نشاطركم الأحزان حتى بدون سابق معرفة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 3:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


نشاطركم الأحزان حتى بدون سابق معرفة

نشر فى : السبت 23 فبراير 2019 - 10:00 ص | آخر تحديث : الأحد 24 فبراير 2019 - 12:37 م

بعد أن نطالع عناوين الصحف والأخبار اليومية من كوارث طبيعية وتفجيرات إرهابية ومقتل العشرات والمئات هنا وهناك، ونتائج الثورات التي فشلت وما يتبعها من آثار، يأتي دور صفحة الوفيات التي يحرص الأهل على قراءتها أكثر فأكثر مع التقدم في العمر. يكتشفوا أحيانا وجود أسماء بعض الأصدقاء والمعارف على قائمة من استدعاهم ملاك الموت، ويسترجعون ذكرياتهم معه الطيب منها والسيئ، ولكن بالطبع تغلب عادة ذكر محاسن الموتى، من باب أنه لا يجوز عليهم إلا الرحمة. وبالفعل نكتشف في مكان ما أن هذه الصفحات هي الأكثر رحمة ورقة وتسامحا فيما نقرأ في الصحف، واجتماعيا هي بالقطع لها دلالات عميقة، حتى بالنسبة لاختفاء شرائح اجتماعية منها بالكامل، بسبب الظروف الاقتصادية، فهي لم تعد تشمل مختلف فئات الشعب كما حدث بعد ثورة 23 يوليو، واقتصرت مجددا على عائلات بعينها، فتقلصت مساحتها تدريجيا. هناك طبعا تأثير الصفحات الإلكترونية والشبكات الاجتماعية الذي انتقلت إليهم الإعلانات عن الوفاة وأماكن الجنازة والعزاء، فصارت أسرع وتغير أسلوب الكتابة واختلفت الصيغ، خاصة بعد أن صار "الحانوتي أونلاين" وصار هناك "فول باكيج للموتى" يشمل كل التفاصيل، لكن يظل الهدف واحد وهو تكريم الموتى بشكل أو بآخر.
***
تصر الابنة مثلا أن تلقب أمها في النعي بالسيدة الفاضلة، لأنها تراها بالفعل هكذا وتريد أن تعلن عن امتنناها لها أمام كل الناس، حتى من لم يعرفونها. ويرفض الابن أن يذكر اسمها على قائمة الأموات لأنه لا يرغب في تلقي العزاء ولا في القبول بغيابها الدائم، فهو لم يستعد له، بعكس الأم التي كانت جاهزة للرحيل في أي وقت بمنتهى الشجاعة والأناقة، متأكدة أنها لم تفعل في حياتها سوى كل خير، وبالتالي هي جاهزة لملاقاة ربها دون خوف.
لفتت نظري، قبل أيام، صورة سيدة مسيحية من أسيوط، كتب لها زوجها، رجل الأعمال، كلمات حب ليعبر لها بصدق أن حياته بدونها لا معنى لها، فشعرت بحجم الفقد من خلال عباراته. ذكرني بأعذب ما قرأت من خطابات حب، ظل يكتبها أحد بسطاء المصريين القدماء لزوجته بعد وفاتها بسنوات، استمر في الحديث معها بعد أن رحلت إلى العالم الآخر، وهو على يقين أنها تسمعه. أخذت في متابعة باقي عبارات أسرة السيدة المسيحية التي امتدت على مساحة الصفحة، ما يدل على قدرة مالية لاشك فيها، لأن سعر الخمسة وعشرين سنتيمترا في هذه الجريدة وصل سعره إلى مئة ألف جنيه. كلماتهم كانت تقطر بالحنان، ما يجعلك تريد أن تبحث عن المزيد من المعلومات حول هذه السيدة، وهو ما كان دوما يستهويني في صفحة الوفيات، رغم أنني أكره واجبات العزاء.
***
ناس مجهولون تماما بالنسبة لنا، نتعرف على أشكالهم وصورهم بعد أن يرحلوا. نشارك، بالقراءة، في لحظات تكريمهم دون أن نقصد، رغم أننا لا نعرفهم، وليسوا من المدينة نفسها ولا من دوائرنا. نتوقف أحيانا، إذا كان لدينا شيء من حب الاستطلاع، عند مشاوير حياتهم.. الأسماء أحيانا تكون غريبة جدا، لم نسمعها من قبل، أما الصور فتجعلنا ننسج في خيالنا تفاصيل هذه الحيوات السابقة، ونحاول معرفة المزيد، خاصة أن النعي قد يرسم خريطة العائلات الكبرى والعلاقات بينهم، ومواقع أبنائها المالية والاجتماعية، وقد يعكس أيضا تراكيب القوى السياسية وأدوار الشخصيات البارزة، وقد يجعلنا نتوقف عند حجم الثروات والسلطة في البلد. لماذا يحرص بعض الأفراد على كتابة نعيهم وهم على قيد الحياة؟ هل لأنهم يريدون توفير بعض التفاصيل المتعبة على ذويهم؟ أم لأنهم احتفظوا لنفسهم ببعض تقاليد المصريين القدماء من تحضير طقوس الموت والاحتفاء به؟ هذه هي الصورة التي يريدون توثيقها قبل أن يرحلوا، على أية حال.
على صفحات الوفيات يصبح للموت صورة واسم وعنوان. وهو شيء مدهش. ينتقل من ينتقل إلى الأمجاد السماوية أو نشاطر أحدهم الأحزان أو ننعي المغفور له، دون أن نعلم إن كان سيغفر له بالفعل، لكننا نفعل. لا تتوقف الحياة عند اختفاء أحد، حتى لو كان في ريعان الشباب، ولو على سبيل المجاملة والرياء الاجتماعي الذي قد تضج به أيضا هذه الصفحات التي لا تخلو من التفاخر والرغبة في تسجيل المواقف، كما الصدق. وكل ذلك يتضح من مجرد قراءة هذا الكنز المفتوح، الذي يجذبنا إلى دراسة أدبيات أخرى مثل أغاني وصيحات إعلان الوفاة قديما، وعبارات المنادي على الميت، وأصول الولولة والصراخ، ومطبوعات الرحمة وبرقيات وملصقات العزاء، وغيرها.

التعليقات