«الحليف».. حكاية حب فى زمن الجاسوسية - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 7:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«الحليف».. حكاية حب فى زمن الجاسوسية

نشر فى : الخميس 22 ديسمبر 2016 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 22 ديسمبر 2016 - 9:25 م

مثل الفيلم الشهير «كازبلانكا» (1942) للمخرج مايكل كورتيز، فإن فيلم «Allied» أو «الحليف» الذى كتبه ستيفن نايت وأخرجه روبرت زيميكس يختبر عاطفة الحب فى زمن الحرب العالمية الثانية. يصنع «الحليف» من حكاية حب دراما قوية بسبب تلك المواجهة بين عالم الجاسوسية، الذى يعتمد أساسا على الأكاذيب، وبين عالم الحب الذى يرفع شعار الصدق، كما يتعامل الفيلم مع منطقة رمادية وملتبسة، ولكنها شديدة الثراء دراميا، ذلك أن بطلة الفيلم مخلصة تمامًا لزوجها ولأسرتها، بحكم حبها الصادق، ولكنها ليست مخلصة للوطن الذى تعيش فيه، بحكم أنها جاسوسة، ومن هذا التناقض الواضح ينشأ الصراع، وينشأ التوتر، ويمتزج الرومانسى بالتشويقى فى بناء واحد متماسك.


يبدو واضحا من البداية تقديم فيلمنا التحية لفيلم «كازابلانكا» الكلاسيكى الكبير، وكأنه يريد أن يعدّ المتفرج لاستقبال حكاية عاطفية متقلبة، فاللقاء الأول بين ماريان بوسيجور (ماريون كوتيارد)، وماكس فاتان (براد بيت) يتم فى كازابلانكا فى العام 1942، والعلاقة العاطفية بينهما تحدث على خلفية وقوع المغرب فى قبضة النازيين والمتعاونين معهم من حكومة فيشى الفرنسية، ولكن السيناريو الذكى يبدأ حكاية الحب الصادقة بأكذوبة كاملة، حيث يحتاج ماكس وماريان إلى اصطناع أسماء وهمية، لكى يشتركا معا فى عملية مرتبة لاغتيال السفير الألمانى فى المغرب، بل إنهما يحتاجان لاصطناع علاقة زواج لا وجود لها بينهما، وهذا ما يفرضه منطق الحرب والجاسوسية، ولكن اللعبة والمهمة تتحولان إلى قصة حب حقيقية.


يفترض أن ماريان جزء من المقاومة الفرنسية، هربت من باريس لتظهر فى كازابلانكا، بعد تصفية كل زملائها، بينما يعمل ماكس، فى سلاح الجو لدى الحلفاء، ويتعاون فى مهام خاصة مع القسم «فى»، المكلف بعمليات خاصة ضد النازية.


ومنذ اللحظة التى يعرف فيها ماكس زميلته ماريان، يكتشف أمرين سيحددان فيما بعد عُقدة الفيلم كله: الأول هو قدرتها الفائقة على التظاهر ورسم السيناريوهات للمواقف المختلفة، والثانى هو إتقانها لتجسيد المشاعر الحقيقية، مما يجعلها قادرة على إقناع اللآخرين، وهكذا ستكون هذه المهارات الخاصة، سببًا إضافيا لكى تصبح ماريان موضوعًا للشك فى الجزء الثانى من الفيلم، أى أن الجزء الأول يصنع الأساس المتين للجزء الثانى.


ما يزيد من قوة الدراما، هو أن مزايا قدرات الجاسوس من كذب وتظاهر وخداع، هى نقائص مطلقة فى أى علاقة عاطفية، ولذلك فإن زواج ماريان من ماكس يبدو على حافة الخطر. هما فعلا فى حالة حب حقيقية، وإنجابهما لطفلة تولد تحت نيران القصف على مدينة لندن، دليل قوى على نجاح الرومانسية فى تحدى مأساة الحرب، ولكن بعد عام واحد، وفى العام 1943، تعود الأزمة من جديد، عندما يتم إبلاغ ماكس بأن أجهزة الأمن تشك فى أن زوجته ماريان جاسوسة ألمانية، وأنها انتحلت اسم سيدة قتلت فى المقاومة بباريس اسمها ماريان بيسيجور، واشتراك زوجة ماكس معه فى قتل السفير الألمانى فى المغرب، ليس دليل ولاء؛ لأن هذا السفير كان منشقا على هتلر، وكانت أجهزة النازية تريد تصفيته.


يزيد الفيلم من المأزق الذى يواجهه الزوج، بأن يكون الطلب فى شكل أمر صارم: لو كانت الزوجة ماريان جاسوسة حقًا فلابد من أن يقتلها الزوج بنفسه، وإذا لم يفعل سيتم إعدامهما بتهمة الخيانة العظمى، وعندما توضع الزوجة موضع الاختبار للتأكد من كونها جاسوسة، فإن الحب أيضًا يكون موضوعًا للاختبار، وتصبح لعبة الصدق والكذب مزدوجة: خداع مهنى، وخداع عاطفى، ونصبح أمام ولاء للوطن فى مواجهة ولاء للقلب وللأسرة.


