تكامل السياسة الخارجية والأمن الوطنى الليبى.. الأولويات التنظيمية - يوسف محمد الصواني - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 2:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

تكامل السياسة الخارجية والأمن الوطنى الليبى.. الأولويات التنظيمية

نشر فى : السبت 22 مايو 2021 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 22 مايو 2021 - 7:35 م

تواجه السياسة الخارجية الليبية تحديات تندرج ضمن ما تواجهه ليبيا فى مرحلة الصراع وهو ما يتطلب رؤية انتقالية بما يخدم الأهداف الوطنية فى مرحلة قيام حكومة الوحدة الوطنية بمهامها ومن أجل استعادة السيادة عبر خدمة أهداف المرحلة وفى مقدمتها الاستقرار والوحدة والمصالحة. وحتى يمكن للسياسة الخارجية الانتقالية أن تحقق المصلحة الوطنية فلا بد أن تتوفر على مقومات أو عناصر أساسية بدءا من توحيد عملية صنع السياسة الخارجية وصهر كل الفاعلين المتصلين بها فى بوتقة وطنية واحدة للتخطيط، ووجود مؤسسة تنفيذية واحدة قائدة لبقية المؤسسات المعنية بالعمل الخارجى وأداة تنسيقية لها علاوة على توفر المهنية أو الحرفية. فى هذا المقال نقترح عناصر يمكن أن تشكل مكونا أساسيا من تلك الرؤية حيث نركز على الأدوات التخطيطية والتنفيذية التى يستلزم استحداثها أو تطويرها وتمتينها بشكل يحقق التكامل بين الأهداف والاشتراطات المهنية.

السياسة الخارجية والأمن الوطنى وتكامل السياسات
يقتضى تطوير العمل الخارجى القيام باستحداث مؤسسات وطنية معنية بالأمن الوطنى الليبى بمفهومه الشامل وتلعب دورا تنسيقيا وتخطيطيا وتسهم فى تجاوز مخلفات الانقسام والضعف الذى نجم عن التدخل فى وزارة الخارجية وتهميشها وإرهاقها بالعدد الكبير من العاملين غير الأكفاء والارتهان للتوجهات السياسية أو المصلحية لأطراف الصراع الليبى أو التدخل الخارجى مما جعلها تعانى تشوها هيكليا وتفككا وتلوثا للذاكرة وضياعا للبعد التوثيقى. كما من شأن تلك المؤسسات أن تضع إطارا واضحا لرسم السياسة الخارجية وتنفيذها بما يحول دون التخبط أو التعارض والتناقض بين مكونات السلطة المختلفة وتدخلاتها الضارة. وفقا لذلك ولغاية تحقيق هدف الربط بين تحديات الداخل والسياسة الخارجية وضمانا للتكامل والتنسيق بما يخدم الأمن الوطنى يقترح ما يلى:

أولا: استحداث أو تطوير مجلس الأمن القومى والمهام الأساسية له تتمحور حول حماية المصالح الحيوية للدولة وصون السيادة وضمان وحدة أراضيها وسلامها الأهلى وحماية ثرواتها الطبيعية ضمن حزمة شاملة من السياسات العامة لمختلف القطاعات. المهمة الأساسية ذات طبيعة تخطيطية وإشرافية ويمكن أن تتبعه لجنة وزارية للتنسيق القطاعى يقودها وزير الخارجية بما يكفل تكامل السياسات الوطنية. ذلك وحده كفيل بتجاوز الآثار المدمرة للصراع والتدخل الذى أفقد كل المؤسسات المعنية بالعمل الخارجى وفى مقدمتها وزارة الخارجية أقساما لا يعرف حجمها ومداها من أرشيفها فى خضم الكشف عن معلومات تمس الأمن الوطنى أو نقل جزء من الذاكرة لدول أجنبية وتغلغل عناصر العبث فى تلك المؤسسات.
ثانيا: أن تقوم وزارة الخارجية بتكوين فرق عمل من الخبراء والخبيرات والأكاديميين والأكاديميات والممارسين والممارسات ممن لهم صلة عملية أو معرفية بالمجالات والدوائر المشار إليها أعلاه بما يسهم فى بناء القدرات وتوفير المعرفة اللازمة.

ثالثا: تأسيس مجلس ليبى للشئون الخارجية وهو يمكن أن يكون منظمة غير حكومية تتولى البحث فى كل ما يتعلق بالعلاقات الدولية والعمل الخارجى مثلما يؤدى مهاما ذات طبيعة خاصة وحسب الطلب من المؤسسات المعنية من خلال مجموعات التفكير الدائم أو إدارة الأزمات وحلقات النقاش وورش العمل المغلقة أيضا.

