الخليج ــ الإمارات فى ثقافة التفاهة - صحافة عربية - بوابة الشروق
الإثنين 21 يونيو 2021 12:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

الخليج ــ الإمارات فى ثقافة التفاهة

نشر فى : الجمعة 23 أبريل 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أبريل 2021 - 8:30 م
نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب يوسف الحسن، تحدث فيه عن انتشار ثقافة التفاهة فى العالم وكيف أن رموز هذه الثقافة ــ بسيطرتهم على وسائل الإعلام ــ تمكنوا من الوصول إلى المواطنين والمواطنات البسطاء، ما أدى إلى انهزام الذوق والجمال العام والتقليل من شأن المثقفين والمثقفات.. جاء فيه ما يلى.
نحن إزاء عالم مضطرب، لا نعرف هل هو على أبواب تحول كبير، أم اضطراب بلا ضابط؟.
عالم فيه وفرة فى المعرفة، ونقص فى الحكمة، لامس القمر والكواكب، وعجز فى العيش بسلام مع نفسه. إنه عصر الخوف والمخاطر، والأوبئة وثقافة الاستهلاك، والفرحة والاستعراض، والأفكار الرخوة.
توحّشت فيه الليبرالية الجديدة، وزادت فى اضطرابه أزمات العولمة، وابتذال النخب، وسياسات نزقة، لا تأبه بالحياة، بعضها ممزوج بالخرافة والبغضاء والجهالة، وأخرى تنحو نحو البلاهة والابتذال.
قبل سنوات، نشر فيلسوف كندى (ألين دونو) كتابا بعنوان «نظام التفاهة» تحدث فيه عن «موت السياسة» أو تفريغها من المعايير الحاكمة لها، والخالية من أى مضمون، وطالبنا بأنه «لا نأخذ العالم على محمل الجد»، خاصة حينما يسيطر التافهون من أصحاب الفكر الضحل على مواقع مؤثرة فى المجتمع، فيغيب الإبداع والنقد، وتُهمَّش منظومات القيم، وتنحدر قيم العمل، وتُنتهك كرامة الإنسان وحريته.
حينما تتسيد «ثقافة التفاهة» تضيع مفاهيم المواطنة المتكافئة، ويختفى النقاش العام، وتعلو الرداءة وتصبح اللعبة اسمها «النجاح السهل السريع».
أتوجع حزنا، حينما أسمع تصريحا لمسئول تعليمى يقول فيه: «إن التعليم سيكون وفق حاجات سوق العمل»، يعنى أن التعليم هو علامة تجارية، لا تُنتِج علماء ذوى أفق، ولا بحوثا... إلخ، وإنما تربى تلميذا قابلا لـ «التعليب» فى المستقبل، وبدون فكر نقدى أو فضول معرفى، وليس معنيا بتمييز الوهم من الحقيقة.
فى ظل «ثقافة التفاهة» تتولد «ذات قلقة» غير قادرة على إدراك الواقع، أو على التفرقة والتمييز، ومستعدة لتقبل أى خطاب، بعد أن «فقدت حسن الاختلاف» كما يقول المفكر المغربى (عبدالسلام بنعبدالعالي).
كما تنشأ فى ظل هذه الثقافة هوية حائرة متأثرة بالعوالم الافتراضية، فى هذا الزمن الرقمى، وبالتحولات الثقافية والاجتماعية التى أوجدتها.
وحينما تصبح مساحة الحياة مجرد «سوق استهلاكية مجنونة» يصبح الشأن العام، فى نظر القاعدة العريضة من أتباع وأبناء «ثقافة التفاهة»، مجرد تقنية إدارة، لا منظومة قيم ومفاهيم عليا وحقوق وواجبات وضمير إنسانى وإغناء لمعنى الحياة.
