سد النهضة.. «آخر الداء الكي» - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 27 سبتمبر 2021 2:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

سد النهضة.. «آخر الداء الكي»

نشر فى : الأحد 23 مايو 2021 - 7:35 م | آخر تحديث : الأحد 23 مايو 2021 - 7:35 م
تراجع وزير الخارجية سامح شكرى عن تصريحاته الصادمة التى أدلى بها الأسبوع الماضى بشأن عدم تأثير الملء الثانى لسد النهضة على المصالح المائية المصرية، لا يعفيه من المسئولية عن حالة الإحباط التى أصابت المواطن المصرى الذى تسلل إليه شعور بأن مصر قبلت إملاءات أديس بابا التى تصر حكومتها على اتخاذ إجراءات أحادية وترفض أى اتفاقات قانونية ملزمة بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
شكرى قال فى لقاء تلفزيونى مع الإعلامى نشأت الديهى مساء الثلاثاء الماضى: «لدينا رصيد من الأمان متوافر بخزان السد العالى، ونثق فى أن الملء الثانى للسد لن يؤثر على مصالحنا المائية ونستطيع أن نتعامل معه من خلال الإجراءات المحكمة فى إدارة مواردنا المائية».
ومضى شكرى محاولا تهدئة أزمة مصيرية تتعلق بحياة المصريين قائلا: «أى تفاقم للأمر مرتبط بوقوع الضرر، وسوف نستمر فى التعامل مع الأمور دون الحاجة لتصعيد طالما أنه ليس هناك ضرر على الأمن المائى».
الطرف الإثيوبى، تعامل مع تصريحات الوزير باعتبارها فرصة لإثبات أن خطوته المقبلة لن تتسبب فى ضرر لمصر، وروجها على منصاته الإعلامية، وعقد المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتى فى اليوم التالى من تصريحات شكرى مؤتمرا صحفيا قال فيه: «نرحب بتصريحات وزير الخارجية المصرى حول عدم تأثر مصر بعملية الملء الثانى، وهو الموقف الذى كنا نؤكده سابقا»، لافتا إلى أن «التصريحات المصرية الأخيرة إيجابية وتصب فى مصلحة البلدان الثلاثة».
تصريحات الوزير صارت الشغل الشاغل للمصريين على مواقع التواصل الاجتماعى، واختلف المتابعون حول تفسيراتها ومآلاتها، فهل المسئول الأول عن الخارجية يمهد الرأى العام لقبول اتفاق جزئى يخص الملء الثانى لبحيرة السد، وفق مبادرة أمريكية إفريقية، على أن يتم التفاوض حول باقى المسائل الخلافية بشكل منفصل لاحقا، أم أنها جزء من عملية تمويه حتى نفاجئ الإثيوبيين بإجراءات حاسمة؟ فيما حاول البعض إنقاذ الوزير وإقناعنا بأن تصريحاته انتزعت من سياقها.
مع تصاعد الجدل، أصدرت وزارة الخارجية بيانا تؤكد فيه رفض مصر لـ«أى إجراءات أحادية قد تتخذها إثيوبيا اتصالا بسد النهضة، بما فى ذلك الاستمرار فى ملء السد بشكل أحادى خلال موسم الفيضان المقبل».
وفيما بدا أنه محاولة لتهدئة الرأى العام المُستفز شدد السفير أحمد حافظ المتحدث باسم «الخارجية» على أن «الدولة ملتزمة بالحفاظ على حقوق مصر ومصالحها المائية وحمايتها ومنع إيقاع الضرر بها».
الوزير شكرى ظهر مجددا مع الإعلامى عمرو أديب مساء الجمعة، فى محاولة لتدارك تصريحاته ، ليعلن رفض مصر لأى تصرف أحادى بشأن الملء الثانى لسد النهضة.
لكن الوزير ومن حيث لا يدرى ــ أو يدرى ــ جدد القلق وأعاد تصريحاته السابقة بمفردات مختلفة، وقال: «مصر أعربت عن توفيرها الفرصة أمام إثيوبيا لتحقيق التنمية.. وهناك ضرر نستطيع أن نتحمله نظير بلوغ أشقائنا فى إثيوبيا للتنمية، وهناك ضرر نرفضه».
وعندما سأله المحاور عن «الخط الأحمر» فى ملف السد أجاب بأنه «ليس من المصلحة فى الوقت الحالى الإدلاء بشكل واضح عن هذا الأمر»، مؤكدا أن مصر تسعى للتوصل إلى اتفاق والتأكيد على أنها دولة ذات قدرة وعزيمة وتحافظ على مصالحها، باتخاذها مواقف مسئولة ليست مدفوعة بالعواطف.
قد يذهب البعض إلى أن حديث وزير الخارجية يجب أن يتحلى بالدبلوماسية، وألا تتسم مفرداته بالخشونة خاصة فى الملفات الحساسة، لكن فى أزمة السد الإثيوبى وتداعياتها الكارثية، استهلك المفاوض المصرى على مدى السنوات الماضية كل دروب الدبلوماسية والمفردات الناعمة، مما أغرى الطرف الآخر الذى يصر على خلق أمر واقع ويسعى للتحكم فى شريان حياتنا إلى التلويح بإمكانية بيع مياه النهر إلى مصر فى مراحل لاحقة.
رئيس الدولة ذاته وهو المسئول الأول أمام الشعب المصرى عن هذا الملف، ودع منذ فترة مفردات الدبلوماسية الناعمة، وقال بلغة تهديد خشنة، إنه لن يستطيع أحد أن يأخذ نقطة ماء واحدة من مصر، و«اللى عاوز يجرب يجرب». وخلال زيارته لقناة السويس نهاية مارس الماضى أشار الرئيس عبدالفتاح السيسى بلهجة حادة إلى أن «ذراع مصر طويلة وقادرة على مواجهة أى تهديد»، ووجه حديثه على ما يبدو للإدارة الأمريكية والمجتمع الدولى عندما حذر من أن «المساس بمياه مصر خط أحمر.. سيحدث عدم استقرار إقليمى لو انتهك أحد حقوق مصر المائية.. ولا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا».
المؤسف فى تصريحات شكرى أنها صدرت فى وقت تمكنت فيه مصر من ترميم دورها الإقليمى والدولى، ونجحت فى وقف إطلاق النار فى فلسطين، وأعلنت بشكل واضح رفضها للعدوان الإسرائيلى على أهلنا فى فلسطين، واستعادة ثوابت الدولة المصرية التى دائما ما اعتبرت أن أمنها القومى مرتبط بما يجرى على حدودها الشرقية، وهو ما جعل البعض يظن أن موقف القاهرة من مفاوضات السد الإثيوبى سيتغير 180 درجة، فإذ بتصريحات شكرى تعلن رضوخ مصر للإرادة الإثيوبية.
الإعلان عن تدريبات حماة النيل التى تتشارك فيها القوات المصرية مع نظريتها السودانية رفع منسوب الأمل مرة أخرى فى أن لمصر درعا وسيفا وأن مؤسساتها الخشنة لن تسمح بتعطيش المصريين، وتسليم مصائر الأجيال القادمة لآبى أحمد ورفاقه، قديما قالوا «آخر الداء الكى».
التعليقات