ومازال الإصلاح مستمرا.. - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2020 11:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ومازال الإصلاح مستمرا..

نشر فى : السبت 23 يونيو 2018 - 9:50 م | آخر تحديث : السبت 23 يونيو 2018 - 9:50 م

خاضت مصر برامج إصلاح عديدة، وإن لم تستكمل أيا منها للنهاية، فحينما كانت تشعر بقدر من التحسن كانت تتوقف عن أخذ الدواء، وتعود ريما لعادتها القديمة. وكان واضحا وفى أغلب الحالات أن خوضنا برامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولى لم يكن الهدف الأول منها هو الإصلاح الفعلى بقدر ما كان حقن الاقتصاد ببعض المسكنات المؤقتة، بما يسمح لمصر استعادة مصداقيتها دوليا وتمكينها من الاقتراض من جديد. فلم يكن لدى مصر سياسة اقتصادية واضحة وطويلة المدى منذ الخمسينيات، وكان الاقتصاد يستمد قوته دائما من سياسة مصر الخارجية ويلحق بركابها.
وتفوق الاقتصاد المصرى على غيره فى لعبة الاقتراض من الخارج ومارسها بحنكة وذكاء، وعرفت مصر كيف تستغل وضعها وزخمها السياسى فى تعظيم فرص الاقتراض من الخارج ومن ثم العيش فوق مستوى قدراتها الإنتاجية ودخلها الحقيقى. فما لبثت مصر عند رفض البنك الدولى فى أوائل الستينيات، وبإيعاز من الولايات المتحدة وبريطانيا إقراضنا لبناء السد العالى، ما لبثت أن تحولت السياسة المصرية إلى المعسكر الشرقى للحصول على مبتغاها من الاتحاد السوفيتى بسهولة ويسر. ومنذ الستينيات تكفلت الحكومة بالإنفاق على الاقتصاد الوطنى على الرغم من قلة ما كان يدخل خزائنها من موارد وعوائد.
ولغرض فى نفس يعقوب وهو البقاء، فأدخلت الحكومات الواحدة تلو الأخرى سياسات التعليم المجانى فى جميع مراحله، وذلك دون تخطيط لاحتياجاتها الحقيقية وتوفير الموارد الإضافية اللازمة للنهوض بهذا القطاع الحيوى، وأنشأت شركات القطاع العام التى تعهدت مع الحكومة بتوظيف جميع الخريجين دون الاهتمام بتنمية القدرات الإنتاجية لعامليها أو تدريبهم فى تخصصات محددة، وعاشت النظم المصرية فى قوقعة الدعم ضمانا لاستبقائها ورهنا للحصول على التأييد المطلق للشعب.
***
وتراكمت الديون على مصر بدءًا من الستينيات بالإضافة إلى استنزاف الحروب، التى خاضتها مصر واحدة تلو الأخرى، لمواردها المالية والبشرية، سواء كانت حروبها ضد إسرائيل، بما فى ذلك حرب الاستنزاف، أو حربها فى اليمن التى دامت ما يقرب من خمس سنوات، أو دعمها لحركات التحرير فى إفريقيا ومساهمتها الضخمة فى حرب الجزائر، كل ذلك أثقل على الاقتصاد المصرى واستنفد موارده وأنهك شعبها.
وكانت محاولة الإصلاح الأولى فى عهد الرئيس السادات فى السبعينيات. غير أن مظاهرات عام 1977، التى قامت ولم تقعد إلاّ بعد تراجع السادات عن إزالة الدعم عن رغيف العيش، أوقفت هذه المحاولة دون رجعة. وما زال صدى هذه المظاهرات يدوى فى آذاننا ويجعل حكوماتنا تفكر مليا فى المدى الذى قد تذهب إليه فى الإصلاح وتشعر بالقلق أمام أقل علامات عدم الرضا. فكثيرا ما أحجم الوزراء عن اتخاذ إجراءات الإصلاح خوفا من فقدانهم لمناصبهم. ورفض هؤلاء من أن يروا الحقيقة وهى أن إرجاء الإصلاح لا يرضى سوى جماعات الضغط المستفيدة على حساب الشعب، وتُعرف هذه الجماعات بالرأسمالية المحسوبية والتى تستغل ضعف الحكومات والوزراء فى مختلف الدول لصالحها ولاستمرار الوضع على ما هو عليه. فإن استمرار بقاء معدلات الدعم على البنزين والكهرباء بشكل عام ولسنوات طويلة شاملا جميع الطبقات، كان يعود بالنفع الأكبر على طبقات الشعب التى كانت تستخدم السيارات الفارهة وتعمل على تشغيل أجهزة التكييف ليلا ونهارا، بل أكثر من ذلك، فإن تحمل عبء الدعم كانت تتحمله الطبقات الوسطى التى تقوم بدفع ضرائب الدخل عند المنبع فى ظل نظام ضرائبى غير متوازن ويصعب تحصيله.
وتراكمت مرة أخرى الديون وكانت مصر على وشك إشهار إفلاسها فى أواخر الثمانينيات لولا اليد الإلهية التى جاءت مرة أخرى لمساعدتها. وساهم موقف مصر المبدئى فى حرب الخليج الأولى إلى إلغاء معظم ديونها إلى دول الخليج وإعادة جدولة ديونها إلى الدول الغربية المانحة فى نادى باريس على أسس ميسرة ومميزة. ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب مصر فى مفاوضاتها الثانية مع الصندوق فى أوائل التسعينيات. وشهدت مصر فى التسعينيات مرحلة رخاء نسبى نتيجة لتدفق المساعدات وارتفاع عوائد العاملين فى الخليج وارتفاع سعر البترول وزيادة عوائد السياحة إلى جانب تسابق الدول الغربية فى تقديم المساعدات الخارجية لمصر لوزنها السياسى وكلمتها المسموعة فى المنطقة. وما كان على مصر سوى الاستفادة من هذه الحقبة لإصلاح اقتصادها والارتقاء بمستوى إنتاجية العامل وتحسين مستوى التعليم وتنمية الموارد البشرية لديها. غير أن شيئا من هذا لم يحدث. وفشلت الحكومات واحدة تلو الأخرى فى تحمل المسئولية والمغامرة فى الإصلاح خشية من فقدان وضعها وما كانت تتمتع به من مميزات.
واستمرت الأمور مفككة والسياسات فضفاضة وتزايدت معدلات الاستهلاك دون حساب وتعاظم نفوذ الرأسمالية المحسوبية وتفشى الفساد وانخفاض معدلات الادخار والاستثمارات الوطنية وتوارت أهداف النهوض بالصناعة والتعليم والصحة إلى مراكز ثانوية.
***
بيد أن برنامج الإصلاح الذى تخوضه مصر فى الوقت الحالى يختلف كل الاختلاف عن سابقيه. فإن الإصلاح مستمر على الرغم من ثقل وطأته على طبقات الشعب. وعلى عكس برامج الإصلاح السابقة، فإن هذا البرنامج لم يكتف بالعلاج الوقتى والعمل على استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلى لفترة محدودة من خلال خفض وقتى لقيمة العملة وإدخال بعض التعديلات التجميلية لخفض العجز وخفض التضخم، ولكنه سعى إلى اقتلاع الأخطاء التى استمر الاقتصاد المصرى عليها من جذورها. فلم يكتف بخفض سعر الصرف إنما قام بتحريره تماما وهى خطوة طالما تم إرجاؤها لسنوات طويلة خشية من تداعياتها التضخمية. ومن الواضح أن الإصلاح الحالى، الذى نتفق جميعنا على أنه جاء متأخرا، لن يتوقف عند حد استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلى، ولكننا نمضى اليوم وبخطوات ثابتة إلى المرحلة الثانية من الإصلاح والتى تتمثل فى إصلاح المؤسسات وتشمل إعادة هيكلة نظام التعليم ورفض استمرار الفساد ومكافحته فى جميع أشكاله وإزالة الدعم ووصوله إلى مستحقيه وزيادة الإنتاجية وتنمية وتدريب الموارد البشرية بما يتسق وحاجاتنا.
فبدون أن يصبح اقتصادنا منتجا ومنافسا لن يصمد كثيرا أمام التحديات الداخلية والإقليمية والدولية المتفاقمة. وإن كان يصعب التحكم فى التحديات الإقليمية والدولية إلاّ من خلال زيادة إنتاجية منتجاتنا وتنافسيتها، فإنه يتعين علينا ــ لا مناص ــ مواجهة التحدى الداخلى الأكبر وهو الزيادة السكانية، التى تتزايد بأعلى المعدلات العالمية.
كما أنه يتعين علينا بناء مشاركة متوازنة وعادلة ومنتجة بين القطاع الخاص والحكومة لبناء مستقبل دولتنا وشعبنا. فلا الحكومة قادرة على تحمل الأعباء الكلية وحدها، ولا يُسمح للقطاع الخاص الاكتفاء بتحقيق الأرباح السريعة دون العطاء السخى للبناء. فلا بديل لزيادة إنتاجية الاقتصاد الوطنى وقدرته الذاتية على الادخار وقدرته على زيادة الاستثمارات الوطنية. وهنا نعول الكثير على القطاع الخاص الوطنى، فإن عودته من جديد وبقوة لزيادة الاستثمارات الوطنية سوف يشجع تدفق الاستثمارات الأجنبية وزيادة ثقتها فى اقتصادنا ومشروعاتنا، فعلى القطاع الخاص البدء فى الاستثمار فى الصناعة والبناء والعمل على الارتقاء فنيا بإنتاجية العامل المصرى ومستوى العمالة المصرية. وفى المقابل، تحدد الحكومة دورها فى الحكم الرشيد وتوفير شبكة الحماية الاجتماعية وسن القوانين وإنفاذها.

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات