توفيق الحكيم وعودة الوعى! - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 6:18 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

توفيق الحكيم وعودة الوعى!

نشر فى : الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 7:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 7:45 م

السنهورى
يروى الأستاذ توفيق الحكيم أن صداقته بالدكتور «عبدالرزاق السنهورى» صداقة قديمة ترجع إلى عام 1935، حين كان السنهورى أستاذًا بكلية الحقوق، وهو فيما أعرف أول دفعة المتقدمين من الخارج سنة 1917، والأستاذ الحكيم مديرًا لإدارة التحقيقات بوزارة العارف، وهو دفعة 1925 بذات الكلية. وجمعت بينهما فيما يروى الأفكار المثالية والنزعات الإصلاحية، واعتادا ــ وكانا يسكنان منطقة الجيزة ــ أن يسيرا على الأقدام ساعة العصر على كوبرى عباس، يتحدثان طويلا وفى يد كل منهما قرطاس من الترمس، ويحلمان بشتى المشروعات، ومنها مشروع نافع لتكوين الشباب وغرس روح البطولة والمثل العليا فى نفوسهم، عرضه السنهورى لتأليف جماعة من طلبة الجامعة ممن يستطيع الاتصال بهم باعتباره أستاذًا فى الكلية، وطلب من الأستاذ الحكيم معاونته فى هذا المشروع بوضع البرامج اللازمة، وجعلا يستعرضان أبطال تاريخنا الذين يمثلون المبادئ العظيمة المروم غرسها فى الشباب مثل عمر بن الخطاب وطارق بن زياد ورمسيس الثانى.
ويضيف الأستاذ توفيق الحكيم راويًا:
«ومضت أيام، وبينما أنا جالس يومًا فى مكتب وكيل الوزارة، إذا بى أجد حركة غير عادية. الوزير يطلبه بالتليفون من مجلس الوزارة المنعقد، وكانت الوزارة يومئذ ضد حزب الوفد والوفديين، ووكيل الوزارة يجرى هنا وهناك يحمل ملفات، فسألته عـن الخبـر، فقال: «مجلس الوزراء منعقد لفصل الدكتور السنهورى من الجامعة»، فكدت أُصعق! لماذا؟ ماذا فعل؟ فقال: «لأن الدكتور السنهورى ــ وهو أستاذ بالجامعة ــ ألّف جمعية سياسية من طلبة الجامعة لنشر الدعوة للوفد بإيعاز من صديقة عضو الوفد النقراشى باشا»، فلم أصدق ما أسمع، وصحت به: «ما هذا الكلام؟ هذا محض افتراء. هذه جمعية أخلاقية للحض على المثل العليا والتشبه بعمر بن الخطاب وطارق بن زياد ورمسيس
الثانى!». فضحك ساخرًا وقال: «اسكت.. اسكت.. عمر بن الخطاب إيه؟ ورمسيس الثانى إيه؟ أنت لا تعرف شيئًا.. تقارير الأمن العام بوزارة الداخلية والبوليس السياسى فى هذه الأوراق، والملفات تثبت كل شىء»، فأقسمت له بشرفى إن السنهورى مظلوم، لأنى أنا وهو مشتركان فى هذا المشروع الأخلاقى الجليل، وإذا كان لا بد من فصل السنهورى لهذا السبب فافصلونى معه. فأكد لى أن الموضوع سياسى، والجمعية لها أغراض سياسية حزبية، وعضو حزب الوفد (النقراشى) ضالع فيها، وأن الموضوع لم يكشف لى على هذا الوجه، وأنى لا أعرف منه إلاَّ ما أظهروه لى من واجهة بريئة، وما هو إلاَّ عمل حزبى بحت.
«فتعجبت عجبًا شديدًا. ولم تلبث الوزارة التى فصلت السنهورى أن سقطت وجاءت وزارة وفدية، جاء فيها النقراشى باشا وزيرًا، فمد يده بالفعل إلى السنهورى، وأعاده ومهد له طريق العمادة للكلية، ثم وكالة وزارة المعارف. ولكن ذلك كله لم يؤثر فى صداقتى الشخصية للسنهورى».
* * *
وهذه القصة تورى بمخاطر أغراض السياسة، وبما أصاب الأستاذ السنهورى منها، بيد أنه لفت نظرى أن الأستاذ الحكيم وقف عندها باعتبارها من مثالب العهد الملكى، ولم يذكر واقعة أخطر جرى فيها اعتداء أثيم على الأستاذ السنهورى بسراى مجلس الدولة الذى يترأسه ـ فى 29 مارس 1954.
والأستاذ السنهورى قامة عالية جدا تكاد تكون بلا نظير بالعالم العربى فى الفقه والقانون، ولا يوجد طالب حقوق ولا عالم قانون ولا قاض ولا محام ولا معنى بالشأن الإسلامى إلاَّ وقرأ للسنهورى ورجع إليه، فهو صاحب السبق الأول فى وضع القانون المدنى المصرى، وهو مؤلف الوسيط الشهير فى القانون المدنى فى عشرة مجلدات ضخمة، ومصادر الحق فى الفقه الإسلامى فى ستة مجلدات، ونظرية العقد، والموجز فى الالتزامات، وأصول القانون، والتصرف القانونى والواقعة القانونية، وعقد الإيجار، والقيود التعاقدية على حرية العمل ـ رسالة دكتوراه باللغة الفرنسية عام 1925، والخلافة ـ رسالة دكتوراه بالفرنسية أيضا ـ عام 1926، وترجمتها إلى العربية ابنته المرحومة الدكتورة نادية عبدالرزاق السنهورى، بمراجعة وتعليقات وتقديم زوجها أستاذ القانون والمحامى الكبير الدكتور توفيق الشاوى.