ينسج الفيلم بمهارة تفاصيل اختبار الزوج لزوجته، ومحاولته التأكد من أن ماريان زوجته، هى نفسها ماريان بيسيجور سيدة المقاومة الفرنسية، وهى مهمة صعبة وشاقة: ماكس يحب زوجته بالفعل، ولكنه يعرف أيضًا مهارتها فى التظاهر منذ أيام كازابلانكا، وبريطانيا فى حالة حرب شرسة، ولا يمكن التهاون فى مسألة وجود جاسوسة ألمانية فى لندن، تبعث برسائلها إلى النازيين.


نجح الفيلم إلى حد كبير فى التعبير عن محنة الزوج، وصدمته المهنية والعاطفية معا، ولكنه أفلت فرصة أن يتلاعب بشكل أفضل بحكاية ولاء الزوجة، بحيث تبدو مرة كجاسوسة، ومرة أخرى كزوجة بريئة، وخصوصا أن ماريون كوتيارد تقدم التعبيرين بمهارة فائقة، وبصورة مقنعة تماما فى الحالتين، كما أن مخرج الفيلم روبرت زيميكس واع للغاية بأنه لا يخرج عملا تشويقيا فحسب، ولكنه يعمل بالأساس على المشاعر، ويحاول أن يترجم لحظات الصدق والكذب فيها، ولذلك يمنح شخصياته مساحة كاملة للتعبير، ويقدم المشاهد الرومانسية، بنفس الإتقان الذى يقدم به مشاهد الحركة والقتل والمطاردة.


عندما يتأكد ماكس من أن زوجته جاسوسة بالفعل، يتغلب حبه لها على كل شيء، وكأن الفيلم ينحاز للعاطفة بشكل واضح، يحاول ماكس أن يهرب مع ماريان إلى مكان بعيد عن الحرب، حيث يحقق حلمه القديم بأن يعيش فى مزرعة، وأن يقتنى الخيول، ولكن الفيلم الذى يبرز يقظة المخابرات البريطانية، ينتهى بعقاب الزوجة الجاسوسة لنفسها، يصبح العقاب هنا قصاصا بسبب الخيانة للوطن، وعنوانا على الحب للزوج فى نفس الوقت. هنا منطقة رمادية للغاية، جعلت الدراما قوية، وأغلقت قوس اللعبة: كان لابد من حسم ازدواجية الولاء للزوج، وعدم الولاء للوطن، وبقيت الطفلة الجميلة كدليل على وجود حكاية حب حقيقية فى زمن الجاسوسية والموت.


هذا إذن فيلم عن تعقد العواطف الإنسانية، وعن صراع الفرد بين قلبه وواجبه، ورغم براعة رسم ملامح ماكس وماريان، إلا أننا افتقدنا بشدة فى المشاهد الأخيرة مواقف تشرح فيها ماريان منطقها، كنا فى حاجة إلى مشهد أو مشهدين نعرف فيهما حكاية تجنيد النازى لها، ومدى إيمانها بما تفعل، وكيف ومتى قررت أن تبتعد؟ وكيف استسلمت بسهولة لإجبارها على التعاون فى لندن باتخاذ ابنتها رهينة رغم أن ماريان واسعة الحيلة والقدرة كما شاهدنا فى مغامراتها فى كازابلانكا؟


لاشك أن التركيز على ماكس بمفرده تقريبا، أضعف إلى حد كبير من مشاهد لندن، بالمقارنة بمشاهد كازابلانكا، التى تقاسم فيها ماكس وماريان الفعل والتأثير.


ولكننا عموما أمام دراما جيدة متماسكة، وأمام فيلم متقن ومحكم الصنع، به الكثير من العناصر المتميزة كالإخراج وأداء الممثلين، ماريون كوتيارد فى دور صعب ومرهق، بدت كما لو أنها قد خرجت توا من سينما الأربعينيات، كانت قادرة على الإقناع كجاسوسة وكعاشقة وكأم معًا، براد بيت كان أيضًا جيدًا، بالذات فى مشهد إبلاغه بأن زوجته جاسوسة. هناك كذلك تصوير مميز، وموسيقى لا تُنسى كتبها آلان سيلفسترى، ومن أفضل مناطق التميز حوار الفيلم الذكى والمعبر.


فيلم «الحليف» يقدم نموذجًا للطريقة التى يمكن بها التأثير فى المشاهد، إنه أعمق بكثير من مجرد فيلم عن الحرب العالمية الثانية، أو عن صراع الجواسيس، إنه بالأساس عن صراع العقل والقلب داخل ذلك الكائن المركّب الذى نسميه الإنسان.

التعليقات