«زهرة الصبار».. حائرون فى مدينة مضطربة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 14 يونيو 2021 4:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

«زهرة الصبار».. حائرون فى مدينة مضطربة

نشر فى : الخميس 22 مارس 2018 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 22 مارس 2018 - 10:00 م

أشعر بسعادةٍ غامرة كلما شاهدتُ فيلما طموحا لمخرج أو مخرجة فى أول عمل، هناك فعلا رغبة فى التعبير الحر، وفى إعطاء البصمة الخاصة، اختلافا عن السائد والمألوف، مع التركيز على رؤية جيلٍ جديد، لديه ما يقوله عن شخصياته ومدينته وزمانه ومكانه، أحترم كثيرا هذه التجارب، على الرغم من ملاحظات يجب ذكرها هنا أو هناك.

الأمثلة كثيرة، فى العام الماضى عرض فيلم «أخضر يابس» وفيلم «صيف تجريبى»، وهذا العام عرض فيلم «زهرة الصبار» من كتابة وإخراج هالة القوصى، التى لم تكتف بمستوى واقعى لحكايتها، ولشخصياتها الحائرة فى المدينة الحزينة المضطربة، ولكنها قدمت لوحاتٍ هى مزيجٌ من الحلم والتعبير الحر، وكأن المخرجة تمنح قصتها طاقة تعبيرية إضافية، لا تقنع بالمباشرة، ولا ترضى بالأزمة الظاهرة، وإنما تترجم الأحلام المجهضة، وذاكرة الطفولة، والعلاقات المبتورة، بطريقة فنية تلعب فيها لغة الجسد والموسيقى والإضاءة دورا أكبر وأعمق.

هنا طموح فنى ممتاز، جدير بالتحية والتقدير، وإن كانت لى ملاحظة أساسية هى أن المستوى الواقعى للحكاية، ظل أقوى ومكتفيا بذاته فى أجزاء كثيرة، وعلى الرغم من حرص المخرجة على أن تعود فى كل مرة، لكى توضح للمتفرج الصلة بين المستوى الواقعى، والمستوى التعبيرى الحر، فإن المستويين لم يندمجا مثل سبيكة واحدة: ظل السرد الواقعى منطلقا إلى الأمام بكل تفاصيله، بينما ظلت اللوحات (فى معظمها) فواصل تعبيرية جميلة، ولا شك أن هذا النوع من الكتابة يحتاج إلى حرفة أعلى، لا يكفى فيها مجرد الطموح، أو مجرد الرغبة فى الاختلاف.

لكن هالة القوصى نجحت إلى حد كبير فى تقديم نماذج إنسانية تصارع ظروفها فى مدينة الصبار والصبر، وفى لحظة اضطراب معاصرة، هناك حالة من الخوف تصل إليك فى المدينة، وبسبب المدينة، الشخصيات تبدو معتمة فى هيئة «سلويت» فى لقطات كثيرة، والشوارع مزدحمة نهارا، وخالية ومقفرة ليلا.

أما تعبير «زهرة الصبار» فهو قادم مباشرة من قصيدة أحمد فؤاد نجم البديعة الشهيرة «كلمتين يا مصر»، حيث يقول فى مقطع منها يُغنَى فى الفيلم:

«شقشقت والنور بشاير
زهرة الصبار يا سلمى
يا نسيم الشوق يا طاير
خد لمصر الصبح كلمة».

وتظهر زهرة الصبار أيضا فى شكل نباتٍ ترويه الشخصيات، وتحمله معها فى متاهة المدينة.

المعنى إذن واضح، وهو اكتشاف وتحية هذه الشخصيات الصامدة على الرغم من ظروفها الخاصة، وعلى الرغم من قسوة المدينة، فى لحظة غير مستقرة، فهناك قنابل ورصاص وتفتيش، لعل تحديد تاريخ الأحداث كان سيثرى الفيلم بشكل أفضل، ولكن فكرة الاضطراب وصلت تماما فى كل الأحوال.