إعادة تنظيم وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية الليبية
لطبيعة المرحلة والأهداف المرجوة يقترح أن يجرى التركيز فى المرحلة التالية للانتخابات ووجود سلطات منتخبة (وفى فترة زمنية تتراوح بين 6ــ9 أشهر من ممارسة السلطة التنفيذية لمهامها) على إعادة تنظيم مؤسسات العمل الخارجى وفى مقدمتها وزارة الخارجية والبعثات الليبية فى الخارج بما يحقق الأهداف المرحلية المشار إليها أعلاه. وفيما يتصل بوزارة الخارجية يمكن أن يتم القيام ببعض الخطوات التنفيذية التى تشمل:
أولا: تجاوز مقاربة تقليص العدد إلى مقاربة الحجم المناسب
رغم ضرورة وأهمية البدء بعملية تقليل عدد العاملين فهذا لا يكفى لمواجهة التحديات التى تواجه انطلاقة الدبلوماسية الليبية الجديدة. إن لذلك علاقة بالتخطيط الاستراتيجى بما يعنيه من التساؤل حول علة وجود السياسة الخارجية وأهدافها والنتائج المراد الوصول إليها. إن لذلك صلة بما يمكن وصفه بأنه عملية إعادة اختراع للعمل الخارجى والسياسة الخارجية لدولة تسعى للخروج من أتون الصراع والولوج إلى الاستقرار وخوض غمار معارك وطنية كبرى. هكذا يكون خفض عدد البعثات والعاملين أو تقليص التكاليف والمصروفات مجرد أدوات وليست هدفا لذاتها. الأهم فى تقديرنا هو تجاوز فكرة «تقليص الحجم» إلى الوصول إلى «الحجم الصحيح» وهو ما يشمل جميع أنماط التفاعل ويتسع ليشمل كل جهد يهدف إلى إعادة تصميم العمل الخارجى بكل أدواته وتنظيماته والإبقاء فقط على عدد مناسب منها بما يتفق مع الدوائر المحددة، وبناء على معايير سياسية واقتصادية وأمنية ترتبط بأهداف المرحلة التالية مثلما يرتبط مستقبل العدد المناسب للعاملين بمخرجات بناء القدرات الواردة أدناه.

ثانيا: بناء القدرات
تنطوى الدبلوماسية الليبية على مخاطر وعناصر محدودية القدرة والأثر أو التأثير. لذلك لا بد من الاهتمام بالكفاءة المهنية للعاملين فى كل قنوات أو أدوات العمل الخارجى. إن التجربة، خاصة خلال العقد الماضى، كشفت العجز والافتقار إلى أبسط مقومات تلك المهنية والكفاءة وهو ما يفرض التركيز خلال المرحلة الأولى على تطوير المهارات الدبلوماسية على مستوى الدبلوماسى الفرد وعلى التدريب والتكوين لتطوير نموذج وطنى للبعثات الدبلوماسية والقنصلية. هنا لا بد من التوسع فى برامج موجهة للتكوين السياسى والدبلوماسى وإدارة المعرفة بما يعد الأدوات الدبلوماسية للعمل على أهداف أکثر اتساعا أو استراتيجية متعددة المستويات عند تعافى الدولة واستردادها لحيويتها كلاعب مستقل.

ثالثا: إصدار قانون جديد للعمل الدبلوماسى والقنصلى
يعانى العمل الخارجى الليبى من قصور وفوضى وتداخل فى المهام والاختصاصات وغياب التنسيق وخاصة على مستوى تنفيذ السياسة الخارجية. ومع أن ليبيا تعيش حالة من إهدار القانون والحقوق الأساسية للمواطنين والمواطنات فإن أى نجاح فى المجال الخارجى يرتبط تماما بإعادة الاعتبار للقانون والتنظيم الذى يتناسب مع دائرة العمل والأهداف المشار إليها هنا.
لذلك لا بد من قانون وتنظيم يستجيب للأهداف والتطورات العالمية بما يتجاوز مقاربة العمل فى الخارج على أنه جائزة يحرص كل العاملين فى الوزارة ومن خارجها أيضا على الفوز بها. ينبغى أن يهتم القانون ولائحته التنفيذية بتنظيم العمل وأدوات تنفيذه والشروط المحددة لنجاحه واعتماد مقاييس کيفية وكمية للأداء والتقييم وليس مجرد وضع ضوابط ما يسمى الأسبقيات فى العمل الخارجى. لذلك لا بد مثلا من وضع حوافز للعاملين وخاصة فى درجات متقدمة أو عالية للعمل فى ديوان الوزارة واستحداث نظام أو سلم درجات للخبراء والمستشارين وما يقابلها من حوافز لا تجعل الخبرة والمعرفة المتخصصة تضيع فى خضم السعى المحموم للعمل فى الخارج.

رابعا: إعادة تنظيم وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية فى الخارج
إعادة تنظيم الوزارة والبعثات الدبلوماسية لا بد أن ينسجم مع أهداف المرحلة الانتقالية بما يكفل إيلاء القضايا والدوائر المشار إليها الأولوية فى العمل. وينبغى أن يعكس التنظيم الجديد أولويات ودوائر السياسة الخارجية الانتقالية. هكذا يتم تنظيم وزارة الخارجية بحيث يشمل هيكلها التنظيمى عددا من الإدارات المعنية بالعلاقات الخارجية على المستوى الجغرافى أو الإقليمى (عربية، أفريقية، أوروبية.. إلخ) مع اقتصار وجود البعثات الدبلوماسية والقنصلية فى الدول المشار إليها أعلاه ويمكن لبعثة واحدة مثلا أن تتولى متابعة علاقات ليبيا مع عدة دول دون أن يعنى ذلك توسعا فى عدد أفراد البعثة الواحدة. كما يشمل التنظيم إنشاء مكاتب تتولى متابعة العلاقات والقضايا أو الشؤون المتصلة بمستويات العمل ودوائره بحيث يكون هناك مثلا مكاتب للمنظمات الدولية أو الأمور القانونية الدولية والمعاهدات ولقضايا الطاقة والبيئة وأخرى لقضايا الجريمة والإرهاب والهجرة والتعاون الاقتصادى والعلمى أو مكاتب للعلاقات مع الدول المحددة أعلاه.. إلخ.
ويرتبط ذلك بهدف بناء القدرات المؤسسية والدبلوماسية وهو ما يقتضى إنشاء مكاتب للتخطيط الاستراتيجى والتنسيق القطاعى، كما يقتضى التخلى عن تعيين وكلاء للوزير على أسس جرى العمل بها عقودا من الزمن ولم تثبت جدواها بل أنها أصبحت أخيرا أداة للمحاصصة المقيتة. وكلاء الوزير أو مساعدوه (وهى تسمية أكثر مناسبة ودقة وموضوعية) يتم تعيينهم حسب القضايا والموضوعات أو استجابة لحاجات طارئة ويمكن أن تشمل مجالات عملهم الشئون السياسية والشئون الاقتصادية والدبلوماسية العامة والمعلومات والموارد وجهاز الخدمة الخارجية الذى يقدم الدعم والمساندة دون اشتراط وجود أو عمل عناصره فى البعثات الدبلوماسية بالخارج فهو يرتبط بمجال عمل مؤسسات الأمن الوطنى.
***
بدون توفر أو تحقيق الأهداف والأدوات المشار إليها أعلاه لا يمكن الحديث عن دولة وسيادة وطنية وبالتالى لا مجال للتفكير فى سياسة أو عمل خارجى. هكذا أيضا ستبقى الدبلوماسية الليبية مجرد صدى لفظى عبر تصريحات أو هدر مالى عبر بعثات فى كل مكان تقريبا بدون وجود سياسة خارجية. وبدون ذلك ستبقى تصريحات وزيرة الخارجية مثلا مجرد تعبيرات عن مواقف أو توجهات لا تعكس إجماعا أو توافقا على أهداف مرحلية انتقالية بل عاملا إضافيا من عوامل الصراع وعدم الاستقرار وعرضة للاستغلال وانتهازية أطراف داخلية وقوى خارجية تدفع ثمنه المصلحة الوطنية ويستهلك مما تبقى من رصيد الأمن الوطنى والمجتمعى.
إن الاستمرار فى فعل ذلك لا يعنى سوى مواصلة مراكمة الفشل الخارجى بما فى ذلك على المستويات المهنية المتصلة مباشرة بالعمل الخارجى وتعميق الضرر بالبيئة أو السياق الداخلى أيضا. إن ذلك يتضح تماما فى التضارب بين مؤسسات السلطة مثلما فى التوسع فى العمل الخارجى بمستوياته المختلفة وفى مقدمتها الزيادة فى عدد البعثات الدبلوماسية والقنصلية والتضخم المتواصل فى الموظفين العاملين فى الخارج فى السفارات والقنصليات والبعثات وتدنى مؤهلاتهم ومستويات أدائهم التى ارتبطت أيضا بمستويات غير مسبوقة من الفساد والإساءة لسمعة البلاد وثقافتها وشعبها علاوة على ارتفاع معدلات الاختراق الخارجى والجوسسة وغيرها من مهددات الأمن الوطنى الذى لم تعد الدبلوماسية وغيرها من أدوات العمل الخارجى تضعه فى قائمة أولوياتها بحكم ما اعتراها من مظاهر الاعتلال المشار إليها.

أستاذ السياسة والعلاقات الدولية جامعة طرابلس، ليبيا

يوسف محمد الصواني أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس - ليبيا
التعليقات