حشرة مصاصة دماء - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 9:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

حشرة مصاصة دماء

نشر فى : السبت 22 أغسطس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : السبت 22 أغسطس 2020 - 8:20 م

النهار غاضب لسبب غير معلوم.. والكلب أيضا غاضب لكن بسبب هذا المخلوق المنفر الغريب الذي استقر في أذنه، ينفث فيها مثل الوسواس الخناس. غزاها قراد ماكر لا يقاوم، فلم يعد له إلا الشكوى والصبر. ربما عَرفت الحشرة التي تنتمي لفصيلة العنكبيات طريقها إلى جسده وهو يمر بجوار العشب، التصقت بقدمه، زحفت على فرائه، ثم اختبأت في رأسه وأذنيه، تسللت دون أجنحة ولا قرون استشعار ولا قفزات بهلوانية كالبراغيث، ولبدت بأرجلها الثمانية فصارت مصدرا للإزعاج والحكة دون أن يدري، انتابته حالة من عدم الراحة ولم يستطع تحديد المصدر لأن القرادة حين تتمكن من مخلوق، سواء كان إنسانا أم حيوانا، لا تعطي إشارات إنذار، بل تفرز مادة مخدرة تجعله لا يشعر بلدغتها. تُعطل الجهاز العصبي للفريسة، تغرس "أنيابها" في جسمها لكي تمص دمها وتتغذى عليه، تنتفخ ويتضاعف حجمها ويتغير لونها. وكلما زاد وقت وجودها في الجسم، كلما اشتدت الأعراض وأصبح الكلب أكثر عدوانية وقد يصل الأمر إلى فقدان السمع لأن هذه الكائنات الصغيرة الطفيلية تملأ أذنه بالبراز والدم المتجلط والكبريت وتلحق به أضرارا جسيمة، منها أن تنقل له بكتيريا وفيروسات وبعض الأمراض المعدية التي تتشابه أعراضها مع الإنفلونزا مثل الحمى وألم الرأس والقيء والسعال والتهاب الحلق. تؤثر حشرة القراد رغم صغر حجمها الذي لا يتعدى ستة مليمترات على القناة السمعية الخارجية وطبلة الأذن والسطح الداخلي للأذن وتخترق الأذن الداخلية، والنتيجة تكون عدوى بطانة الدماغ التي تؤدي إلى وفاة الحيوان. أخطار مماثلة قد تصيب الإنسان حين تتمكن منه "القرادة"، فقد يصاب بأوبئة وأمراض خطيرة مثل "اللايم" الذي يبدأ بطفح جلدي ورعشة، ويعقبه أحيانا ظهور اضطرابات عصبية وقلبية والتهابات في المفاصل.
***
هكذا خلقت الطفيليات مصاصة الدماء، تعيش معتمدة على كائنات حية أخرى. وخلال ملايين السنين طورت وسائل ماكرة للتلاعب بمضيفها وتحقيق غايتها، فهناك أشياء كثيرة مشتركة بين الطفيليات مثل القراد والعناكب وبعض الديدان والخفافيش التي تتغذى على الدم والتي يقدر عددها بحوالي أربعين ألف نوع مختلف. وهناك أشياء كثيرة مشتركة بين المخلوقات الطفيلية سواء كانوا بشرا أم حشرات. كل أمراضنا متشابهة وأحلامنا متشابهة وخيباتنا متشابهة. أنثى حشرة القراد مثلا تحتاج أن تضخ بعض الدماء في جسم فريستها بعد أن تشرب من دمها لكي تبيض وتتكاثر، بعكس الذكور الذين يموتون فور التزاوج خلال موسمي النشاط في الربيع والصيف، لكن عموما معدل أعمارهم يترواح بين ثلاث وست سنوات، أما البني آدم فقد يعيش معنا عشرات السنين قبل أن نكتشف أنه تغلغل تحت الجلد ليلحق بنا الأذى.
***
فهمت بشكل أفضل سبب تشبيه الإنسان الطفيلي الخبيث الذي يصعب التخلص منه بأنه مثل "القرادة"، فإزالة هذه الحشرة من الجسم ليست بالشيء اليسير، بل تستدعي الكثير من الدقة والتطهير واستخدام المضادات الحيوية حتى نضمن عدم وجود أي يرقات أو بقايا ويكون العلاج نهائيا، تماما مثلما يحدث مع الكلاب الشاردة، فالإنسان هو الآخر خُلق ليأكل ويُؤكل. ولا يخلو الأمر من كذب ومماطلة وعنتريات فارغة في المقاهي وفظاظة وترويج للشائعات ونميمة على الأصدقاء، هذا بخلاف تهم كثيرة ماتت بسبب التقادم. نقابل أشخاصا حقودين لا يحبون أحدا. امرأة تجلس على كرسي وتبتسم بخبث فتحول الناس خشبًا. رجل طويل عريض لا يعرف مصيره ويستسلم للقرادة. كلب صغير غاضب يعرف مصيره بذكاء فطري، يحاول الخلاص ويسمح للآخرين بمساعدته، ثم يتمدد تحت أشعة الشمس وأوراق الأشجار التي تحترق من القيظ.

التعليقات