تعدين الأوهام الرقمية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 7:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


تعدين الأوهام الرقمية

نشر فى : الإثنين 22 مارس 2021 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 23 مارس 2021 - 4:16 م

البحث عن الربح السريع يجذب يوميا ملايين الأشخاص لإجراء اتصالات بأرقام هاتفية، يعدهم أصحابها بأن مجرد الاتصال بتلك الأرقام يمنحهم فرصة كبيرة لربح آلاف الدولارات! النقود التى صارت تلد، خلافا لتوقعات أرسطو المثالية، أغرت بمزيد من الناس أن يبحثوا عن آلية سريعة سهلة لجمعها من أى مصدر، فى محاولة وسعى محموم لوقف نزيف قيمة النقود الذى نسميه معدل التضخم. العمل التقليدى الشاق لعدة ساعات يوميا لم يعد وسيلة كافية لكبح جماح مارد التضخم المنفلت أو لسد جانب صغير من الفجوة المتزايدة بين الثروات والدخول.

أنت فى حاجة إلى منظومة هرمية «بونزى» Ponzi Scheme تلتحق بها مبكرا وتصبح جزءا منها، لتكسب أموالا سهلة كلما التحق بتلك المنظومة شخص جديد! فقط وبمنتهى السهولة تشترى وحدات من عملات مشفرة وليس مطلوبا منك أن تفعل بها أى شىء... ادفع ثمنها، سجّلها باسمك، انتظر أن يشتريها المزيد من البشر لتحصل على مقابل مجز لسبقك وانتظارك، تماما مثل مصيدة الفئران كما وصفها المستثمر الشهير «وارن بافيت». ولأن السباق محموم لجمع الأموال، والشره إلى المكسب السريع خرج عن أى سيطرة، فقد ظهر فى العالم ما يقرب من تسعة آلاف عملة رقمية مشفّرة، لكن أعظمها تأثيرا وأكبرها من حيث القيمة السوقية وحجم الإصدار هو عملة البيتكوين، التى سجّلت منذ نحو أسبوع من كتابة هذا المقال سعرا تاريخيا تجاوز الستين ألف دولارا للوحدة الواحدة، كما بلغت القيمة السوقية لوحداتها المصدرة ــ حتى كتابة هذه السطور ــ ما يزيد عن تريليون و32 مليار دولار، بفارق كبير جدا عن أقرب منافسيها وهى عملة إيثريوم 2 بقيمة سوقية تخطت قليلا 203 مليارات دولار.

وعلى الرغم من اقتناعى بأن البنوك المركزية حول العالم سوف تتبنى (يوما ما) إصدار عملة رقمية بصورة أو بأخرى، وأن التطور الطبيعى للنقود (كما ذكرت فى أكثر من مناسبة سابقة) هو أن تتحوّل إلى صيغة رقمية خالصة، وأن تُطور مع الوقت قبولا عاما لعملة موحّدة، فإننى على قناعة بأن العملات الرقمية المتداولة حاليا هى فقاعة كبيرة، وأداة لنقل وتهريب وغسل الأموال يسيل لرونقها وانتفاخها المستمر لعاب البسطاء والمغامرين ومحبى المقامرة على السواء. تلك الفقاعة فى طريقها إلى الانفجار بمجرّد خروج الأموال الشرعية المغذية لها عند أول مفترق طرق، ذلك الذى يشهد ظهور عملة رقمية تكتسب قيمتها من نشاط حقيقى، وتركن فى إصدارها والتحكّم فى معروضها على مؤسسات بنكية معتبرة.

***
العملات الرقمية حاليا تستهلك طاقة كبيرة فى عملية تعدينها، وكلما ارتفع سعرها اجتذب ذلك مزيدا من المعدنين (لامركزيين ومجهولين بالضرورة) لتطوير آلات عالية التقنية كثيفة استهلاك الكهرباء، من أجل القيام بملايين العمليات الحسابية، لتوثيق كل معاملة تتم باستخدام تلك العملات. على القائمين بعمليات التعدين أن يتنافسوا باستمرار على سرعة وصول نتاج عملياتهم الحسابية من بلوكات إلى الجهة المركزية للإصدار، وتكون المكافأة السخية هى حصولهم على وحدات من العملة الرقمية. هذا الاستهلاك للطاقة قدّره البعض بإجمالى ما تستهلكه دولة الأرجنتين من الكهرباء! ومن المتوقع كى يحافظ المعدّنون على مكاسبهم الحالية، حال ظهور منافسة لهم ــ من بنك فيدرالى مثلا ــ أن يبلغ استهلاك العملات الرقمية من الكهرباء مثل ما يستهلكه العالم كله اليوم من هذا المصدر الهام للطاقة، بما يضاعف من الاستهلاك العالمى للكهرباء فى سنوات قليلة مرة واحدة على الأقل! وهو هدر مخيف للموارد، خاصة أن الاعتماد على مشروعات الطاقة المتجددة فى هذا النوع من النشاط هو أمر بعيد الاحتمال، نظرا لأنها مشروعات طويلة الأجل بطيئة الإثمار بطبيعتها، بينما أى عملة رقمية ربما تختفى من الوجود فى ظرف أيام!

