التشريع والقضاء فى الإسلام - رجائي عطية - بوابة الشروق
الأربعاء 27 أكتوبر 2021 2:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


التشريع والقضاء فى الإسلام

نشر فى : الأربعاء 22 سبتمبر 2021 - 7:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 سبتمبر 2021 - 7:35 م

التشريع الإسلامى ـ كما أسلفنا ـ ديمقراطى بعموم مصدره، ديمقراطى بعموم تطبيقه وسريانه، لا تمييز فيه بين الناس لاختلاف النسب أو اختلاف الطبقات، وصفته العامة هى قيامه على مبدأى العدالة والمساواة.
وهذا التشريع مصدره الكتاب والسنة والإجماع، ويقوم على تطبيقه الإمام ــ أو الحكومة ــ ومن يستعان بهم من ذوى الرأى والمعرفة والخبرة.
ويسمح هذا التشريع بالاجتهاد بل ويدعو إليه، كما فى المثل الذى سُرّ به النبى عليه الصلاة والسلام من عامله معاذ بن جبل حين رد بأنه إن لم يجد حلاًّ فيما يعرض عليه بكتاب الله أو سنة رسوله، فإنه يجتهد رأيه ولا يألو.. أى لا يقعد عجزًا.
وهنا ينبه الأستاذ العقاد إلى أن كلام الحاكم ــ فى غير مقام التشريع ــ لا يعد تشريعًا وغير ملزم كتشريع.
وللاجتهاد فى إطار هذا التشريع قواعد يجب أن يتوخاها المشترعون فى تقرير أحكام القوانين ـ ومن هذه القواعد تفضيل السماح على التحريم، أو ما نعبر عنه بلغة العصر أن الأصل فى الأشياء الإباحة، وأن اليسر مقدم على العسر «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ».
ومن قوام هذه القواعد القدرة والاستطاعة، أو ما نعبر عنه فى لغة العصر أنه لا تكليف بمستحيل، والشاهد على هذه القاعدة فى التشريع الإسلامى قوله عز وجل: «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا»، واتخاذه من حالة الضرورة متى قامت أسبابها عذرًا يحسر المسئولية، ويشهد على ذلك أكثر من آية فى القرآن الكريم: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»، والقاعدة العامة أن: «الضرورات تبيح المحظورات».
ومن كمال هذا التشريع أنه لم يغلق باب العرف الصحيح غير الفاسد أن يكون مصدرًا مسموحًا لتقعيد القواعد، فجعل «العادة المطردة تنزل منزلة الشرط» وأن «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»، وأن ما يراه المسلمون حسنًا فهو حسن.
وأخيرًا فإن الاجتهاد ينبغى أن يكون جائزًا فى كل عصر، بل فريضة واجبة على كل مخاطب مأمور فى القرآن بالتعقل والتفكر والتدبر والعمل بما يؤمر به عن فهم ودراية.
القضاء
والقضاء فى الإسلام، يسوى بين الناس على أسس من العدل، ويتولاه من اجتمعت له شروطه: العقل والعلم والحرية وحسن السمعة والبصر والنطق. ويستحب أن يكون مجتهدًا، ولا يمتنع أن يكون مقلدًا إذا أعوزه الاجتهاد. ويجوز أن يُقْسر على تولى القضاء إذا لم يوجد غيره من ناحية الكفاية والصلاحية، باعتبار القضاء فريضة على المجتمع كله، أى أنها فرض كفاية.
وفى صدر الإسلام، بسط الفاروق عمر بن الخطاب دستور القضاء فى كتاب إلى عامله:
إن القضاء فريضة محكمة وسُنة متبعة فافهم، إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
آس بين الناس فى وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف فى حيفك ولا يخاف ضعيف جورك.
البينة على المدعى واليمين على من أنكر.
«الصلح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالا».
* * *
وبحسه وبصيرته اهتدى الفاروق إلى مبدأ استقلال القضاء حتى عن سلطان الخليفة، فسنّه فى إجابته على رجلٍ سأله فى قضية، وأجابه برأى فيها، فلما سأله الرجل ما يمنعه من أن يمضى ما يراه والأمر إليه، أجابه: «لو كنت أردك إلى كتاب الله وسُنة نبيه لفعلت، ولكنى أردك إلى رأيى، والرأى مشترك».
وأخذ النظام الإسلامى بالفصل بين السلطات، فلم يجعل للقاضى تنفيـذ الحكم الـذى يصدره، ما لم يكن فى أمر توليته ولاية خاصة. وعن ذلك قال القرافى فى الذخيرة: «ولاية القضاء متناولة للحكم لا يندرج فيها غيره وليس للقاضى السياسة العامة لا سيما الحاكـم الذى لا قدرة له على التنفيذ.. وأما قوة التنفيذ فأمر زائد، فقد يفوض إليه التنفيذ وقد لا يندرج فى ولايته..».
