فى فك أحاجى الحدث السورى - المواقع العربيه - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 1:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

فى فك أحاجى الحدث السورى

نشر فى : الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 7:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 7:40 م

نشر موقع السفير العربى مقالا للكاتبة نهلة الشهال.. جاء فيه ما يلى:
الكل رابح: روسيا وتركيا وإيران وأمريكا وحتى دمشق. عدا الأكراد طبعا وكالعادة. وعدا من قضوا فى حرب لا لزوم لها، كالعادة أيضا. قليلة هى المناسبات التى تكشف بهذا المقدار خواء المعطى السورى نفسه، بغض النظر عن الصخب الذى يصدر عنه. وقليلة هى الأحداث الجارية فى العالم التى تنضح إلى هذا الحد بالسيناريو المكشوف، مثل فيلم ردىء!
من يؤيد أو على الأقل يوافق على العملية العسكرية التركية فى شمال سوريا ومن يعاديها؟ فى العلن وفى السر.
يعاديها بالطبع ضحاياها، وهم الأكراد المساكين، الذين، وعبر تاريخ صراعهم الطويل من أجل حقوقهم، لم ينجحوا يوما فى تعيين هذه الحقوق بشكل فعلى! الأمر يصح فى تركيا حيث هم كتلة هائلة تناهز الـ15 مليونا، تعرضوا لاضطهاد طويل وتنكيل وإهمال اجتماعى واقتصادى جعلهم فقراء بائسين، وأُنكرت هناك كل خصائصهم، بحيث كانت كلمة «كردى» أو النطق باللغة الكردية تودى بصاحبها إلى السجن وربما إلى الإعدام، وافتُرض بهم أن عليهم أن يقبلوا بأنهم «أتراك الجبال»، هكذا فحسب، أى أن يوافقوا هم أنفسهم على هذا الإنكار، بينما الواقع ملىء بالألوان فى كل مكان. فثاروا وقاوموا وحملوا السلاح أحيانا، ولكن أفق حركتهم ظل ملتبسا على الدوام. وإن كان يُلتمس لهم عذرٌ فى هذا بأنهم واجهوا سلطة لا ترحمهم، ولا تكف عنهم، فهم فى العراق (حيث تقدر أعدادهم بحوالى 5 ملايين إنسان) كانوا قرة عين الحركة الوطنية العراقية فى أيام عزها وقبل أن تتبعثر أو تنحط، وهى بكل مكوناتها ــ حتى الأشد «عروبية» ــ قد حملت مطالبهم ودافعت عنها على الدوام، ونالوا اعترافا صريحا، رسميا وشعبيا، وحقوقا ثمينة وصلت إلى «الحكم الذاتى». ولكنهم هنا أيضا تصرفوا باختلال عجيب. ليس فحسب أنهم أيدوا العدوان الأمريكى المتكرر على هذا البلد، وليس فحسب أن بعضهم فكر بالاستقواء بإسرائيل، بل هم اندفعوا إلى التصويت على «استقلالهم» ففجّوا رءوسهم وانكفأوا.
وأما حركتهم فى إيران فيصعب تبيّنها اليوم، ولكنهم كتلة كبيرة هناك (حولى 7 ملايين). وهناك أُعلنت بشكل عابر «جمهورية مهاباد» فى العام 1946، وعلى الرغم من ظرفية منشئها فى لحظة صراع دولى، واقتصارها على قيمة «رمزية»، فإها ما زالت موضع اعتداد من قِبلهم.
وهم فى سوريا أقل عددا (لعلهم نصف مليون إنسان)، وقد انكشف مع بدء انهيار الوضع فى هذا البلد فى العام 2011 أن نصفهم سُحبت جنسيته! وأنهم يناضلون من أجل حقوقهم المدنية. ثم اشتبكت المنطقة ببعضها بعضا، وتداخلت الحدود والخطوط، وظهر داعش وخلافته الإسلامية فى المنطقة الواقعة ما بين العراق وسوريا. وكانت تلك فرصة سانحة لبروز الأكراد، المنظمين والمنضبطين والمتمرسين بالقتال والشجعان، (على الرغم بالطبع من تنوع تياراتهم السياسية والفكرية، وصراعاتها، بل ومن تنوعهم الدينى والقبلى وحتى اللغوى)، وأنهم يمكن الاعتماد عليهم كقوة محلية. فكانت «الإدارة المدنية» بعد هزيمة داعش التى لهم فضل فيها.. فدارت رءوسهم إذ خطب ودهم الجميع، من مناضلين أمميين من كل الجنسيات وجدوا فى تجربتهم تجسيدا لأفكار يحملونها، إلى الأوروبيين المولعين بالأقليات، والذين يتصرفون دوما كما لو كانوا منقِذين للبشر (بحسب أهوائهم الانتقائية المتقلبة وليس كموقف ولا كموهبة)، ونالوا على الأخص رضا الأمريكان، وهم قديمو عهد بالروس.