بالإضافة إلى ما تقدّم فإن عملة رقمية مثل البيتكوين لا تتمتع بالخصائص المتعارف عليها للنقود... فباستثناء ما تتمتع به من ندرة نسبية، فإنها لا تصلح وسيطا للتداول نظرا لعدم استقرارها وتقلب أسعارها العنيف خلال اليوم الواحد. هب أن شخصا عاديا أراد شراء زجاجة مياه ببضع وحدات من كسور البيتكوين فى الصباح، فإذا أراد ردّها إلى المتجر فى المساء فإن ما يعود إليه من وحدات لن يكون متماثلا، لأن البيتكوين ستكون قد اكتسبت أو خسرت عشرات وربما مئات الدولارات خلال اليوم الواحد.
كذلك لا تصلح تلك العملة مخزنا للقيمة كونها تستعر بجنون لمجرد أن أعلن أحد المشاهير مثل صاحب تسلا «إيلون ماسك» أنه مقتنع بها، وأنه يستثمر فيها ما تزيد قيمته السوقية عن خمسة مليارات دولار. ثم إن ذات العملة الرقمية تخسر آلاف الدولارات فى بضعة أيام لمجرد أن هدأت تغريدات الأثرياء الداعمة لها!

كذلك لا يمكن القول إن عملة مثل البيتكوين تنطوى على قيمة كامنة intrinsic value حتى وإن كان خلقها مستندا إلى احتياطى كبير من الطاقة والوفر فى الوقت... لأن الطاقة المستخدمة فى تعدين العملات الرقمية حاليا تهدر دون أن تضيف شيئا ماديا أو حتى رمزيا لنفع البشر، حتى وإن زعم بعض المعدنين أنهم طوّروا آلية لتحويل استهلاك الطاقة من عملية التعدين إلى منتجات خاصة بالذكاء الصناعى أثناء الفترات التى ينخفض فيها سعر العملة الرقمية، لأن صدق هذا الزعم لا ينفى الفرصة الكبيرة المهدرة لعدم استهلاك تلك الطاقة فى نشاط منتج خلال فترات التعدين، والتى يدب فيها النشاط بفعل ارتفاع سعر العملة فى الأسواق فقط، وليس لأى سبب مادى آخر!

***
بتجريد عملية تعدين العملات المشفّرة نحصل على الاحتياطى الحقيقى «للقيمة» التى تكتسبها تلك العملات بعيدا عن المضاربة التى تؤثر فى «سعر» تداولها، والقيمة تكمن فى الطاقة والزمن. وقد اقترحت من قبل فى بعض المؤتمرات المتخصصة وبعض المقالات المنشورة تبنّى بنك التسويات الدولية BIS لمبادرة استبدال جميع العملات التقليدية بوحدات حرارية بريطانية (BTU) والتى يتصادف تشابهها مع رمز عملة البيتكوين غير المحدودة. وتعكس الوحدات الحرارية مقدار الطاقة اللازمة لتسخين رطل من المياه بمقدار درجة واحدة فهرنهايت. ومن ثم فإن كل مصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة وغيرها من الطاقة الميكانيكية التى يسهل للأفراد إنتاجها فى صالات الألعاب الرياضية! تتحوّل بسهولة إلى وحدات حرارية بريطانية. فتثبت أسعار الوقود وتتوقف بورصته، وتتغير أسعار السلع والخدمات وفقا لندرته ومدى القدرة على إنتاج بدائل للطاقة. ويتخلص العالم من تقلبات سعر الصرف وطفرات التضخم غير المبررة، والتلاعب ببورصات العملات. ويصبح من السهل تحويل الأموال من بلد إلى بلد ومن حساب إلى حساب، تلك الميزة التى تتمتع بها العملات الرقمية حاليا وتتميز بها على العملات الرسمية. ويصبح من اليسير شحن بطاقات الائتمان بوحدات من الطاقة، عبر عملية إنتاج فعلية أو من خلال التداول والإنتاج السلعى والخدمى. عملة وحدات الطاقة تتمتع بالقبول العالمى، وبالاستقرار، وبالندرة النسبية، والقابلية على التداول والتخزين، وتتحول معها ثقافة البشر إلى توفير وتوليد وتخزين الطاقة عوضا عن إهدارها.

المسألة إذن ليست موقفا قيميا رافضا لفكرة العملات الرقمية من حيث المبدأ، أو اتجاه لاتهامها بالفشل أو غياب السرية أو الأمان المعلوماتى... لأن كل ذلك مردود عليه بل وأحيانا تكون الإجابة فى صالح العملات الرقمية على حساب العملات التقليدية. كذلك لا أسيغ مسلك من ينتظر أن ينخفض سعر العملة الرقمية فيشعل الفضاء المعلوماتى كتابة عن تبديد تلك العملات لثروات البشر، ثم يلوذ بصمت مطبق متى حققت نفس العملة أرباحا خرافية فى يوم واحد... النقد الموضوعى لهذا الابتكار الفريد يحتاج إلى مزيد من التحليل والعمق، وإلى إدراك لطبيعة المخاطر التى يتضمنها. وحتى يشيع استخدام عملات رقمية مقبولة ومدعومة من مؤسسات شرعية معروفة، لا أوصى أحدا بالاستثمار أو التعامل بأى صورة مع هذا النوع من العملات.

كاتب ومحلل اقتصادي

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات