الأحد 16 يونيو 2019 9:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل أنت راض عن قائمة المنتخب الوطني لكأس أمم أفريقيا؟

الدروس الخصوصية.. هل سيقضى عليها نظام التعليم الجديد؟

نشر فى : الأحد 23 سبتمبر 2018 - 10:55 م | آخر تحديث : الأحد 23 سبتمبر 2018 - 10:55 م

وعد وزير التعليم الحالى بالقضاء على الدروس الخصوصية نهائيا من خلال ما يسمى بنظام التعليم الجديد وكما قال المتحدث الرسمى للوزارة: «الدروس الخصوصية هتنتهى وبقلب جامد بنقول هتنتهى». وبما أن الدروس الخصوصية من أكبر هموم الأسر المصرية بمختلف طبقاتها وخاصة فى إطار ارتفاع الأسعار المتتابع قد يكون من أهم ما نعرض له فى هذه السلسلة من المقالات عن نظام التعليم الجديد هو إشكالية الدروس الخصوصية. ولكن لكى نجيب عن سؤال: هل يقضى النظام الجديد على الدروس، يجب أن نتفق على أسبابها. وعلى الرغم من معرفة الكثير منا لهذه الظاهرة، فنحن لا نتفق حقيقة على أسبابها ونتحدث دوما عن عوامل عدة هى فى الحقيقة متناقضة ولا تساعدنا على التشخيص أو العلاج.
هل الدروس سببها الإجابات النموذجية والأسئلة المتوقعة، كما قال المتحدث الرسمى للوزارة فى برنامج تلفزيونى بتاريخ ٩/٧؟ بمعنى أن الامتحان لا يقبل من الطالب إلا إجابة واحدة محددة ولهذا يلجأ الطالب للدرس الخصوصى ليتعلم هذه الإجابات النموذجية؟ وفى إطار نفس التصور قال المتحدث الرسمى إن الدروس سببها الحفظ والتلقين. ولكن هذا يدفعنا للتساؤل لماذا لا يحفظ الطالب هذه الإجابة النموذجية من معلمه فى المدرسة وينتهى الأمر؟ هل ينأى معلم الفصل بنفسه عن التلقين ويركز على مهارات التحليل والتفكير النقدى؟ هل كانت الامتحانات فى مصر تقيس الفهم والمهارات ثم تحولت لقياس الحفظ، فظهرت الدروس الخصوصية؟ لا يمكننا القول إذن إن الإجابات النموذجية ــ وإن كانت تمثل مشكلة حقيقية ــ هى السبب الرئيسى للدروس. ويحلو أيضا للبعض أن يروج لفكرة أن الدروس سببها القصور الفكرى للأسر المصرية التى «تفعل كما يفعل الآخرون» ولم تستوعب بعد روعة نظام التعليم الجديد والتعلم الذاتى. ولكن الحقيقة أن معظم الأسر المصرية تلجأ للدروس مرغمة مثقلة ماديا يائسة من أن يجد أولادها الإعداد الذى يحتاجون إليه فى مدارسهم. ولكن إذا كان الحفظ والتلقين والإجابات النموذجية ليست هى الأسباب الرئيسية للدروس، وكذلك العادات الثقافية للمصريين، فما سبب الدروس إذن؟
***
فى إطار بحثى الطويل مع طلاب المرحلة الثانوية ومعلميهم كانوا يجيبون عن هذا السؤال بطرق مختلفة. ومن ضمن هذه الأسباب خاصة فى المدارس الثانوية العامة: أن المنهج ثقيل ولا تكفى السنة الدراسية القصيرة لإكماله ناهيك عن مراجعته والتدرب على امتحاناته، أو أن كل درجة تؤثر فى مصير الطالب ومعظم الكليات التى يقبل عليها الطلاب تتوقع مجموعا مرتفعا للغاية، أو أن هناك خبراء جلسوا فى لجان وضع الامتحانات ثم نقلوا «خبرتهم» فى «توقع» الامتحانات لمجال الدروس الخصوصية، أو أن أباطرة الدروس لديهم صلات ما بهؤلاء الخبراء فتجد «بقدرة قادر» أسئلة الامتحانات فى مراجعاتهم النهائية وتتدرب على إجاباتها النموذجية، أو أن المعلم «معندوش ضمير» فلا يشرح جيدا فى الفصل (أو على الأقل «بيسيب حاجة» للدرس الخصوصى). أما فى مدارس التعليم الفنى، فكان الطلاب يفسرون لى من لا يأخذ دروسا على أساس أن والده متوفى أو أسرته شديدة الفقر، فهو لا يأخذ دروسا لأنه لا يقدر على ثمنها. ولكن بخلاف القدرة المادية، فإن أسباب الدروس التى تذكر فى المدارس الأقل حظا منها: أن المعلم لا يدخل الفصل أصلا، وإن دخل الفصل لا يفعل أكثر من «الشخط والنطر» وكتابة التاريخ وعنوان الدرس على السبورة، أو أن المعلم لا يحصل على أجر يمكنه من إعالة نفسه وأسرته فيلجأ للضغط على الطلاب لتدبير هذا الدخل الإضافى، أو أن الفصل به خمسون طالبا ومدة الحصة ثلاثون دقيقة يضيع معظمهما فى «اسكت يا فلان واقعد يا علان»، أو أن المعلم يظل يطارد الطالب بكل أنواع الترهيب والعقاب النفسى والبدنى (الاستقصاد) حتى يحصل على عدد كاف من الطلاب للدروس الخصوصية. ويمكننا أن نقول أيضا أنه لا يوجد من يحاسب هذا المعلم على أدائه أو على تعامله مع الطلاب بل يتواطأ الجميع ليتقاسموا معه الأرباح بطريقة أو أخرى، أو أن الطالب لم يحصل على تأسيس جيد ولم يتعلم حتى أساسيات القراءة والكتابة فلا ينفع معه إلا شراء النجاح من المعلم من خلال دفع رسوم الدرس الخصوصى والحصول على الامتحان وإجاباته، أو حفظ بعض الجمل «ودشها» فى الامتحان.
***
لا يمكن إذن فهم ظاهرة الدروس الخصوصية فى مصر إلا من خلال التسليم بحقيقة مهمة: هناك أكثر من نوع من الدروس فى مصر، وأكثر من سوق وأكثر من صناعة للدروس الخصوصية. وللتبسيط يمكننا أن نتحدث عن نوعين من الدروس: الأول تدور أسبابه حول التنافس الشديد والآخر حول ضعف الجودة ولكن السبب الذى ينبع منه النوعان هو ضعف مرتبات المعلمين وأنواع الفساد والتسيب الإدارى التى تصاحبه. وتشير الأدبيات العالمية إلى أن محورية الامتحانات فى أى منظومة تعليمية يساهم فى نمو الدروس ولكن الامتحانات ليست ظاهرة جديدة فى مصر، ولكن ما تغير حقيقة منذ الثمانينيات وواكب نمو الدروس الخصوصية هو الانخفاض الشديد فى القيمة الحقيقية للأجور. ونعرف بالطبع طريقة تعامل الدولة مع ذلك بالسماح لموظفيها بالوصول لحد أدنى من المعيشة الكريمة من خلال الحصول على أكبر قدر من المنفعة غير الرسمية، أو فى حالة المعلمين أكبر عدد من الطلاب الخصوصيين. إذن فالسبب الرئيسى هو ضعف المرتبات وما تتبعها من انقراض التعليم من الفصول، ولكنه تعقد على مدى العقود السابقة بسبب ازدياد التنافسية وانخفاض الجودة.
فطلاب الثانوية العامة ليسوا منعدمى التأسيس فى الرياضيات أو القراءة ومعلموهم من أعلى المعلمين تأهيلا فى المنظومة. ولكنهم يواجهون فرصا ضيقة للارتقاء الاجتماعى. فمع أن الدولة تدعم التعليم الجامعى (الذى لا يمثل طلابه أكثر من ٦٪ من مجموع الطلاب) لهذه الطبقات المتوسطة بأضعاف المرات ما تدعم به التعليم الأساسى، ولكن فرصهم الحقيقية للوصول لتعليم جامعى جيد ضعيفة وغير مضمونة. ويكفى أن نعلم أن ٣٠٪ ممن يكملون هذه المرحلة لا يجدون مكانا فى الجامعات وأن نسبة قليلة هى من تستطيع الدخول لكليات جيدة أو تناسب قدراتها ورغباتها. طالب الثانوية العامة إذن يواجه منافسة شديدة على الدرجات ويلجأ للدروس لتحسين فرصه لتحقيق المستحيل وهو الحصول على مجموع يتخطى الـ٩٠٪. وهذا التنافس لا ينفصل عن تخصيص الدولة ما يقرب من نصف إنفاقها على التعليم العالى للجامعات الثلاث الكبرى فقط! وهكذا فإن التنافس الضارى على كليات القمة فى القاهرة والإسكندرية سببه عدم المساواة فى الإنفاق الجامعى نفسه، وحرمان باقى جامعات الجمهورية من التمويل الذى يسمح لها بتوفير حد أدنى من الجودة والسمعة الطيبة وإقبال الطلاب عليها (وهو ما له بالطبع آثار سلبية على التنمية المتوازنة وتكافؤ الفرص وجودة التعليم).
***

أما طلاب التعليم الفنى، مثلهم مثل طلاب التعليم الأساسى فى المدراس الحكومية العادية، وهم الغالبية العظمى من الطلاب، فإنهم يلجئون للدروس (لمن يقدر على تكاليفها) كمحاولة أيضا للتعامل مع انصراف المعلمين عن التعليم فى الفصل ولكن فى إطار انخفاض مستمر للجودة بسبب ارتفاع كثافات الفصول وضعف تأهيل المعلمين وقصر اليوم الدراسى فى مدارس الفترات المتعددة. ثم تأتى الوزارة فى إطار ذلك كله وتقول أنها ستقضى نهائيا على الدروس من خلال إنفاق ملايين الدولارات على شراء تابلتات لطلاب الثانوية العامة. وبالتأكيد لن يكون لهذا أى أثر على التنافسية التى تعتصر هذه الأقلية المميزة، أو على ضعف الجودة الذى يحاصر باقى الطلاب، أو بالطبع على أجور المعلمين وعودة التعليم للمدرسة، بل ستزيد «الإصلاحات» من هيمنة ثقافة الامتحانات التى تطارد الجميع. ويتبقى احتمال أن إصلاح نظم التقويم قد يكون له أثر على تخفيف حدة الدروس ونناقش ذلك ونستكمل الحديث عن الدروس فى المقال القادم.
باحثة متخصصة فى مجال تطوير التعليم

هانية صبحي باحثة متخصصة فى مجال تطوير التعليم
التعليقات