شاكر وفقد يدوم إلى الأبد - سيد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 7 مايو 2021 3:57 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


شاكر وفقد يدوم إلى الأبد

نشر فى : الثلاثاء 23 مارس 2021 - 8:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 مارس 2021 - 2:54 م

هناك من أجدر منى بالكتابة عن الدكتور شاكر عبدالحميد كأستاذ جامعى متخصص فى علم النفس الابداعى، لكنى اكتب عنه كإنسان عرفته عن قرب طوال أكثر من ربع قرن.
ومن يعود لمؤلفاته سيجد لى ذكرا فى أغلب مقدماتها كصديق ضمن آخرين تداول معهم حول الأفكار التى كانت تشغله وظل يبحث فيها إلى أن اطمأن لطرحها على الناس فى مؤلفات نالت الكثير من التقدير.
وطوال تلك السنوات كنت أتساءل: من أين يأتى شاكر بكل هذا الوقت؟ لينتج ويكتب ويترجم ويدرس ويلتقى بطلاب وأصدقاء وأهل وكيف أخلص لهؤلاء جميعا ومنحهم ما أرادوا بكرم يصعب تكراره.
وهناك قصة شخصية تظهر جانبا من إنسانيته وفهمه العميق لمعنى الصداقة، فقد جمعتنا الغربة قبل 15 عاما بالضبط، أنا وهو والأصدقاء أسامة الرحيمى وزين خيرى شلبى وعبدالحكيم صالح، كنا نعمل فى صحيفة بحرينية وهو يقوم بالتدريس فى جامعة الخليج العربى هناك ومنحنا محبة كانت أقرب إلى التبنى من أى شىء آخر.
وفى أحيان كثيرة كان يعود للقاهرة للاطمئنان على عائلته مرة كل شهرين تقريبا يحمل منا ما شئنا من هدايا لعوائلنا دون كلل أو ملل.
وفى أحد المساءات التى قادته إلى القاهرة فجأة، اتصلت بى زوجتى وابنتى التى كانت صغيرة لتصف فرحها بالهدية التى أرسلتها، ولم اكن قد فعلت، لكن الدكتور شاكر أناب عنى وأرسلها مع ابنه لباب البيت ولم يخبرنى أبدا.
امتلك الراحل ميزات لم تكن لدى كثيرين، أهمها قدرته على كسر الايهام والعبور إلى الناس مباشرة من جسر الأستاذ المعتبر إلى جسر الأخوة والصداقة، دون أن ينقص ذلك من هيبة الاستاذ.
كانت لدى شاكر الألفة التى يندر وجودها فى الآخرين، يتخطى الحواجز ويتسلل لقلب من يريد دون أى بطاقات، فالمحبة كما عاشها لم تكن بحاجة إلى إذن صرف أو إلى تصريح دخول.
منحه التخصص العلمى حصانة الكشف فى خبايا النفس البشرية الا أنه لم يتعامل مع الناس كحالات مرضية أو نماذج، وتفادى دوما أن يخضع علاقاته إنسانية لهذه المعرفة ومهما كلفه ذلك من خسارات ظل منفتحا على التجارب البشرية التى كانت تغنى معرفته وتمنحه الخبرة الإنسانية التى أرادها «طازجة» لا تخضع لأية تشوهات أو شروط.
وكنت أندهش جدا لأن يومياته جمعت بين أفراد بينهم تناقضات كثيرة، وحظى فى نفس الوقت بصداقات لا رابط بين أصحابها سواه.
ظل لديه فهم نادر للصداقة، كعلاقة تتحرر من شروط الزمان والمكان ولا يمكن ادراكها كوظيفة بيروقراطية ولا ينبغى لها أن تؤدى ببرود.
اتسم حضوره العام بدماثة إنسانية وحنو يصعب تفاديه، ولم تكن مسارات حياته محكومة أبدا بدوائر المصلحة، لأن قلبه الصافى قاده إلى مسالك ودروب تشبه مسالك السائرين.
عرف أن محبة الناس منحة إلهية، وهبة وعطاء لا يمكن هدره فى صراعات وآمن أن كل ما لديه للناس ولم تكن يده اليسرى تعرف ما تنفق يمناه.
وحين أتاحت له الظروف فرصة بلوغ منصب وزارى فى توقيت سياسى مضطرب، لم يغير عاداته أبدا ودخل إلى الوزارة وخرج منها سليما معافى، معتبرا التجربة كلها «غربة»، خسر معها أصدقاء رافقهم طوال مسيرته، لكنهم شكلوا مصدرا من مصادر الضغط بل زايد بعضهم عليه وابتزه بدوافع مختلفة وتسامح شاكر مدركا أن الغربة داخل الوطن أشد فى المعنى من غربة أخرى أنفقها خارجه كون فيها صداقات أعانته على تخطى الملل والشعور بالفقد أو الوحدة.
وأكثر من مرة صرح لى بأن غربة الخارج أتاحت صداقات وغربة الداخل أفقدته صداقات أكثر، وفكر ان الغربة كانت كريمة وأتاحت له امتلاك شروط للعيش الكريم ومعها امتلك الوقت الذى أعانه على انجاز ما يريد من مؤلفات وترجمات تحولت لمشروع متكامل حول العلاقة بين أشكال الابداع المختلفة والدوافع النفسية العقلية للابداع أو الاضطراب العقلى.
لا أذكر أبدا أن الدكتور شاكر ظهر أمامى متجهما، حتى فى اللحظات التى بدت ضاغطة ظل محتفظا بابتسامته وبنمط من «الهدوء المباغت» صاغ حياته كلها وتحايل عليه وأداره كقائد روحى.
فى المحادثات الأخيرة بيننا تجلى عنده وجه المبدع الذاهب إلى ما وراء الأفق وأظهر حسا عدميا ساخرا ساوى عنده بين الأشياء وقبل انتقاله للمستشفى بيومين كشف لى خطته لكتابة رواية عن الفنان التشكيلى الراحل عبدالهادى الجزار انطلاقا من سيرته الذاتية، كان يريد أن تظهر الرواية المجاز الذى كشفت عنه لوحة «المجنون الأخضر» لكنه فى العمق كان يعرف أنه ذاهب إلى الألفة التى تعينه على تجاوز الضجر.