البحث عن مخرج من حصار الخلافات الليبية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأربعاء 6 يوليه 2022 6:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

البحث عن مخرج من حصار الخلافات الليبية

نشر فى : الثلاثاء 22 فبراير 2022 - 8:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 فبراير 2022 - 8:45 م

بقيت الأزمة الليبية على مدى 11 سنة، أى منذ بداية الثورة فى 17 فبراير 2011 ثم إسقاط نظام الرئيس القذافى حتى الآن، وهى تدور فى حلقات متتالية من حصار الخلافات بين الفرقاء الليبيين على عدة مستويات قبلية وعشائرية وجهوية، سياسية واقتصادية ومالية وعسكرية.

ومما زاد وعمَّق هذه الخلافات استعانة كل فريق بقوى إقليمية أو دولية أو بهما معا لدعمه فى مواجهة الفرقاء الآخرين. ورغم حظر الأمم المتحدة توريد أسلحة لأطراف الصراع فى ليبيا فلم يتوقف تدفق الأسلحة بكل أنواعها لكل فريق، والاستعانة بالمرتزقة والدعم العسكرى المباشر من عدة أطراف إقليمية ودولية. وامتد الانقسام إلى أجهزة الدولة الرئيسية فى عدة مراحل بوجود حكومتين وجيشين وبرلمان منقسم ما بين شرق ليبيا وغربها، وانفراط عقد الدولة لتصبح مجالا لعدة مخاطر من تهريب أسلحة، وجماعات إرهابية، وهجرة غير شرعية، والاتجار فى البشر فى غياب حكومة مركزية مسيطرة.

وكانت الأمم المتحدة حاضرة ببعثتها الدائمة فى ليبيا ومبعوثها الأممى طوال الوقت وقد استهلكت الأزمة الليبية سبعة مبعوثين للأمم المتحدة، عمل كل منهم قدر ما فى طاقته وفى حدود ما هو متاح لإيجاد مخرج فى كل مرحلة من مراحل الأزمة. وعلى مدار الإحدى عشرة سنة تم إنجاز دستور 2014 وأجريت الانتخابات وتشكلت حكومة، وسرعان ما عاد الانقسام والصراع، وأجريت مفاوضات مطولة وتم التوصل لاتفاق الصخيرات وما إن تم توقيعه وشكلت حكومة جديدة، حتى دبت خلافات ورفضت الحكومة السابقة تسليم السلطة للحكومة الجديدة، ورفض البرلمان منح الثقة لحكومة فايز السراج الجديدة، وانقسم البرلمان بين نواب شرق ليبيا وغربها، وعينت الأمم المتحدة مبعوثها السادس غسان سلامة وعقدت مؤتمرات دولية بشأن الأزمة الليبية فى عدة عواصم وانتهت إلى تحديد مسار الحل السياسى فى ثلاثة مسارات متوازية، أولها المسار السياسى، وثانيها المسار الاقتصادى، وثالثها المسار العسكرى. 

وما كادت تبدأ هذه المسارات والإعداد لمؤتمر ليبى جامع من أجل المصالحة الوطنية، حتى تقدم الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر إلى طرابلس للسيطرة عليها وإخراج المنظمات الإرهابية والمرتزقة منها، وسارعت تركيا بالتدخل العسكرى المباشر بضوء أخضر من إدارة الرئيس ترامب واستمرت المواجهات العسكرية نحو 14 شهرا إلى أن تقرر فى مؤتمر برلين الثانى وقف القتال والعودة إلى المفاوضات التى أشرفت عليها السفيرة ستيفانى ويليامز نائبة المبعوث الأممى لليبيا الذى استقال عقب تقدم الجيش الوطنى إلى طرابلس. وانتهت مفاوضات ملتقى الحوار السياسى الليبى إلى اتفاق جنيف واختيار عبدالحميد الدبيبة لرئاسة حكومة وحدة انتقالية، ومحمد المنفى رئيسا للمجلس الرئاسى ومعه نائبان وذلك فى 5 فبراير 2021 وحصل المجلس الرئاسى مع الحكومة الجديدة على ثقة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة فى 9 مارس 2021، على أن يتم العمل على المسارات السابق إقرارها وهى السياسى والاقتصادى والعسكرى، والإعداد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية معا فى 24 ديسمبر 2021 مع احترام وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق دائم، وبشرط عدم ترشح أى من أعضاء السلطة التنفيذية سواء الحكومة أو المجلس الرئاسى فى الانتخابات، والعمل على إنجاز المصالحة الوطنية. 