تفرز «ثقافة التفاهة» قاعدة عريضة من «التافهين» ممن تستهويهم «الشعبوية السياسية»، وسفسطة وسائل الإعلام، وغطرسة المال، و«التغريدات» الجوفاء العجولة والبرّاقة، والبلاهة السياسية، التى تحاول إقناعنا بأنها فكر وثقافة واستشراف، وتطلب من الناس الامتناع عن التفكير، باعتبار أن أصحاب البلاهة السياسية يفكرون بدلا عنهم.
تتطور «ثقافة التفاهة» لتصبح نظاما متكاملا، ويحدثنا التاريخ عن حاكم صقلية، حينما باع الفيلسوف أفلاطون إلى تاجر رقيق، عقابا له، بسبب دعوته للعدل والفضيلة، كما يحدثنا عن سُلطاتٍ حرقت الكتب، وأخرى تسببت بكوارث نووية ومخاطر التغير المناخى، ونرجسيين تافهين على نمط (يكرهوننا لأننا عظماء) يعززون الإحباط والغضب والخوف عند الناس، ويشيعون البلاهة بدلا من التركيز والعقلانية وإنضاج وعى الناس.
فى ظل «ثقافة التفاهة»، تتحول الثقافة إلى سلعة، ويتسيَّد الفن الهابط، ويرتفع منسوب هَوَس الحصول على شهادات، حتى ولو كانت مغشوشة، وقيم الكسب السريع والمقامرة والاستهلاك البذخى، والخلاص الفردى، والمتعة العابرة، ويصبح النموذج أو القدوة هو نجم الغناء، ونجم لاعب كرة قدم، ونجوم الترفيه التلفزيونى... إلخ. وما عدنا ندرى، من هو الذى يقرر من تكون «شخصية» الشهر أو العام المؤثرة فى حياة الناس.
خلقت «ثقافة التفاهة» آليات للفرجة، ولصناعة الرموز والنجوم تتجاوز مسائل الجدارة والجودة، والمقاصد والأخلاقيات، وهى آليات تتضافر فيها وسائط إعلامية وشبكات مصالح وشركات إعلانية.
تحضرنى هنا تجربة صادفتنى قبل نحو عشر سنوات، حينما كنت فى إحدى الأسواق الكبرى، ورأيت المئات من الشباب، وهم يصفقون ويتزاحمون للترحيب بنجمة ترفيه تسمى كيم كارداشيان جاءت للترويج لافتتاح مطعم جديد، وانتهزت مصممة أزياء إماراتية وجود هذه النجمة، لتعلن عن نيتها تصميم عباءة على غرار الفستان الأحمر الذى كان ترتديه النجمة صاحبة السيرة الفضائحية المعروفة، والتى صارت رمزا وقدوة لجيل يحاكيه ويقلده. أما عن مضمون هذا الرمز، فلا يزيد عن كمٍّ من التفاهة.
لقد نجحت رموز هذه الثقافة الهابطة فى الانتشار والتأثير خارج حدودها الأصلية بفعل قوة الإعلام وسطوته، وتم تكريس الغناء الهابط، والنمط الغذائى الفقير صحيا، واللباس الخالى من الذوق والجمال، وانهزمت السيمفونية والموسيقى الأصيلة أمام الغناء الجنونى والغرائزى.
تم التقليل من شأن المثقف، وإعلاء شأن (الخبير) المُلمِّع، وأنتجت جامعات مرموقة أبحاثا على مقاس شركات تجارية، على غرار ما قالته إحداها بأنه «لا ضرر من استعمال المبيدات» لخدمة أرباح شركة تُنتج المبيدات، وتقدم منحا لتمويل تلك الجامعة.
كيف ننهض من فواجع ثقافة التفاهة، بعد أن جمحت «وبَال الحمار فى زمنها على الأسد»، ونطق «الرويبضة» واشتهر وشاع التسلط والابتذال والأنانية؟
طوبى لبُناة الأمل، لعلهم يهزمون الهشاشة والبلاهة، بالوعى الناضج، وتربية العقل على النقد والملاحظة والتفكير والضمير المسئول.
التعليقات