يوليو.. الحلم المقتول - محمد عصمت - بوابة الشروق
الأربعاء 14 أبريل 2021 6:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

يوليو.. الحلم المقتول

نشر فى : الإثنين 23 يوليه 2018 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 23 يوليه 2018 - 10:15 م

من الصعب أن نختزل «انكسارات» ثورة 23 يوليو فى هزيمة 67 أو غياب الحريات السياسية، ومن الصعب أيضا أن نحصر «أمجادها» على تأميم القناة أو بناء السد العالى، فمثل هذا التحليل سيضع يوليو ومشروعها فى أحد مكانين لا ثالث لهما: إما أنها شر مستطير من ألفها إلى يائها، أو أنها خير مقيم شهدته مصر طوال حكم زعيمها عبدالناصر!.
وحتى الذين يحاولون قراءة تاريخ هذه الثورة بانكساراتها وانتصاراتها، ليصلوا إلى تصورات موضوعية بشأنها، فإنهم فى أغلب الأحوال يقعون فى مأزق تحليلى صعب بتجاهلهم الإجابة على أسئلة مهمة تتعلق بعلاقات الإنتاج التى كانت سائدة فى مصر قبل الثورة وأدت إلى قيامها؟ وكيف حاولت «يوليو» الخروج من أزمة ارتباط كبار الرأسماليين وملاك الأراضى فى مصر بعلاقات لا تخلو من تبعية فرضها عليهم النظام الاستعمارى العالمى، ومحاولاتهم التى لم يكتب لها النجاح الخروج من بيت طاعته وخاصة بعد اندلاع ثورة 1919؟ وما هى الطبقة التى تكونت فى عهد عبدالناصر وأحكمت سيطرتها على الحكم فى مصر؟ وما هى حدود وقدرات هذه الطبقة فى خوض معارك ضد محاولات الهيمنة الاستعمارية بالاعتماد على جماهير شعبية جاءت الثورة أساسا لتوفر لهم حياة أفضل كما قال قادتها أنفسهم؟
غياب هذه الأسئلة المحورية هو السبب فى طغيان حالة يمكن أن نسميها «الردح السياسى» بين الكثير من أنصار يوليو وخصومها، بدلا من إجراء مناقشات جادة حولها، تتيح فهما أكثر عمقا لطبيعتها الاجتماعية والديمقراطية، وتقدم تفسيرات تاريخية حقيقية لأسباب انكساراتها وهزائمها، لتتيح وهو الأهم البحث عن بدائل وطنية لحل أزماتنا المتفاقمة، والتى يبدو أنها تزداد تفاقما مع مرور الوقت!.
على أرضية اليسار هناك إجابات جادة عن هذه الأسئلة، أهمها ما كان يقول به مثقفنا الراحل خليل كلفت ورفاقه بأن اقتصادنا قبل الثورة كان يكافح للحصول على هامش بسيط لدخول السوق الرأسمالية العالمية، لم يستطع إقامة نمو متوازن فى قطاعاته المختلفة، كان يستهدف تحقيق أقصى الربح من تجارة القطن أو الصناعات الخفيفة التى تلبى احتياجات السوق المحلية، لم يتطلع وربما لم يستطع أصلا إقامة صناعات ثقيلة بتكنولوجا عصره، كما كانت تفعل الدول الكبرى آنذاك.
لكن مع امتلاك المصريين لحصص مؤثرة من رأس مال المشروعات الموجودة فى مصر خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وبزوغ حركات التحرر الوطنى، فإن الرأسمالية المصرية كانت تواجه أزمات عاتية سواء فى تخلف العلاقات الإنتاجية فى الريف، أو فى ظهور الجماهير الشعبية كقوة لها وزنها السياسى الكبير، فاضطرت إلى لجم هذه الحركات الشعبية بتضييق مساحات الحريات السياسية، وكان حكم أحزاب الأقلية هو السائد فى أغلب فترات الحكم الملكى وليس الوفد مثلا رغم شعبيته الجارفة.
جاءت ثورة يوليو فى هذا المناخ المأزوم لتقدم مخرجا للقوى الاقتصادية الصاعدة فى مصر لتسيطر على مفاتيح السياسة والاقتصاد، لتسلمها إلى فئة من البيروقراطيين اختارتهم من السياسيين والفنيين وجهاز الدولة القديم، والذين ارتبطوا بقادة الثورة، وأنشأوا مراكز قوى مختلفة الرؤى، لم تتفاعل جديا مع مطالب الجماهير إلا بالقدر الذى يضمن ولاءها من ناحية، ويضمن من ناحية أخرى صمتها عبر إجراءات أمنية صارمة إن لم يتوافر الولاء بالشكل الكافى.
قد يتفق البعض أو يختلف البعض الآخر حول هذه الأفكار والتفسيرات، لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه هو أن هزيمة مشروع ثورة يوليو كانت نتيجة منطقية لصراعات شلل هذه البيروقراطية، وأفقها الثورى المحدود، وتسلطها على حركة الجماهير بإجراءات تعادى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وميلها إلى المهادنة مع الدول الاستعمارية وترددها فى مواجهتها متسلحة بجماهيرها.
عداء ثورة يوليو لكل القيم الديمقراطية ببعديها السياسى والاجتماعى كان وحده كفيل بسقوط مشروعها، ولولا كاريزما عبدالناصر ما كان يمكن أن تحكم مصر لمدة 18 عاما كاملة، فالبكاريزما وحدها لا تعيش الثورات ولا تحقق أهدافها!

محمد عصمت كاتب صحفي