وبدأت الصراعات المعلنة أو الصامتة من جديد بين رئيس الحكومة الدبيبة والبرلمان، وبين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، وبقى الجيش الوطنى بقيادة المشير خليفة حفتر وهو لا يخضع للحكومة ولا لوزير الدفاع، والدبيبة هو رئيس الحكومة الذى يتبعه الجيش الليبى فى غرب ليبيا وتدربه تركيا، ولم يتوقف تدفق السلاح والمرتزقة وبقيت القوات الأجنبية كما هى. وتم فصل الانتخابات الرئاسية عن البرلمانية وفتح المجال للراغبين للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وأثار ثلاثة مرشحين خلافات كبيرة وهم المشير خليفة حفتر، ورئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، وسيف الإسلام القذافى، إلى جانب خلافات بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة على صياغة قاعدة دستورية تجرى على أساسها الانتخابات التى حان موعدها فى 24 ديسمبر2021 دون إجرائها.

• • •

ودخلت ليبيا فى مرحلة جديدة من الخلافات والصراعات. فقد اعتبر البرلمان أن تكليف الحكومة المؤقتة قد انتهى وأن البرلمان هو الذى منحها الثقة ومن ثم فمن حقه سحبها منها، وهو ما تم فعلا واختار بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة وزير الداخلية السابق فى حكومة الوفاق الوطنى برئاسة فايز السراج، وهو فتحى باشاغا وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة تحت مسمى حكومة الاستقرار. كما أقر البرلمان خطة عمل جديدة يتم بمقتضاها إجراء تعديلات على مشروع الدستور الذى سبق إعداده فى عام 2017 وطرحه على استفتاء، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى غضون 14 شهرا، واستكمال المسار السياسى بالتوصل إلى تسوية ليبية ــ ليبية بالتوافق بين جميع الأطراف دون تدخل خارجى. ويلاحظ أن البرلمان سحب الثقة من الحكومة المؤقتة ولم يسحبها من المجلس الرئاسى الذى أبقى عليه ومن ثم يكون قد ألغى جزءا من اتفاق جنيف وأبقى على جزء آخر. كما يلاحظ حدوث توافق بين فتحى باشاغا وكل من رئيس البرلمان عقيلة صالح، وقائد الجيش الليبى المشير خليفة حفتر، وخالد المشرى رئيس المجلس الأعلى للدولة الذى أيد قرارات البرلمان من حيث المبدأ، ولكنه سرعان ما أوضح أن موافقته ليست نهائية ومن ثم لا تصبح قرارات البرلمان سارية إلا بعد إقرارها من قبل جلسة خاصة للمجلس الأعلى للدولة بكاملها، والسبب هو حالة الانقسام فى مجلس الدولة حيث أيد قرارات البرلمان 75 عضوا وعارضها 54 عضوا قبل انعقاد جلسة المجلس الأعلى للدولة المشار إليها. وأعلن باشاغا أنه سيشكل حكومة تمثل كل أقاليم ليبيا دون استبعاد أى طرف ويقدمها للبرلمان لنيل الثقة خلال المدة المحددة، وهى أسبوعان من تاريخ اختياره، وصرح بأنه تلقى عدة اتصالات من دول صديقة وشقيقة أبدت دعمها لحكومته لنيل الثقة من البرلمان.

من ناحية أخرى، ومن البداية أعلن عبدالحميد الدبيبة رئيس الحكومة المؤقتة أن تفويض حكومته ينتهى فى يونيو 2022 وليس فى ديسمبر 2021، وأنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة وشكل لجنة وزارية لإعداد تعديلات على قانون الانتخابات التى وعد بإجرائها فى موعد أقصاه يونيو 2022، ومن ثم فهو يرفض كل القرارات التى أصدرها البرلمان واتهمه بأنه يهدف إلى تمديد الفترة الانتقالية للبقاء فى السلطة وأن قراراته الأخيرة تفتقر إلى الشرعية. وقامت مظاهرات وحشود من ميليشيات مؤيدين للدبيبة، وتردد أن تجمع الميليشيات المسلحة كان بأوامر منه وأنها تتولى حماية مقار الحكومة والوزارات والهيئات فى طرابلس. وأكد الدبيبة أن حكومته مستمرة فى تنفيذ برنامجها لتقديم الخدمات للشعب والإعداد للانتخابات. وقد أكد وكيل هيئة الرقابة الإدارية أن قرار الدبيبة تشكيل لجنة وزارية لإعداد مشروع قانون للانتخابات معيب ويعد اغتصابا للسلطة؛ حيث إن مجلس النواب سحب الثقة من حكومته وأصبحت حكومة تصريف أعمال مهمتها العمل على الاستقرار الإدارى وليس الإسهام فى خلق الفوضى. كما قامت مظاهرات وحشود من الميليشيات مؤيدين لفتحى باشاغا.

• • •

وقد حدث تحول فى موقف الأمم المتحدة، فبعد أن أبدت تأييد استمرار حكومة الدبيبة على لسان ستيفانى ويليامز والمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إلا أن صدر بيان يشير إلى أن الأمين العام يتابع عن كثب الوضع فى ليبيا وأنه أحيط علما بقرارات مجلس النواب الليبى بشأن تعديل الدستور وإجراء انتخابات وتعيين رئيس وزراء جديد للحكومة، ودعا إلى أن تراعى جميع الأطراف والمؤسسات الليبية ضمان أن يتم اتخاذ مثل هذه القرارات الحاسمة بطريقة شفافة وتوافقية، والمحافظة على الاستقرار، وأن الهدف الأساسى هو إجراء الانتخابات فى أسرع وقت ممكن. ويرى بعض الليبيين أن الأمين العام للأمم المتحدة يحاول إحياء اتفاق جنيف الليبى الذى تم التوصل إليه فى 13 نوفمبر2020، وأن ما يعنيه ليس حكومة معينة وإنما التوافق على حكومة جديدة. بينما يرى البعض الآخر أن مسار جنيف انتهى وبدأ مسار جديد ليبي ــ ليبى، من طبرق إلى طرابلس.

واتخذت الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول موقفا متوافقا مع بيان الأمين العام للأمم المتحدة، وأعلن الرئيس التركى أن علاقة بلده بكل من فتحى باشاغا وعبدالحميد الدبيبة طيبة وأن المهم أن يختار الشعب الليبى حكومته. وتبذل مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفانى ويليامز اتصالات مكوكية بين جميع الأطراف؛ الدبيبة وباشاغا وعقيلة صالح وخالد المشرى وغيرهم فى محاولة دءوبة لضمان عدم تفجر الصراع من جديد، وحدوث توافق يؤدى إلى حلول مقبولة من جميع الأطراف وتحقيق الهدف الأساسى وهو إجراء الانتخابات وإنجاز التسوية السياسية.

ولكن يبقى حصار الخلافات قائما يطوق الجميع، ويأمل كثيرون فى أن يكون التوافق بين حفتر وصالح وباشاغا وخالد المشرى بداية لحلحلة الأزمة وإقناع الدبيبة بتسليم السلطة بالتوافق إلى الحكومة الجديدة وهو ما لم تظهر له بوادر حتى الآن. وإذا لم يتم توحيد القوات المسلحة تحت قيادة واحدة ووزير دفاع واحد فستبقى مشكلات الميليشيات المنقسمة والمتصارعة ووجود القوات الأجنبية والمرتزقة، والعودة مرة أخرى إلى الحلقات المفرغة من حصار الخلافات والصراعات بين الفرقاء الليبيين. ويحتاج الأمر إلى جهود مكثفة على جميع المستويات داخل ليبيا وإقليميا ودوليا تفك هذا الحصار وتعمل على استكمال مسارات التسوية السياسية.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات