أحياء فى مقابر القلوب!!! - خولة مطر - بوابة الشروق
الجمعة 3 أبريل 2020 8:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أحياء فى مقابر القلوب!!!

نشر فى : الأحد 23 فبراير 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 23 فبراير 2020 - 9:35 م

بعضهم يموت ويدفن تحت التراب وتبقى روحه أو روحها تحرسنا وتنير أيامنا حتى أكثرها ظلمة، وآخرون يرحلون قبل أن يدفنوا أو ربما ندفنهم نحن فى مقابر القلوب فلا يبقى منهم حتى الذكرى التى قد تكون فى لحظة ما جميلة.. ترفضهم عقولنا وتطردهم من زوايا حياتنا المضيئة وتدريجيا يختفوا حتى صورهم تتبخر أو ربما تدفن هى الأخرى.. لا يبقى لهم حتى أثر فى التراب أو على حافة الزاوية من تاريخ حياتنا.
***
تبقى تردد كيف لم أستطع أن أقرأهم بصورة صحيحة أو ربما قرأتهم ولكنى كنت لا أزل أفضل أن أتطلع لهم من عدسة الود والوفاء وربما بعض حسن الظن بالآخرين.. كان هو يقول أسيئوا الظن يا أبنائى بكل شخص يعبر فى حياتكم حتى ولو كان مرور العابرين حتى يثبتوا أنهم يستحقون كل تلك المحبة.. لم يدرك أى منا ذاك الدرس أو ربما بعضنا وسقط آخرون منا ومن بعدنا فى تلك البقعة من العتمة التى لا تقرأ بالعين التى هى مغرفة الكلام وربما النوايا.
***
ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء الأحياء الموتى قد أساءوا بفعل أو لفظ، بل يكفى أن يكتشف أحدنا ما بداخلهم وأن كل ذاك الود كان إما بهدف أو ربما لمصلحة أو قد يكون الطبع غلابا ولا يمكن لمن لا يعرف المعنى الأعمق للصداقة والجيرة والزمالة وحتى المعرفة المارة مرور الكرام، لا يمكن له أو لها أن يستوعبوا لماذا ماتوا تدريجيا بداخلك فلهم لغتهم ولك لغتك.. لهم نياتهم ولك المساحات البيضاء التى تسكنها من تحب أو من تصادق.
***
فى البدء وعند الاعتراف بأنهم قد خرجوا من حياتك تتألم جدا وتجد وكأنهم فى لحظة قطعوا الأوكسجين عن رئتيك المتعبتين المليئتين بثقوب الأثر، حتى أن تقوم بتمزيق صورهم فى شرايين عقلك قبل قلبك لأننا نعرف كم أن ذاك القلب لا يحتمل إلا تخزين الصور وكثير من المحبة.
***
تتساءل لماذا يرحل بعضهم سريعا وآخرون استطاعوا أن يمارسوا الخداع أو المراوغة لكل هذا الزمان.. تدرك أن طرقكم قد افترقت منذ سنين وأن كلا منكم قد رسم خطا بيانيا لحياته لا يتشابه مع خطوطك المتداخلة، ولكنك تبقى تحتفظ لهم أو ربما لتلك الأيام التى كانت، ببعض الود.. حتى الود لا يطول بعد أن تلتقوا بعد غياب لسنين طويلة حتى تصورت أن الصور قد بهتت فى الذاكرة ولم يبق منها سوى شىء مما تركته السنين.. حينها تحتضنهم وكأنك قد تركتهم بالأمس وتفرح جدا أن بعضهم لا يزال يتذكرك رغم أنك لم تنسهم أبدا، تصطدم ببعض الملامح المتغيرة، هى آثار العمر أو محاولات لمحوها أو إخفائها!!! بعد القبل أو السلامات والمصافحات الحارة والسؤال التقليدى المكرر «كيف أنت» أو «أين أصبحت»؟؟ تتفاجئ بكلامات السخرية المرافقة لحماسك لبعض القضايا التى تعتبرها أنت قناعات غير مرتبطة بأى مرحلة بل صالحة لكل المراحل والأزمان، يقولون «آه لا زلتى تتحدثين عن فلسطين والاحتلال؟» بعد أن تتريثى فى الإجابة لتستوعبى الموقف وحتى لا يتحول اللقاء الأول بعد سنين إلى لحظة الموت المتكررة لكثير من المعارف والأصدقاء القدامى منهم والحديثين!! تتمالكى وتبتسمى وتردى أنت أيضا ببروج كبياض الثلج على سفوح جبال الألب «تصورى أننى لا أزل سجينة ذاك الزمن وتلك الأيام!!»
***
بضع لحظات وتنتقل هى وصورها ومن معها تحت التراب.. تدفنينى أنت أولئك، أنت وهو الغير قادرين على دفن أى حشرة يستوقفكم بعضهم يريدون سرقة حتى ما تبقى من لحظات الزمن الجميل وحتى ما تبقى ربما من قناعات... هم تخلصوا من تلك المرحلة منذ سنين عندما عبروا الجسر وأصبح ما بينكم بحر وجزر متباعدة، هم قرروا أن مثلك يفسد عليهم ما يريدون تعريفه «بالنضج» الذى تفتقدين. إذن فما عليك سوى أن تقبلى صفة المتحجرة فقط لأنك قد رفضت الأوصاف الجديدة لنفس تلك الاحتلالات والانتهاكات والظلم..
***
بعضهم يبقى بعد الموت حتما وآخرون يموتون وهم أحياء ولا عزاء لك ولا لهم سوى أنك قد حاولت أن تبقى الود الذى لا يمكن أن يفرق الأحبة مهما اختلفت آرائهم وأخلاقهم.
كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات