ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى ــ الجزء الثانى - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الإثنين 30 مارس 2020 6:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى ــ الجزء الثانى

نشر فى : السبت 22 فبراير 2020 - 9:10 م | آخر تحديث : السبت 22 فبراير 2020 - 9:10 م

فى ٢٢ سبتمبر الماضى نشر لى فى جريدة الشروق مقال توقعت فيه إتمام خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى ونجاح الثعلب الأشقر بوريس جونسون فى إنجاز تلك المهمة رغم صعوبتها. توقعت أيضا فى آخر المقال أن تستعيد بريطانيا مكانتها كقوة اقتصادية عظمى بشرط أن تدير ببراعة فترة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبى.
خرجت إنجلترا رسميا من الاتحاد الأوروبى منذ أسابيع قليلة وبالتحديد يوم ٣١ يناير فى الساعة الحادية عشرة بتوقيت لندن. ويبدو لى كما لو أن الانجليز جميعهم يحتاجون اليوم «غرفة انعاش» إذ إن لحظة الخروج الرسمى قوبلت بصمت حتى من قبل أشد المؤازرين للخروج البريطانى؛ بدلا من الاحتفالات المدوية التى توقعها البعض. ولا أجد غرابة فى ذلك إذ تبدو الساحة الاقتصادية والسياسية فى انجلترا اليوم منهكة على إثر حرب الخروج التى دارت لقرابة أربعة أعوام والتى تحولت منذ لحظتها الأولى لحرب تكسير عظام كان الاقتصاد والمواطن أهم ضحاياها. ويبدو أيضا أنه كان من أهم توابع هذه الحرب الضروس أن أحدا من طرفى النزاع لم يكن لديه الوقت ليرسم خططا ما بعد الخروج. وهذا يعنى أن بريطانيا ستستمر فى اللهث وراء المواعيد الأخيرة فهى الآن لديها موعد أخير جديد يحل فى ٣١ ديسمبر ٢٠٢٠ تنتهى فيه الفترة الانتقالية المتفق عليها مع الاتحاد الأوروبى والتى فى نهايتها يجب أن تكون بريطانيا قد أبرمت اتفاقيات مع الاتحاد تمكنها من استمرار الاستفادة من عبور البضائع والخدمات والأشخاص حدودها مع الاتحاد الأوروبى فى سهولة ويسر. ورغم أنه من حق بريطانيا التفاوض على مد هذه الفترة الانتقالية لموعد أقصاه منتصف العام التالى، إلا أن بوريس قد أجزم أنه لن يلجأ للمد مؤكدا التزامه بالخروج الكامل بأى شكل فى نهاية عام ٢٠٢٠. بل واذا كان بإمكان الانجليزالقسم بالطلاق فكان بوريس سيقسم بالطلاق أنه لن يمد الفترة الانتقالية.علما بأن فشل الانجليز فى إبرام الاتفاقيات المطلوبة فى آخر ٢٠٢٠ معناه أننا سنعود مرة أخرى لسيناريوهات الخروج القاسى Hard Brexit والتى قد يظن البعض أننا انتهينا منها.
وحتى نتخيل حجم الاتفاقيات والمفاوضات التى يجب على الانجليز خوضها مع الاتحاد الأوروبى ففى القطاع المالى وحده، يجب عليهم إبرام أكثر من ٤٠ اتفاقية لكى يستطيعوا الاستمرار فى تقديم خدماتهم ومنتجاتهم المالية داخل الاتحاد الأوروبى والعكس. يقول جميع المحللين أن إبرام جميع الاتفاقيات التى تحتاجها انجلترا خلال العام هو أمر مستحيل، فهل سيفعلونها؟ بل وأطرح سؤالا يبدو لى أكثر أهمية: هل يجب أن يفعلوها وهل لديهم الرغبة فى أن يفعلوها؟ الإجابة طبقا لبوريس جونسون هى «لا». هذا ويبدو أن عالم الاقتصاد يوافق رئيس الوزراء فى رؤيته، فقد نشرت وكالة بلومبرج منذ أسابيع قليلة حوارات مع عدد من قادة المال والأعمال الانجليز لاستطلاع رأيهم فيما يجب أن يتم بخصوص الاتحاد الأوروبى وكان ملخص إجاباتهم أن انجلترا لا يجب أن تبقى فى قبضة الاتحاد الأوروبى ولا يجب أن تتبع كل معاييره بحذافيرها.
قال بوريس فى مؤتمر صحفى أخيرا أن اتفاق التجارة الحرة مع أوروبا سيكون مثل اتفاقات انجلترا مع أستراليا أو اليابان. وهذا بالطبع كلام ليس دقيقا ولا عمليا ولا أظن أن بوريس نفسه يصدقه ولكنه يحاول إدارة التوقعات فبالتأكيد سيكون هناك فارق بين حال إنجلترا وهى داخل الاتحاد وحالها وهى خارجه وهو يريد أن يعى المواطن الانجليزى هذا جيدا. وهذا شىء متوقع، فإذا التزمت انجلترا بكل القوانين والقواعد المقيدة والحاكمة لأعضاء الاتحاد الأوروبى، فما هو الفارق ولماذا الخروج؟ من ناحيته أكد الاتحاد الأوروبى أن عدم التزام انجلترا بمعاييره معناه فقدانها فرصة العمل داخل السوق الموحدة. وهذا خطر كبير على الاقتصاد الانجليزى فأوروبا تمثل نحو نصف صادرات انجلترا، وبالتالى فإن عدم الالتزام بالمعايير الأوروبية أو عدم توافق المعايير الانجليزية الجديدة مع المعايير الأوروبية معناه فقدان أكبر سوق للسلع الانجليزية فى العالم.