فالدكتور السنهورى صاحب مكانة علمية سامقة، لم يكن حسبه أنه صاحب الدور الأكبر فى وضع القانون المدنى المصرى، وإنما يندر أن تجد دولة عربية لم تستعن به لوضع دستورها أو تشريعاتها، فاستعانت به أكثر من دولة لينجز لها صرح مدوناتها القانونية فى الدستور والقانون المدنى والتجارى، وملأت آثاره القانونية والفقهية العالم العربى، وتمثل مرجعا لا يستغنى عنه أى مشتغل بالقانون.
ويتجلى إيمان السنهورى بالديمقراطية وحق الشعب فى مواجهة الحكم والحكام، أنه لم يكن يعدل شيئا آخر برئاسته لمجلس الدولة ودوره فيه، فلا تجد فى أوراقه الشخصية أى إشارة إلى توليه الوزارة، مع أنه تولى حقيبة وزارة المعارف أربع مرات فى 15/1/1945، وفى 24/2/1945، وفى ديسمبر 1946، وفى 28/12/1948 ـ ومع هذا لم يشر إلى توليه الوزارة فى أوراقه الشخصية، وإنما احتفى بترأسه لمجلس الدولة، وكتب فى أول مارس 1949: «اليوم حلفت اليمين لتوليتى منصب رئيس مجلس الدولة، اللهم فتولنى بهداك وتوفيقك فى هذا العمل الجديد».
ويتضح سبب هذا الإجلال، فى دوره الرائع الذى أداه بمجلس الدولة، والأحكام القوية التى أصدرها والتى أصدرها المجلس فى عهده، بما يشهد له فضلا عن قوة العارضة القانونية، وبالقوة فى مواجهة الحكومة، والانحياز للحق والصواب مهما كانت المخاطر أو المحاذير.. فلم يكن السنهورى مجرد قانونى كبير أو مفكر مرموق، وإنما كان معنيًا بشئون الوطن، منحازًا للديمقراطية، مناضلا من أجل ما يعتقد أنه الحق والصواب.
فعندما كان رئيسا لمجلس الدولة، صار المجلس فى عهده حصنًا حصينًا للحريات، وملجأً آمنا للمواطنين ضد عسف الحكومة، وتواترت أحكامه التى تؤكد على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة أمام القانون وصون الحريات الشخصية. وقد أرست أحكام القضاء الإدارى مبدأ خطيرا غير مسبوق، وهو اختصاص القضاء الإدارى بالرقابة على دستورية القوانين، وهو الاختصاص الذى أنشئت من أجله المحكمة الدستورية العليا بعد سنين.
فى أيام السنهورى، سعى مجلس الدولة فى أحكامه إلى التضييق من نطاق أعمال السيادة، وإلى الرقابة على السلطات الاستثنائية للإدارة، مثل فرض الأحكام العرفية، ولوائح الضرورة، وذلك لتوفير الضمانات لحريات الأفراد وحقوقهم فى حالات الطوارئ والضرورة. بهذه الأحكام التى اقترب بها من تحقيق حلمه القديم بهيمنة استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، صار السنهورى بطلا قوميا لدى كل فئات الشعب فى مصر على حد تعبير الأستاذ الكبير أحمد بهاء الدين. وفى الوقت نفسه اشتد غضب القصر الملكى وأعوان الاستبداد على المجلس ورئيسه. فقد استفاد الشعب من جو الحرية الذى بثه المجلس فى ربوع البلاد. وكانت الصحف المعارضة للقصر من أوائل المستفيدين، فزادت من حدة حملاتها على الملك ورجاله.
وكان رد القصر هو مصادرة تلك الصحف وتعطيلها. فلم يجد أصحابها سوى اللجوء لمجلس الدولة الذى لم يتردد بدوره فى إلغاء قرارات المصادرة فى أحكام مدوية كانت تزيد الصحف جرأة فى حملاتها. وسار الأمر على هذا النحو حتى فقد الملك صبره، وأصدر فى سبتمبر ١٩٥١ أمرًا إلى الحكومة الوفدية التى كان يترأسها مصطفى النحاس باشا بأن تصدر مرسومًا بإلغاء مجلس الدولة، وكادت الحكومة تنصاع لرغبة الملك وتوقع مرسوما بهذا الشأن لولا المعارضة القوية من بعض وزرائها.
ولم تكن مواقفه وأحكامه بعد ثورة يوليو 1952، بأقل قيمة وشجاعة من الأحكام الصادرة فى العهد السابق، وكانت امتدادًا للروائع التى توالت فى عهده.. فماذا حدث له فى العهد الجديد الذى كتب له وثيقة تنازل الملك عن العرش، وقانون تحديد الملكية الزراعية، وقدم إليه خدمات جليلة أخذها البعض عليه؟!
هذا هو السؤال؟

Email:rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

التعليقات