الاقتصاد المصرى النامى.. لماذا الهجوم عليه الآن؟ - محسن عادل - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 5:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الاقتصاد المصرى النامى.. لماذا الهجوم عليه الآن؟

نشر فى : الإثنين 23 سبتمبر 2019 - 11:10 م | آخر تحديث : الإثنين 23 سبتمبر 2019 - 11:10 م

منذ ايام قليلة تشهد مصر حالة جدال حول تقييم الاداء الاقتصادى وسط حملة شعواء من الشائعات، وهو ما يستدعى رؤية واضحة يجب ان تبدأ من النظرة الدولية للاقتصاد المصرى خاصة اذا تزامنت تلك المتغيرات مع صدور بنك الاستثمار العالمى مورجان ستانلى حول الاقتصاد المصرى، مشيرا إلى أن الاستهلاك لم يعد هو قائد النمو كما كان الوضع حتى 2015، ولكن مع ارتفاع سعر صرف الجنيه فى 2019 وانتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادى، بدأت معدلات الاستهلاك فى التعافى، كل هذا جعل مصر قصة إصلاح اقتصادى عظيمة فى عيون الأسواق العالمية مع الاشارة إلى التفاؤل بمستقبل الاقتصاد المصرى الذى تجاوز مرحلة الإصلاح المالى، ما اتاح مساحة أكبر لدعم وتحسين تنافسية القطاع الخاص، خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ونحن نعتقد أن مصر فى طريقها لانطلاقة أكبر، حيث يمكن أن تساعد الطفرة فى التقنيات الرقمية فى دفع عجلة الاقتصاد، مما يجعل تنفيذ أحدث التقنيات أسهل، ويخلق مجموعة من الفرص.
تحسن ترتيب مصر فى التقارير الدولية بصورة واضحة يعكس قدرة الدولة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة وملائمة فى ظل مناخ جاذب للاستثمارات الأجنبية فالمستثمر دائما ما يبحث عن الدولة التى توفر له البيئة المناسبة والمناخ المناسب لتعظيم استثماراته مما يمكنه من الاستفادة من تحسن ترتيب مصر فى مؤشر التنافسية من خلال البناء على ما تقدم من نجاح ومواصلة اتخاذ الخطوات اللازمة من تشريعات وبنية تحتية وغيرها من المعايير الأخرى التى يشتمل عليها التقرير وتساهم فى تيسير وتسهيل عمل المستثمرين والمشروعات الاستثمارية الخاصة بهم، وكذلك من خلال استغلال هذا التقدم فى الترويج لكون مصر بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات سواء على الصعيدين الداخلى أو الخارجى.
تحسن ترتيب مصر فى المؤشرات والتقارير الدولية يعد خطوة تساعد على جذب المزيد من الاستثمارات حيث يعطى إشارة للمستثمرين بأن مصر بيئة مناسبة للاستثمار، ومن ثم فإن العمل بشكل مستثمر على تحسين ترتيب مصر فى المؤشرات والتقارير الدولية يسهم بلا شك فى الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة، هذا بالإضافة إلى حل مشاكل المستثمرين بشكل فاعل والمتابعة المستمرة معهم بشأنها، كل ذلك يعطى صورة إيجابية وجيدة عن بيئة الاستثمار فى مصر ومن ثم يساهم فى الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة جنبًا إلى جنب مع الخريطة الاستثمارية التى تعد وسيلة جيدة وفاعلة للترويج للفرص الاستثمارية المتاحة.
هناك ضرورة حقيقية للسعى بقوة نحو تنويع مصادر التمويل من خلال ادخال ادوات مالية جديدة تلقى اقبالا عالميا فى التمويل مثل الصكوك السيادية كما انه يترتب عليها انخفاض فى اعباء خدمة الدين الحكومى لكونها تعتبر مشاركة فى العوائد والتوسع فى زيادة نسبة السندات متوسطة وطويلة الاجل إلى اجمالى هيكل الدين العام لتخفيف الضغوط المالية قصيرة الاجل، ودراسة التوسع المدروس فى الاقتراض الخارجى خاصة فى ظل تراجع نسبة الاقتراض الخارجى إلى اجمالى الهيكل التمويلى الحالى ووجود فرص لذلك بالفعل بمعدلات عائد مقبولة ولفترات زمنية متوسطة الاجل كما انه سيساهم ايضا فى فى تخفيض نسبى لاصدارات ادوات الدين محليا مما قد يدفع العوائد عليها للتراجع بصورة نسبية وبالتالى انخفاض تكلفتها التمويلية، مع اهمية دراسة التوسع فى تطبيق نظام الدفعات الضريبية المقدمة بدلا من نظام سداد الضرائب دفعة واحدة سنويا مما سيوفر سيولة وموارد نقدية تخفف نسبيا من الحاجة للجوء إلى الاقتراض فى حدود السيولة التى ستتوافر من هذا التطبيق، مع دراسة التوسع فى استخدام ادوات مالية مستحدثة مثل سندات المشاركة فى الايرادات كجزء من الادوات التمويلية خاصة بالنسبة لمشروعات الموازنة الاستثمارية للدولة بما يخفض من اعباء خدمة الدين.
كان تطوير شبكة الحماية الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من برنامج الاصلاح للتخفيف من تأثيره على محدودى الدخل مع استخدام ما يتم توفيره فى تحسين خدمات التعليم والصحة ويتم ذلك من خلال رفع تدريجى للدعم مع التزام واضح من الحكومة بالرقابة على الاسعار واستهداف مباشر لمحدودى ومعدومى الدخل بالدعم من خلال تعويضات نقدية مباشرة، الا ان هناك ضرورة لاستمرار تنقية شبكة الدعم المقدم من خلال الكروت الذكية حاليا، يجب ان تبدأ من خلال انشاء قاعدة بيانات موحدة للمواطنين مما سيحسن قدرة الدولة ليس فقط على ضبط مستحقى الدعم ولكن ايضا على رفع جودة الخدمات العامة والجهاز الادارى، وتبدأ هذه الخطوة بربط جميع المعاملات الخاصة بالمواطن ببطاقة الرقم القومى بحيث يكون تسجيله على شبكة بطاقات التموين وبطاقات كروت البنزين والتأمينات الاجتماعية والضرائب والجمارك بذات الرقم القومى، ومن خلال برنامج قاعدة بيانات المواطنين يمكن الكترونيا ودون الحاجة للتدخل البشرى من تحديد مستحقى الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية والوصول إلى الاسر الاشد فقرا فى المجتمع، وتجرى فور اتمام قاعدة بيانات المواطنين مراجعة ليس فقط للدعم التموينى ولكن لكل دعم اخر ضمن مساعدات الضمان الاجتماعى الاخرى.
مما تصاعد فى الشائعات مؤخرا هو موقف الدين الخارجى فإنه من الملاحظ ان الاقتراض الخارجى يتم خلال الفترة الماضية لمشروعات استثمارية تنموية فى الاساس كما انه بتحليل موقف الدين الخارجى فمازال رصيد الدين الخارجى فى مستويات آمنة قياسا بالمؤشرات الاقتصادية الاخيرة الا ان الامر يستلزم الاستمرار فى سياسة الاصلاح الاقتصادى وترشيد الانفاق الحالية مع تجنب ارتفاع الالتزامات قصيرة الأجل بالعملات الاجنبية حيث يجب ان يكون الاقتراض على مدى متوسط وطويل الاجل، كما هو الحال فى هيكل الدين الخارجى الحالى وان توجه القروض الخارجية لمشروعات بعينها تكون قادرة على سداد اقساط الديون وفوائدها من تدفقاتها الذاتية.
ما كانت منظومة الاصلاح ستتم الا من خلال رؤية حقيقية للتحول الرقمى فى الاقتصاد اصبحت تقوم بها مصر كنتيجة لتطوير بنية الدولة ضمن عملية التحول الرقمى لأجهزتها، فخلال جلسة المؤتمر الوطنى السابع للشباب تم إطلاق مبادرة التحول الرقمى، فى ظل تأكيد رئيس الجمهورية على أن عملية التحول الرقمى للدولة هى مسألة «أمن قومى» وأن التأخر فى التحول الرقمى، ترتب عليه التراجع فى عدة مجالات، وإن مصر ستكون قادرة من خلال هذه المنظومة الجديدة على رؤية الواقع وتحسين أداء الدولة بشكل يليق بمصر خلال السنوات القليلة المقبلة.
فى ظل هذه الخطوات عالميا واتجاه مصر للحاق بها يجب ان يدرس بدقة هذه التجربة فى ظل التقدم الذى برز مؤخرا فى مجال المعاملات المصرفية الالكترونية، فالامر يحتاج الآن إلى اعادة نظر شاملة فى الامكانيات التى تحتاج اليها مصر حاليا لاستخدام البيانات الضخمة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى لتقديم القروض حيث يستلزم ذلك البيئة التنظيمية التى تسهل توليد كمية هائلة من البيانات وأتصور ان ذلك امر ليس بعيد المنال فى ضوء الخطوات الحالية التى تقوم بها مصر فى هذا المجال.
الاقتصاد المصرى مرشح لتحسين مكانته وتحقيق تقدم ملحوظ فى الفترة المقبلة والأزمات التى مر بها سيستفيد منها الاقتصاد المصرى، والإقبال على الاستثمار فيها سيكون كبيرا ومن هذا المنطلق فإن المشهد الاقتصادى المصرى الحالى لا يحتمل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترة اطول، فالتضخم مازال مدفوعا بشكل أساسى بالتكلفة وليس بارتفاع الطلب على السلع والخدمات أو ارتفاع الدخول المتاحة للإنفاق، وبالتالى تبقى قدرة أسعار الفائدة المرتفعة على تحجيم هذا النوع من التضخم محدودة، ولابد من اعادة النظر فى أسعار الفائدة كما ان ذلك يأتى فى ظل تحسين مناخ الاستثمار المستهدف من الحكومة المصرية بالاعتماد على تكنولوجيا المعلومات فى تهيئة بيئة عمل محفزة وخلق منظومة متكاملة من عدة حلول ومزايا، تهدف إلى الإسراع بتنمية القطاع وتمكينه وتسهيل إجراءاته الحكومية وتشجيعه على الاستثمار على جميع مراحل تطور الصناعات الصغيرة والمتوسطة، بدءا من نشأة فكرة المشروع، مرورا بمرحلة البدء فى المشروع ثم تعظيم فرص نجاحه، والعمل على تذليل العقبات التى تواجه المشروعات المتعثرة فى قطاع الأعمال بالإضافة إلى التشجيع على الدخول فى القطاع الاقتصادى الرسمى.
يظل التحدى الأكبر الذى يواجه الاصلاح الاقتصادى فى التحرك إلى ما هو أبعد من الاصلاحات المالية وتحفيز مستويات الاستثمارات المطلوبة لخلق الوظائف. وهو ما يستلزم الاسراع بخطط الاصلاح الاقتصادى الجديدة فى هذه المرحلة مع تحول سريع نحو الاستثمار التكنولوجى وتطوير لقطاع الخدمات وتحفيز لقطاعات الاستهلاك الداخلى مع زيادة الصادرات والاحلال محل الواردات وزيادة معدلات الجذب الاستثمارى والعمل على تنويعها.

محسن عادل خبير اقتصادى
التعليقات