما تختفى اليد الأخرى فى جيوبهم. فى صور الزمن الجميل تتخرج شابات فى كليات الحقوق والآداب والهندسة والطب والصيدلة فى العواصم العربية نفسها، تتسلمن شهاداتهن وتقفن للصورة مع أفراد عائلاتهن الذين حضروا حفل التخرج.

•••

هناك سحر يكاد يقفز من صور الزمن الجميل، هناك صداقات وقصص غرام نسجت ثم تفككت، تصلنا ونحن نشرد فى وجوه أناس يهيأ لنا أننا نعرفهم حين نقلب ألبومات الصور القديمة أو صفحات التواصل الاجتماعى. هو يرقص الفوكس تروت ولكننا لا نرى سوى ظهر من يراقصها. نغرق فى بحر من الصور جلس من فيها على شط الإسكندرية، ويأتينا من بعيد صوت العندليب يغنى «دقوا الشماسى». نتوق إلى زمن لم يعشه أكثر من هم من جيلى قط، إنما كونوا فكرة واضحة عنه فى مخيلتهم بتأثير الأفلام المصرية القديمة وصور عن أناس لا يعرفونهم إنما يؤكد من ينشرها أنها لطلاب فى جامعة القاهرة أو دمشق أو بغداد، ثلاث عواصم شغلت فى فترات سابقة مساحات مهمة فى عالم الثقافة والأدب والإنتاج العلمى والأكاديمى.

أتساءل أحيانا عما كان يحدث خارج أطر صور الزمن الجميل فى نفس الفترة، لكن لم يكونوا جزءا من الحفلات الراقصة وحفلات التخرج من الجامعات. أحاول أن أبحث عن معلومات ودلائل على أن ذلك الزمن لم يكن بالجمال الذى تظهره الصور برومانسية اللونين الأبيض والأسود. هل كانت الست تصدح فعلا من كل جهاز راديو فى كل العواصم العربية أول خميس من كل شهر؟ هل كان تجار الأسواق القديمة يتبعون فعلا العرف الجميل الذى كان يقضى بألا يبيع أحدهم سوى مرة واحدة فى أول اليوم حتى يفسح المجال أمام جيرانه تجار السوق كى يستفتح كل منهم أيضا ؟؟

هل محاولة التمسك بلقطات وقصص، ربما لم نعشها بأنفسنا، هى وسيلة نتمسك من خلالها بأشخاص وأزمنة نبقيها معنا فنحاول أن نخلدهم ولو حل محلهم ما نظن أنه يقل عنهم جمالا؟ أم تراها سمة من سمات التقدم فى العمر وفى التجربة؟ فأصبح حكمنا اليوم أكثر قسوة أو واقعية على ما ومن حولنا، بينما كنا أكثر سذاجة فى صغرنا حين تمتعنا بأغنية أو فرحنا بحفلة؟

أعود إلى فترات مضت، فأرى لقاءات الأحبة واجتماعات عائلة تبعثرت اليوم فلم يعد يعنى أفرادها حتى إن تبادلوا أكثر من رسائل معايدة خطية على الهاتف فى العيد، هى غالبا ما تحتوى أصلا على إشارة إلى الزمن الفائت، وإلى اللقاءات التى نعرف جميعا أنها لن تكرر، سواء بسبب البعد الجغرافى أو بسبب رحيل كبار العائلة أصلا، هم الذين كانوا، بحسب ذاكرتنا لتلك الأزمنة والأمكنة، السبب الرئيس وراء تجمعنا.

•••

صور الزمن الجميل خداعة، نحتمى خلفها من شعورنا بقسوة ما يحدث حولنا، نختفى وراءها رغبة فى تناسى خيباتنا، نعرضها على الملأ بغية الإصرار على أننا كنا نستحق ما هو أفضل من زمننا هذا، ترانا نقلب فى ذاكرتنا وذاكرة كبار العائلة بحثا عن تأكيد على أنهم كانوا سعداء حقا، وأن آمالهم كانت تفرش أمامهم خيارات لم تعد بمتناول أيدينا اليوم. أجد أن الغرق فى صور الزمن الجميل كمن يأكل قطعة حلوى سكرها زيادة، فيحبها بينما تذوب فى فمه، ولكنه يشعر بزيادة حلاوتها وثقلها بعد أن يبتلعها.

اليوم نكثر من الصور النصف تلقائية والتى جعلت، بفضل الهواتف الذكية، من كل واحد منا نصف مصور شبه محترف. ترى ما هى القصص التى سينسجها خيال أولادنا حين يستعيدونها على شاشاتهم بعد جيل أو جيلين؟ من جهتى أريد أن يتذكرنى أطفالى تماما كما رأونى اليوم: أجلس معهم وقت المغرب وهم يدرسون، نعد الحلوى معا فى المطبخ، نضحك عند خروجهم من الحمام بشعرهم المبلل ونقاط الماء تتلألأ على وجوههم. أريدهم أن يتذكروا البيت كما هو اليوم، بأقلامهم المبعثرة على طاولة غرفة الجلوس بينما أطلب منهم بحزم أن يضعوها فى مكانها، وبألعابهم التى أحاول أن أحصرها فى غرفتهم لكننى أفشل حين أكتشف مكعبات ملونة أو مثلثات متلاصقة تحت الكنبة. أريدهم أن يتذكروا أنفسهم بملابس النوم بينما يزورهم جدهم وجدتهم، ويحكيان لهم قصصا كان جدى وجدتى قد حكياها لى فى زمن سابق. بصراحة أريد أن يكون لأولادى أيضا صور من الزمن الجميل، حتى ولو كانت خداعة.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات