السراب - صلاح ابو الفضل - بوابة الشروق
الجمعة 4 ديسمبر 2020 9:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

السراب

نشر فى : الخميس 22 أكتوبر 2020 - 8:45 م | آخر تحديث : الخميس 22 أكتوبر 2020 - 8:45 م

بتوقيع دولة الإمارات ومملكة البحرين صك الاعتراف بدولة إسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها دون أى مبرر سياسى أو أخلاقى يذكر، تكون أهداف العدوان الذى شنته إسرائيل على مصر والدول العربية بمعاونة الولايات المتحدة، وبإشراف شخصى مباشر من الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى ٥ يونيو ١٩٦٧، قد قاربت على التحقق بالكامل بعد خمسين عاما من اختفاء أول زعيم عربى كشف حقيقة الخطر الصهيونى وحاول قدر المستطاع أن يقف فى وجهه بل ودفع حياته ثمنا لوضوح رؤيته وإصراره على المقاومة.
غداة ذلك اليوم المشئوم من تاريخ مصر والأمة العربية استطاعت القوة الإسرائيلية بضربة واحدة أن تحتل كل أرض فلسطين وأجزاء من مصر وسوريا ولبنان واستطاعت أن توجه ضربة قاضية للنهضة المصرية التى جعلت من مصر رائدة لكل حركات التحرر فى العالم ومنارة إفريقية تهدى شعوب القارة السمراء، وأحدثت شرخا قاتلا لفكرة القومية العربية، إذ تكشف فيما بعد أن أطرافا عربية كانت قد تعاطفت وربما شجعت على هذه الجريمة خوفا من تيار التقدم الذى كان يهب من مصر. فصاغت بذلك مصير هذا الحلم الذى أصبح مستحيل التحقيق بالولاء المتجدد لأجندة الغرب والصهيونية.
ومنذ زيارة السادات فى عام ٧٧ وما تلاها من تراجعات بدأت إسرائيل فى جنى ثمار النصر التى نضجت وضاعفت من قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية على حساب الطرف العربى الذى قنع بوعود لم تتحقق بالسلام ونهاية الحروب. اقتحمت قارة إفريقيا التى كانت حراما عليها فى عهد عبدالناصر وحصدت الاعترافات والعلاقات الوثيقة مع معظم دول العالم الثالث وخلقت تحالفات وثيقة مع الهند وتركيا وأنشأت قاعدة صناعة إلكترونية بالغة التقدم بينما أغرقتنا فى أفكار الرى بالتنقيط وزراعة الفواكه بدلا من القطن.
***
واليوم تبدأ مرحلة جديدة تقتحم فيها إسرائيل المشرق العربى الغنى بعد أن نجحت فى تدمير هلاله الخصيب، بأكذوبة جديدة عن تزاوج مغر بين المال العربى والخبرة الإسرائيلية وهى مقاصة تعد فيها لتصفية ما تبقى من قوة اقتصادية للعرب وتفتح الباب لهيمنة صهيونية غير محدودة فى المنطقة، وتصاميم لشراكة مع تركيا وربما إيران. ولكى لا يسرف المتفائلون فى الأمل خرجت التصريحات الإسرائيلية بكل الصلف والجبروت تكذب أى تعهد بتأخير ضم الضفة الغربية، بل أشارت إلى نقض متوقع لاتفاق أوسلو مؤكدة أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية وأن الذين دخلوا فلسطين نتيجة هذا الاتفاق سيتم إخراجهم، والبقية تأتى إذ ستمتد سيطرة إسرائيل إلى غور الأردن وستجرى عمليات تهجير لسكان الضفة.
نعم سوف يبدأ شهر عسل مع أهل الخليج يلتف فيه ذيل الأفعى بنعومة ومودة حول أعناقهم. لكى تبدأ إسرائيل فى فرض هيمنتها الكاملة عليهم، وقد بدأت بعض الإشارات ترشح حول مد خطوط أنابيب البترول ما بين الخليج وموانئ إسرائيل تمهيدا لإنشاء خطوط توصيل بديلة لقناة السويس فى إطار الحملة المنظمة التى بدأتها إسرائيل منذ توقيع معاهدة السلام لخنق الاقتصاد المصرى بالتدريج وإغراقه فى الديون. بينما بدأت لجان تعويضات خاصة تتحدث عن الممتلكات اليهودية التى تركها اليهود وراءهم قبل مغادرتهم للدول العربية.
وبينما يتبارى بعض الصبية فى الإعلام العربى فرحا بالحضن العبرى مستمرين فى ترديد دعاوى الصهاينة بأنه لم يكن هناك وجود لفلسطين أصلا، ينسى الجميع حقيقتين فى غاية الأهمية فى تاريخ هذا الصراع الدامى، الأولى حدثت فى يونيو ٦٧، والثانية بعد معاهدة كامب ديفيد. فقبل العدوان الغادر، كشفت مصادر ووثائق أفرج عنها لاحقا أن الملك الراحل حسين علم بنية إسرائيل ضرب مصر، مستغلة تصاعد التوتر على الحدود السورية. ولكى يحمى نفسه توجه الحسين فى زيارة سرية لتل أبيب ليؤكد للإسرائيليين أنه ليس مع عبدالناصر وأنه لا يريد أى ضرر لهم، فما كان منهم إلا أن طمأنوه وأكدوا تفهمهم لحرجه بل نصحوه أن يرتب وضعه العربى بموقف دعائى مناسب مع ناصر ليتفادى أى حرج إذا لم يشارك فى المعارك المقبلة وابتلع الحسين الطعم وذهب إلى القاهرة وعانق جمال عبدالناصر ووقع معه اتفاقية دفاع مشترك. لكن ذلك لم يشفع له عند إسرائيل، ويعرف الجميع أن الضفة الغربية والقدس الشرقية كانت أول ما اجتاحه جيش الدفاع الإسرائيلى، واكتشف الملك حسين أنه كان أول الضحايا إذ فقد نصف مملكته، وكان الثمن بقاءه على عرش المملكة الصغيرة التى رسمها سياسى بريطانى على ورقة فى مقهى بعد الحرب العالمية الأولى. والشاهد هنا أن إسرائيل لا أصدقاء لها وأنها تغدر بكل من يقف معها عند اللزوم وصندوق التاريخ ملىء بالعبر.
الحقيقة الثانية هى وهم فكرة التطبيع التى نصت عليها معاهدة السلام ولم يلتزم بها الشعب المصرى، وبكل أسف درجت أجيال عربية شابة على الاستهانة بحجم مصر ومكانتها، فلم يفهم أغلبهم المغزى الحقيقى لرفض الشعب المصرى التطبيع مع إسرائيل رغم توقيع النظام المصرى معاهدة سلام معها، ولم يلاحظوا أو ربما لم يهتموا بمعرفة السبب فى أن النظام المصرى لم يضغط فى أى وقت على شعبه فى اتجاه التطبيع. والحقيقة أن رفض التطبيع كموقف شعبى كان رسالة مصرية واضحة للعالم أن معاهدة السلام ربما كانت ضرورة للسلم الدولى، لكن أغلب المصريين لم يكونوا مقتنعين بأن إسرائيل أرادت السلام بهذه المعاهدة، ولا بأنها عوضت الثمن الفادح لعدوانها على مصر والعالم العربى. ولايزال الشعب المصرى يراقب ويختزن استمرار إسرائيل فى عدوانها على العرب وعلى مصر، فهى اغتالت العلماء المصريين، وضربت مفاعل العراق واجتاحت لبنان أكثر من مرة، ولم يردها عنه إلا شجاعة حزب الله وبراعته التكتيكية. وضربت غزة وسوريا وشعب الضفة مرات ومرات.
***
إن عدوان إسرائيل على مصر وعلى العرب لم ينته حتى الآن وهو لن ينتهى، فهذا جزء من طبيعة الاستيطان الاستعمارى الذى يهدف للقضاء على أهل البلد الأصليين مثلما فعل الأمريكيون بإبادة أهل أمريكا الأصليين ومثلما فعل مستوطنو أستراليا فى أهلها. ومثلما حاول نظام روديسيا العنصرى فى إفريقيا ولم ينجح. والذين احتجوا بمعاهدة السلام المصرية مع إسرائيل لتبرير هرولتهم نحوها لم يفهموا أن رفض المصريين للتطبيع كان التعبير الأصيل عن الموقف الفعلى تجاه المؤامرة الصهيونية على المنطقة وانتظارا لحدوث سلام حقيقى. وسيكتشف كثير من العرب أن إضعاف مصر أو تجاهل دورها سيكون له ثمن أقسى بكثير مما حدث لهم حتى الآن.

صلاح ابو الفضل طبيب نفسى مقيم فى المملكة المتحدة
التعليقات