وبدا لهم أن كل الشروط توافرت هذه المرة لتمنحهم مِنعة ما. وأن عداء تركيا لهم لا يكفى لدحرهم.. أما عن ماذا، فهو ما لم يكن واضحا حتى فى هذه المرة.
***
ولكن ليست التضحية بالأكراد و«خيانتهم» مرة جديدة، كما تقول أصوات كثيرة، وخصوصا فى الغرب، هى أهم ما فى الحدث، بل هو سؤال أهداف هذا الحدث الاستراتيجية. إذ يبدو أن جمهورية مهاباد 2 تلك (أو «روجافا» هنا) قد كانت فصلا يمكن محوه أو افتراض تلاشيه حين يتفق «الكبار». من هم الكبار؟ هناك أمريكا طبعا التى لا يخشى رئيسها ترامب من القيام ببهلوانيات «نعم» و«لا» متلاحقة، لذر الرماد فى العيون، وهو يعلم أنه خسر فى هذه البقعة من العالم، ولم يعد بقادر على التصرف بهجومية غير مفيدة.. ولولا الخشية من صدم القارئ، المعتاد على فكرة «القوة العظمى الأولى»، لقلنا إن أمريكا هنا تحديدا قد أصبحت ثانوية. وهناك روسيا، صاحبة اليد الطولى فى سوريا، وهو نصرها الدولى الأكبر فى السنوات الماضية. وروسيا تلك لمن نسى، أمدّت أردوغان بأسلحة حديثة منها صواريخ إس 400 التى استفز واشنطن حصول تركيا عليها منذ بضعة أشهر، وهى الصفقة التى كشفت تطور العلاقات المتنوعة بين موسكو وأنقرة، وبين أنقرة وطهران، بينما يبدو بشار الأسد فى كل هذا مجرد صورة لا بد من الحفاظ عليها داخل إطار مذهّب، وبينما تبدو سوريا كأرض خلاء ــ إلا من أهلها المساكين ــ تتصارع فوقها قوى عالمية وإقليمية وتعقد صفقات، وهو ما تكرر فى التاريخ أكثر من مرة.
.. وهكذا قال المتحدث باسم الكرملين: «العملية العسكرية التركية يجب ألا تضر بالعملية السياسية فى سوريا»، و«موسكو تحترم فى الوقت نفسه حق تركيا فى الدفاع عن النفس». وأما المتحدث باسم الحكومة الإيرانية فقال إن «الأحداث الأخيرة أثبتت أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة»، وأبدى قلق بلاده بشأن أمن الأكراد فى شمال سوريا وأن «الحل الوحيد لضمان الأمن فى شمال سوريا هو استقرار الجيش السورى فى هذه المنطقة ومواصلة مسار أستانا وإيجاد مناطق خفض التوتر.. وإيران مستعدة للمساهمة فى ذلك». وقد انتهى الأمر بعد ذلك إذ أُعلن عن «تعليق» عملية «نبع السلام» لمدة خمسة أيام بعد لقاء أردوغان بنائب الرئيس الأمريكى مايكل بنس. وبينما غرد ترامب أنه فرح لأنه «سينقذ حياة ملايين البشر»(!)، أعلنت أنقرة أن هدفها هو إنشاء منطقة آمنة تمتد من شرق الفرات إلى حدود العراق بطول 440 كلم وبعمق 32 كلم، وأن تعليق العملية العسكرية يتيح ليس إلا انسحاب الأكراد منها. ويبدو أن «الصفقة» تقوم على تحويل هذه المنطقة التى تتجاوز مساحتها الـ12 ألف كيلومترا مربعا إلى منطقة آمنة كى يعود إليها اللاجئون السوريون فى تركيا، وهم حوالى ثلاثة ملايين إنسان.
***
الكل رابح: تركيا أبعدت الأكراد عن حدودها وشتتهم خارج ما كانوا يَبْنون، وتخلصت من لاجئيها السوريين، وبدت كقوة إقليمية مهابة شغلت العالم، وأمريكا حفظت ماء وجهها إذ أُعلنت الصفقة بنهاية اجتماع أردوغان وبنس، وكأنها نتاج لقائهما، وروسيا أقنعت الأكراد وحمتهم، وجلبت الجيش السورى إلى تلك المنطقة، فضربت عصفورين (على الأقل) بحجر واحد، لأنها هندست الحل العملى للموقف، وحفظت ماء وجه السلطة المتلاشية فى دمشق، وكانت هى العراب الفعلى لكل ما جرى. وإيران تدعم وتؤطر.. وعملية «إعادة بناء سوريا» بكل تفاصيلها جارية على قدم وساق، والمستفيدون منها كثر، صغارا وكبارا. وئام وانسجام، فماذا يطلب «الشعب» (المفقود) أكثر من ذلك؟ قليلة هى الأحداث الجارية فى العالم التى تنضح إلى هذا الحد بالسيناريو المكشوف مثلما فى فيلم رديء!
الكل.. عدا الأكراد كالعادة.. لسوء تقديراتهم فى السياسة، ولكن وخصوصا لسوء أوضاعنا العامة السياسية والفكرية على السواء (عدا الباقي)، أوضاعنا النابذة للتنوع والمسطِّحة للمواقف.. وعدا الذين قضوا فى حرب لا لزوم لها، كالعادة أيضا.

النص الأصلى:من هنا

التعليقات