وعليه، فإن على مستوى إدارة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبى فهناك عدة أولويات أظن أن الحكومة الانجليزية ستخص منها ثلاثة جوانب هامة:
١ــ الجانب الصناعى: معظم المعايير الأوروبية فى الصناعة معتمدة عالميا ولا أظن ان هناك مانعا من أن تتم معادلة المعايير الانجليزية الجديدة بالمعايير الأوروبية ليستمر تدفق الصادرات. وفى رأيى يجب أن يتصدر هذا المحور أولويات الحكومة الانجليزية لما له من تأثير ضخم على السوق الانجليزية كما ذكرنا سابقا. نجاح أو فشل الانجليز فى معالجة هذا البند قد يترتب عليه قرارا إسكتلندا وأيرلندا فى مستقبل علاقتهما مع إنجلترا، فعلاقتهما مع السوق الأوروبية الموحدة أصبحت أمرا حيويا بالنسبة لهما.
٢ــ سهولة الانتقال والحركة: ملف شائك وصعب. فكرة الخروج مبنية أصلا على تصعيب حركة الانتقال والعمل على الوافدين من الاتحاد الأوروبى. ولكن فى نفس الوقت هناك انجليز يعملون فى أوروبا ويتمتعون بالقوانين الكافلة لحرية الانتقال والحركة وسيتأثرون قطعا عندما تتبع أوروبا مبدأ المعاملة بالمثل. حتى مسابقات دورى كرة القدم خاصة الانجليزى من الممكن أن تتأثر بسبب الخلاف على هذا الملف واذا تحول الخلاف إلى صدام فسيكون تأثيره أكبر بكثير ويزيد من صعوبة الموقف.
٣ــ المعاملات المالية والاستثمارية: لندن من عواصم المال والأعمال فى العالم. الخروج من الاتحاد الأوروبى جعل شركات كثيرة تقرر الانتقال من لندن حتى يتبينوا موقفها ووقفت باريس ولكسمبورج وزيوريخ وفرانكفورت مستعدة لتلقى هذه الشركات المنتقلة حديثا. هذا ملف تأثرت فيه لندن على مر أربع سنوات وأظن أن الأسوأ قد مر. لندن هنا لديها فرصة حقيقية أن توضح للعالم كله سبب انفصالها عن الاتحاد الأوروبى. ذكرت فى بداية المقال أن إنجلترا يجب أن تبرم أكثر من ٤٠ اتفاقية فى القطاع المالى لتستمر فى اتباع قواعد الاتحاد الأوروبى. إذا كنت أدير هذا الملف أظن أننى كنت سأبرم نصف هذه الاتفاقيات حتى أتجنب تأثر بعض المنتجات المالية الانجليزية تأثرا عنيفا ولكنى كنت سأقف هنا وأحرص على تعديل الأنظمة واللوائح حيث إن اللوائح الأوروبية أصبحت معيقة للتقدم قى هذا المجال. رأيى أن الانجليز يستطيعون بالتأكيد أن يحولوا هذا المجال لصالحهم أسرع من باقى المجالات. الانجليز متقدمون فى المعاملات المالية، يتكلمون اللغة الانجليزية وهى اللغة العالمية الأسهل، قوانينهم واضحة وصريحة وسهلة وتقدم حسن النية على عكس الأوروبيين الذين أصابهم الأمريكان بالجنون فأصبحت البنوك الأوروبية كمن «ينفخ فى الزبادى». من خبرتى العملية، أعطنى بنكا أمريكيا أو إنجليزيا لأتعامل معه فى أى وقت ولا تعطنى بنكا أوروبيا. تظن لكسمبورج أنها ستكون مركزا جاذبا للاستثمارات تحطم الوجود الانجليزى وأقول لهم كما كانوا يقولون فى الروايات القديمة «هيهات».
فى لقاء بلومبرج، توقع أحد المحللين أن أداء الاقتصاد الانجليزى سيكون شكله مثل J Curve وهذا معناه أننا سنشهد أداء منخفضا فى البداية ثم تتلوه انطلاقة، وهذا ما أعتقده بالضبط. انجلترا فى مفترق طرق مهم يجب فيه أولا أن ترسم خطة محكمة لأن الطريق وعر وصعب، فهو طلاق بعد عقود وليس سنوات. ثانيا يجب أن تتبنى سياسة النفس الطويل فى التفاوض. فى رأيى أن السيد جونسون لديه القدرات والموارد اللازمة لإنجاز المهمة، وبينما لا أنصح بالاستثمار فى انجلترا اليوم، فإننى أراها ستكون أفضل استثمار طويل الأجل بعد أن تصل لقاع الحرف J ولكن قد تمضى سنوات قبل وصولها لهذه المرحلة.

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات