خوف - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 2:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

خوف

نشر فى : الأحد 22 فبراير 2015 - 9:05 ص | آخر تحديث : الأحد 22 فبراير 2015 - 9:05 ص

الطريق عالق مثل العادة.. وعلى مر ساعات الزحام يطاردك صوت الراديو، من إذاعة لأخرى، وأنت محبوس داخل السيارة: مارشات عسكرية وأغانى وطنية، يتخللها موجز لأهم الأنباء ومقطتفات من تصريحات المسئولين والقادة. هذه الأجواء وما يصاحبها من أحداث مفجعة وتعليقات يجعلك تختبر مشاعر الخوف والقلق كما لم تفعل من قبل، ربما يستقر لديك شعور أن الحرب على الأبواب، وأنت من جيل لم يعش قط تجربة الحرب، رغم أنك قد نلت قسطا من التدريب على إحساس القلق العام والتعاسة ثم الغبطة، خلال السنوات القليلة الماضية، حين تنقلب المشاعر من حال إلى حال، من أمل إلى يأس دون شىء بينهما، من شهر لشهر ومن يوم ليوم، لكن الأمر قد يختلف هذه المرة. ربما لأن الخلافات ليست داخلية، ولأن العدو خارجى، من جنسيات مختلفة، غير واضح الملامح، ويقف على الأبواب. ربما... وربما بسبب التعبئة العامة. ربما... وربما لأن المرحلة تاريخية يعاد فيها تشكيل الخريطة، كما لو كنا فى فترة الحربين الأولى والثانية. ربما...

•••

تذكرت فجأة، أمام عجلة القيادة والطريق الطويل الذى امتلأ عن آخره بإضاءات السيارات الحمراء، إيذانا بفترة توقف قطعا ستطول، تذكرت فجأة صورة زجاج النوافذ الذى طلى قديما بالأزرق وملصوق عليه قطع ورق مربعات بيضاء كتلك التى نستخدمها فى حماية الجروح. كانت هذه ضمن احتياطات الحرب التى ظلت موجودة لسنوات فى بعض المنازل المصرية، بعد انتهاء القتال على الجبهة. كذلك ظلت بعض السواتر أو الحوائط المبنية بالطوب الأحمر واقفة أمام العمارات فى بعض الأحياء، لكن تحولت من وسيلة بدائية لتفريغ الهواء خلال الغارات لدى من عايش الحرب إلى مجرد علامة لتمييز بيت قريب أو صديق بالنسبة لجيل لاحق لم يعرف الملاجئ تحت البيوت، جيل لم يعتد إطفاء الأنوار خوفا من جذب الانتباه للمناطق السكنية. الأجداد والآباء يحكون عن ملصقات ترشيد الاستهلاك من الصابون والمواد الغذائية وقت الحرب، عن دكان «عم فهمى»، على بعد خطوات من ساتر الطوب، حيث كانوا يقفون طوابير فى انتظار الدور لاستخدام تليفونه الذى لا يعطل أبدا. يتندرون اليوم حول السبب وسر عم فهمى «الباتع»، إلا أن هذا الأخير لم يعد موجودا ولا هو ولا دكانه، الذى حلت مكانه بنايات ضخمة اكتظت بالسكان القلقين بطبيعة الحال.

فى كتب الحرب ومذكراتها، غالبا عندما يكون الحديث عن الخوف، يكون عن خوف الآخرين، كما لو أن الراوى أو الكاتب شخصية فوق العادة أو فارس لا يشق له غبار... كما لو كان يجلس دوما تحت القصف والقنابل متهكما ليسجل انطباعاته فى هدوء. فى الحرب هناك بالطبع إحساس البطولة، ولكن هناك أيضا الخوف الفطرى من الفناء والخوف من استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ومن تغير نمط الحياة، خاصة بالنسبة لمن شبوا ليجدوا أن دورهم يختصر فى الزواج والأطفال والمرتب الذى يسمح لهم بشراء بيت وتعميره.

•••

ويزيد من درجة هذا الخوف البدائى تغير طبيعة حروب القرن الحالى والقائمين عليها، فهى ليست حروب بين دول أو تنافس بين قوى عظمى وقد وصل إلى ذروته، بل هى صراعات بين صغار وضعفاء بعضهم البعض حتى لو مأجورين أو بين طرف قوى وآخر ضعيف نتيجة لانهيار دول أو تفكك مجتمعات. الفاعلون هنا فصائل وميليشيات وجماعات دينية أو عرقية إلى ما غير ذلك، لا علاقة لها بالحضارة ولا بقواعد الدول والجيوش النظامية. تضربهم فى موقع، فيشدون الرحال إلى نقطة ثانية وثالثة، ثم قد يعودون إلى الموقع الأول الذى طردوا منه... لا معركة حاسمة، بل صولات وجولات، والنهاية غير محددة الهدف بالشكل الذى تعوده اللاعبون فى السابق، فالبعد الاجتماعى يطغى على هذه الحروب ويعقد السياسة وبالتالى يصعب التفاوض لإنهاء وضع قائم على الأرض... الأمر ليس تفاوضا بين دولتين، بل مع أطراف ستخسر كل شىء وتنتهى، مع مجتمعات متحاربة لا تعرف متى ولا كيف تتوقف... الطريق عالق ربما أكثر من العادة هذه المرة.

التعليقات