«هروب الرقيب فولكونوجوف».. إجراء وقائى ضد خونة المستقبل - خالد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 8 ديسمبر 2021 3:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


«هروب الرقيب فولكونوجوف».. إجراء وقائى ضد خونة المستقبل

نشر فى : السبت 23 أكتوبر 2021 - 7:45 م | آخر تحديث : السبت 23 أكتوبر 2021 - 8:00 م

تبقى السينما بوابة روحية لرحلة التطهر والغفران والخلاص من خطايا فرضها الزمن تملكت أنظمة دول وبشر بإرادتهم أو بدون، هذه أصبحت إحدى قيم الصورة السينمائية التى تتعمق فى ظرف تاريخى ما، كان ضد الإنسانية، هكذا جاء الفيلم الروسى المدهش فنيا «هروب الرقيب فولكونوجوف» الذى عرض على شاشة مهرجان الجونة السينمائى وشارك فى مسابقة مهرجان فينيسيا وفيه يستكشف المخرجان الروسيان ناتاشا ميركولوفا وأليكسى تشوبوف الرحلة الروحية لشرطى سرى سوفيتى منشق، يلعبه الممثل يورى بوريسوف، الذى تورط فى قضايا تعذيب وإعدام وتشريد أسر بليننجراد فى حقبة روسيا السوفيتية فى ثلاثينيات القرن الماضى، ويريد أن يتطهر من ذنوبه بالكشف عن تلك القضايا وطلب الغفران من أهالى الضحايا الذين تم اتهامهم بالخيانة والتآمر والجاسوسية ظلما حتى يدخل الجنة، ولو حتى يسامحه فرد واحد، وذلك عبر دراما مفعمة بالحيوية ومصممة بإحكام، لقصة شاعرية فى مأساويتها وقسوتها.
صاغ المخرجان فيلمًا سينمائيًا جوهريًا فى التاريخ الذى أراه غير بعيد، ويمكن بسهولة قراءته على أنه تعليق خالٍ من الزمان حول كيف أن الدول القمعية تشوه وتذل أرواح تحت شعار إجراء وقائى ضد مجرمين وجواسيس وخونة المستقبل، وأنه لابد من وجود جريمة لكل عقاب، وبالتالى تم تلفيق التهم.
من خلال إرساء الفيلم حضورا قويا وجذابا للسيناريو والحوار المكتوب بشكل رقيق (من ميركو لوفا وتشوبوف ومارت تانييلز، وهو أيضًا المصور السينمائى)، وأيضا الصورة المدججة بموسيقى توازى تحولات المشهد من الخضوع إلى العصيان، تمكن بوريسوف من تحويل البطل، الذى كان فى البداية متنمرًا وحشيًا، إلى شخصية ضعيفة ومثيرة للشفقة فى نهاية المطاف يبحث عن الخلاص بالبحث عن من يغفر له مشاركته فى مقابر جماعية ضمت عشرات الابرياء. فور أن يهتز كيان بطلنا ويعذبه ضميره من الصور الدموية، يسرق ملف المعدومين الضحايا ويذهب بحثا عن أهاليهم يطلب المغفرة والسماح بعد أن يخبرهم أنهم كانوا أبرياء واعترفوا بخيانتهم تحت الضغط، قال لهم إنه يحتاج أن يسامحوه ليدخل الجنة، ويتخلص من نار الألم الذى يلازمه.
القصة بحق مثيرة للإعجاب لرجل يحاول استرداد نفسه وسط العظمة الباهتة لروسيا القديمة، المشهد الافتتاحى الرائع يبنى مفتاحًا ذكيًا، بأنه يمكن أن يكون هناك أمل ضئيل فى الهروب من بين زملائه الشباب حليقى الرءوس المرتدين زيا أحمر والمنفذين لسياسة قسوة النظام القمعية والتعسفية