عندما يتم طرد سميحة (وهى امرأة بورجوازية فى السبعين)، وعايدة (وهى ممثلة شابة فى الثالثة والثلاثين من عمرها) من بيتهما فوق سطوح عمارة، بسبب التأخر فى دفع الإيجار، يساعدهما جارهما الشاب ياسين (وهو طالب لم يكمل دراسة الحقوق) طوال يومين فى رحلة بحث عن مكان، يتقارب الثلاثة الذين يبدون على هامش المدينة، وتنضم شخصيات ولوحات أخرى ترسم ملامح مجتمع مأزوم:

فنان منعزل اسمه باسم، لكنه يعانى من الاكتئاب، وصديقة اعتزلت الفن وتحجبت لتتزوج من رجلٍ ثرى، وكاتب لا يريد أن يتحمل مسئولية الزواج من عايدة على الرغم من حبه لها، وعلاقة مضطربة لعايدة مع أم تخلت عن تربيتها، وعلاقة مقطوعة بين سميحة وأختها منذ سنوات.

وسميحة وصديقها الفنان مراد يتأملان مدينة رمادية باهتة، الزمن يبدل كل شىء، ولكنهما عاشا يومين جيدين فى زمن سابق، رثاء المدينة كمعادل لهموم الوطن وظروفه، من العناصر المشتركة بين تجارب هذا الجيل، وتحية صمود زهور الصبار، بالذات من الشباب والصبايا، أيضا من الملامح المشتركة، تصل هذه التحية إلى درجة تقديم الشاب ياسين بصورة مثالية تماما فى فيلم «زهرة الصبار»، إنه فارس المدينة الذى لا يهزمه القهر، والذى يواصل محاولة تنطيفها حتى النهاية من الأشرار.

ما أطلقتُ عليه لوحات التعبير الحر فيها جهد كبير، والتنفيذ جيد بشكل عام، بعض اللوحات سيفسرها السرد الواقعى؛ مثل علاقة الطفلة عايدة بأمها والفساتين، ومثل ظهور الدماء على وجه ياسين فى لوحة النيل، ثم الاعتداء عليه بقسوة بعد ذلك، وبعضها كان أقرب إلى الإفيه الكوميدى، مثل ربط لوحة باسم بدورة المياه.

لا بأس أبدا من التجريب، ولستُ مختلفا على تعميق السرد بهذا التعبير الحر، الاختلاف فقط فى أن الدمج مع السرد الواقعى لم يكن متماسكا فى كل الحالات، بل اضطرب الأسلوب أحيانا، كما فى مشاهد عايدة وأمها وسميحة، حيث انتقلنا من لقطات طبيخ الملوخية الواقعية، إلى لقطات الاستلقاء على العشب، التى بدت مثل حلم، مع أنها جزء من السرد الواقعى.

أما الملاحظة الأهم على التجربة فهى أداء الممثلين، هنا لا يمكن التسامح أبدا مع تحول الأداء إلى إلقاء ركيك للحوار، يخلو تقريبا من التعبير على الوجوه. كما أن لقطات رد الفعل فى حالة بائسة تماما، قد يصلح اللاتعبير أو التعبير المحايد مثل القناع لمشاهد التعبير الحر، ولكنه لا يصلح أبدا للسرد الواقعى، وهو قلب الفيلم النابض..
حتى مشاهد الشخصيات الشعبية التى تتعارك أو تردح كانت كارثية، أحيانا يتحسن الأداء نوعا ما مع ممثلة أكثر خبرة مثل «منحة البطراوى»، أو «فرح يوسف» بوجهها المعبر، ولكن التشخيص فى هذا الفيلم خصم كثيرا من التجربة.

قدرة هالة القوصى كمخرجة على توظيف صورة عبدالسلام موسى، وموسيقى أحمد الصاوى، وتقديم تكوينات وزوايا معبرة، واستغلال مفردات المكان، أفضل بكثير من قدرتها على إدارة ممثليها.

تقول عايدة لأمها عندما تلومها لعدم الزواج والإنجاب: «وهية دى بلد نخلف فيه؟!»، هذا رأى الجيل الغاضب، بينما جيل الأم وسميحة والفنان مراد يؤكد لنا أن النيل ما زال يجرى على الرغم من حزنه، وبين النظرتين تعيش الزهور فى قلب الصبار، تتأمل وفاة عجوز مجنونة، فى ركن لا يراه أحد، ولكنها تتمسك دوما بشعاع من الأمل.

التعليقات