وكان يجرى أن تعرض القضايا العويصة أو المعضلة على أكثر من قاضٍ واحد، وقد يوكل نظرها إلى أربعة قضاة، كما روى ابن فضل الله العمرى صاحب كتاب مسالك الأبصار.
وشُرع فى القضاء الإسلامى ما يشبه القضاء على درجات ـ أو قضاء النقض ـ فى العصر الحالى، فيرد الحكم ـ كما جاء فى شرح الرصاع التونسى ـ إذا خالف نص آية أو سُنة أو 
إجماعًا، أو ما يثبت من عمل أهل المدينة، أو قياسًا لا يحتمل إلاَّ معنًى واحدًا، أو قامت البيّنة على وقوع سهوٍ وقع عفوًا.
وكان الخلفاء يوسعون فى أرزاق القضاة ويرجحون أرزاقهم على الولاة.
ومن الآداب التى عرفت للقاضى: «ألاَّ يشترى بنفسـه ولا بوكيل معلـوم، حتى لا يسامح 
(يجامل) فى البيع»، وكان الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز يقول: «تجارة الولاة مفسدة وللرعية مهلكة».
ويورد الأستاذ العقاد أن القضاء الإسلامى عرف «وظائف العدول»، وكانت فى البداية توكل إلى الثقات الذين يؤخذ بقولهم فى تزكية الشهود وعما إذا كانت محل ثقةٍ تقبل أو مجرحة لا تقبل.
وكان من القضاة من يتشددون فى إجازة العدول من واقع تتبع أحوالهم.
ومن النظم الخاصة بالقضاء الإسلامى «قضاء الحسبة»، فيكون للمحتسب أن يرفع الأمر أو يبت فيه على نحو ما تنهض به النيابة الآن فى رفع الدعوى العمومية.
أما أدب القضاء الأكبر فى الإسلام، فهو تطامن القاضى وعدم ترفعه على احتمال الخطأ فى تقديراته، وضرب النبى عليه الصلاة والسلام المثل بنفسه فى أنه لا عصمة للقاضى، حينما أوكل للمتخاصمين النصفة من أنفسهم كما مَرَّ بنا فى منازعة المواريث التى تقادم العهد بها وتعذر الوصول إلى حل مأمون وعادل للنزاع.
وحسب القضاء ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن يكون إنسانيًّا ليكون غاية الرضا من الأنظمة التى ترعى المساواة ومنها الديمقراطية، وعلى هذه الأسس جرت سُنة الحكم فى الإسلام، وكان الناس سواسية أمام القضاء.
مع الأجانب
وقد اتسعت حرية الحكومة الإسلامية للأجانب، فأمنوا فى كنفها على أرواحهم وعقائدهم وأموالهم، وأبيح لهم من الحقوق ما لم يكن مباحًا فى نظم ذلك الزمـان، وبعضـه غير مباح 
فى الحضارة الحديثة.
والحضارة الإسلامية صاحبة سبق فى «سماحة» معاملة النازلين فى بلادها من الأجانب، المسالمين أو حتى المتهمين فى عقائدهم، وقد ورد فى القرآن المجيد إجارة المشرك المستـجير
ونحن نرى الدول تُضَيِّق فى العصر الحالى على دخول الأجانب إليها سيما فى أزمنة القلق، وتضع حدودًا قصوى لمكوثهم فيها، وتميز تمييزًا كبيرًا فى الحقوق بين الأجانب وبين مواطنيها.
وقد كان للإسلام حجة فى أن ينظر إلى الأجانب المحيطين به كأعداء، لما كان مهددًا به من الإغارات ومن مصادرة دعوته والتربص به، ومع ذلك استغنى الإسلام عن كثير من القيود التى يحاط بها دخول الأجانب أو إقامتهم، ويقارن الأستاذ العقاد هنا بين سماحة الإسلام وما كان يجرى فى بلاد الروم وعلى تخومها.
والمشهور عن نظام الحكومة الإسلامية، أن الذميين والمعاهدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأن الدولة تقاتل عنهم كما تقاتل عن رعاياها، ولا تستباح عقوبتهم بالحدود الإسلامية، ولا يستدعون إلى القضاء فى أيام أعيادهم إعمالا لحديث نبوى.
وقد تجاوزت السماحة فى معاملة الأجانب حدود ما نصت عليه وفصلته العهود، وأُثر عن النبى عليه الصلاة والسلام قوله: «من آذى ذميًّا فقد آذانى».
والمسلم مأمور فى شريعة القرآن بتصديق وتوقير جميع الأنبياء، وأمر بذلك فى القرآن
 الكريم: «قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِى مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِى النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ».
ولعل خير ما يختم به هذا الحديث عن الديمقراطية الإسلامية مع الأجانب، إيراد الأستاذ العقاد لنصوص من عهد إيلياء الذى كتبه الفاروق لأهالى بيت المقدس، خاتمًا بأنه لا موضع لمقابلة هذا الأمان بما يجرى فى الحضارات الإنسانية، فليس فيها قط ما جرى مجراه.

التعليقات