فى صباح أحد الأيام، بينما كان يتحدث مع صديقه المقرب فيريتنيكوف (نيكيتا كوكوشين) حول الوضع، بدأ فولكوجونوف فى ملاحظة استدعاء رفاقه، واحدًا تلو الآخر، من أجل «إعادة التقييم» وقبل نداء الأسماء بالكاد، هرب فولكوجونوف من المبنى، تاركًا فيريتنيكوف لمصير قبيح قبل أن يعود لمطاردته، الآن هو هارب بملابس مدنية، يزور فولكوجونوف منازل عائلات ضحاياه بحثًا عن خلاصه، سعيه للمغفرة يقابل بالفشل بعد الفشل. بعض أحباء الضحايا فقدوا عقولهم، والبعض الآخر ملىء بغضب متجهم بسبب ظلم فجيعته. لا يزال البعض الآخر من أتباع الحزب مقتنعين بجريمة أقاربهم فقط بسبب اتهامات الدولة، أو يقولون إنهم كذلك، ويتشبث الناجون غالبًا بالأمل الوهمى بأن الضحايا لا يزالون على قيد الحياة، والبعض خائف للغاية لدرجة أنهم يعتقدون أن استدراج فولكونوجوف هو مجرد جزء من فخ متقن.
قدم ميركولوفا وتشوبوف الجوانب العميقة من تلك القصة بشكل جيد، وأسلوبًا منمقًا، منسجم للغاية مع الجانب المادى لدرجة أن الجوانب الميتافيزيقية لرحلة فولكوجونوف وإحساسه بالتطور الداخلى من رجل يحاول، بشكل بيروقراطى تقريبًا تنفيذ الأوامر إلى رجل يفهم حقًا ما هى التوبة، من الغطرسة والسخرية إلى التواضع والإنسانية.
«إنهم أبرياء الآن، لكنهم سيكونون مذنبين فيما بعد»، هكذا يبرر الضابط الأعلى بشكل جلى تعذيب الآخرين، وهو المشهد الذى اجتاح عقل بطلنا ودعاة للكفر بمنهجه، بينما تشكل نقطة التحول الكبرى والعميقة عندما يُنصح فولكونوغوف بروح رفيقه المقتول (نيكيتا كوكوشكين) بأنه أمامه حتى غروب الشمس غدًا ليجد شخصًا ظلمه ويغفر له، وإلا فإنه سيعانى من تعذيب لم يحلم به إلى الأبد مما يخلق توترا مثيرا للاهتمام. أيضا تأتى أغنية «حقل أه يا حقل».. حيث الفتيات يبكين أحباءهم الذين رحلوا بعيدا فى مقابر جماعية فى تصوير رائع، وسيناريو جذاب وحبكة ساخنة وأحداث سريعة وموسيقى مؤثرة
إنها حقا واقعية سحرية لظرف قاس تعيد السينما الروسية إلى المقدمة بموضوعنا السياسى المروع الذى قدم بشكل نموذجى.
وقدم الممثل الصاعد بقوة يورى بوريسوف واحدا من أهم أدواره المهمة، وهو يتأمله أزمة إيمان بالقضية لتطهير نظام شمولى.
ويؤدى هروبه وانتهاكه لسرية الدولة إلى مطاردة شرسة فى جميع أنحاء لينينجراد حتى يصل إلى تحقيق الحلم منتحرا تطوف روحه السماء بعد أن يقوم بغسل سيدة تشعره اللحظة بالعمران.
المخرجان وكاتبا السيناريو قالا مصدر إلهام أفلامنا غالبًا ما يأتى من مخاوفنا. فى هذه الحالة، من الخوف من العنف والعدوان، وهما للأسف بعض الجوانب الأساسية للعالم، أمس واليوم.
يمكن النظر إلى الفيلم على أنه انعكاس للمسئولية الأخلاقية للفرد فى نظام قوى وغير إنسانى بشكل غير عادى. فى الوقت نفسه، استخدم عناصر من النوع السينمائى مشاهد القتل المثيرة للأمن.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات