الهوية التاريخية فى مواجهة «بوكو حرام» - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 15 نوفمبر 2019 12:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

الهوية التاريخية فى مواجهة «بوكو حرام»

نشر فى : الثلاثاء 22 يناير 2019 - 1:35 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 22 يناير 2019 - 1:35 ص

نشرت مؤسسة «Institute for Security Studies» مقالا للباحث «أكينولا أولوجو» يتناول فيه كيفية مواجهة التطرف العنيف ممثلا فى جماعة «بوكو حرام» فى نيجيريا باستخدام الأساليب غير التقليدية، والتركيز على البعد التاريخى فى مواجهة مثل هذه الجماعات.

إن هوية الأفراد والجماعات تتشكل من خلال مجموعة من العناصر تتضمن الاثنية والدين والثقافة والتجارب الشخصية. وكل ذلك يحمل بعدا تاريخيا فى طبيعته. حيث إن الجماعات المتطرفة تركز على بعض عناصر الهوية التاريخية فى سعيها لتحقيق أهدافها.

والسؤال المطروح هو هل يمكننا دعوة هذا «التاريخ» لمواجهة التطرف العنيف؟ يمكن أن تؤدى الإجابة على هذا السؤال إلى دراسة كيفية التقدم بأفكار لصانعى السياسات ــ خارج الصندوق ــ فى وقت نحتاج فيه إلى الإبداع وتجاوز النهج التقليدى فى التعامل مع التطرف العنيف.

فى نيجيريا، وعندما كان محمد يوسف أول زعيم لحركة بوكو حرام على قيد الحياة، استلهمت حركته بعض أفكارها من كتابات العالم الإسلامى «ابن تيمية» فى القرن الثالث عشر. ومن الجدير بالذكر أن يوسف وأتباعه كانوا يلتقون ويجتمعون بانتظام فى مركز أسموه مركز ابن تيمية فى ولاية «برنو».

تهدف جماعة بوكو حرام إلى إقامة دولة الخلافة مستغلة مرحلة أساسية فى تاريخ نيجيريا قبل الاستعمار لتبرير ذلك وتحقيق أهدافها. حيث يستحضر قادة الجماعة تراث خلافة «سوكوتو» التى تعود للقرن التاسع عشر ــ والتى هى أساس شمال نيجيريا المعاصر. حيث كانت الخلافة نتاج جهاد شعبى ــ وهو جهاد احتكم إلى الأفراد فى حينه واعتمد عليهم وهو ما تحاول بوكو حرام استخدامه فى تعزيز دعوتها لإقامة خلافة جديدة اليوم. حيث أشار قادة بوكو حرام إلى خلافة سوكوتو لإثارة مشاعر الأفراد وتذكيرهم بهذا الماضى المجيد.

وينعكس ذلك فى الخطب الصوتية والفيديوهات الخاصة بالجماعة. حيث توجد كتابات عن أحد أشرطة الفيديو والمعنون بـ«تطبيق الشريعة الإسلامية فى دولة إفريقيا الإسلامية». ويذكر فيه أبوبكر شيكاو ــ زعيم حركة بوكو حرام ــ أتباعه بكيفية «إعلان الحرب على خلافة سوكوتو من قبل أعداء الإسلام... فى إطار المشروع الاستعمارى»..

ويتساءل الباحث عن إمكانية استخدام مثل هذه الروايات التاريخية نفسها لتعزيز الجهود ضد بوكو حرام ومكافحتها؟ قبل عقد من الزمن عندما ألقى محمد يوسف خطاباته فى سوكوتو ــ الموقع الحالى للخلافة القديمة ــ استطاع جذب عدد قليل من الأفراد إلى جماعته. ولكن ظل معظمهم غير مقتنعين بخطاباته.

لقد تم رفض جماعة «بوكو حرام» وأفكارها إلى حد كبير فى هذه المجتمعات لأن الأفراد حافظوا على ارتباط قوى بهويتهم التاريخية. حيث اعتبروا أنفسهم مستفيدين من الجهاد الذى سبق أن جربه أسلافهم فى القرن التاسع عشر، أى الجهاد بقيادة الشيخ «عثمان دان فوديو». رفضوا جماعة «بوكو حرام» لأنهم نظروا إلى الجماعة باعتبارها تجبرهم على الجهاد الثانى الذى اعتبروه سخرية مما كانوا يقدسونه تاريخيا. ففى نظر هذه المجتمعات، فإن الخداع الإيديولوجى الذى تقدمه «بوكو حرام» باسم «الجهاد» ينتهك مفهومهم التاريخى الذى ترتكز عليه رؤيتهم للعالم الإسلامى. إن رفض الوعظ الذى يمارسه بوكو حرام فى سوكوتو والخطاب الذى تقدمه جدير بالملاحظة، لأنه حدث فى وقت شهد فيه هذا الجزء من نيجيريا أعلى مستويات الفقر المطلق والنسبى فى البلاد. وهذا دليل مهم على أن الحرمان الاقتصادى لا يؤدى بالضرورة دائما إلى التطرف العنيف.

وتوفر القوة التاريخية لخلافة سوكوتو للفاعلين المحليين سببا للطعن فى موقف «بوكو حرام» على المستوى الأيديولوجى. إن تاريخ هذه المجتمعات من الممكن أن يكون ملهما وتتعلم منه ولاية «برنو» الأكثر اضطرابا فى شمال شرق نيجيريا. حيث ينحدر سكان برنو من تاريخ إمبراطورية كانم ــ برنو التى كانت موجودة قبل سوكوتو بقرون. فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت الإمبراطورية تجذب بعض كبار العلماء فى غرب إفريقيا، والذين كان بعضهم على اتصال بجامعة الأزهر فى القاهرة. وزعيم «برنو» الحالى هو سليل محمد الكنمى، وهو عالم إسلامى وقائد سياسى فى القرن التاسع عشر والذى كان جريئا بما يكفى لتحدى التوسع الجهادى لخلافة سوكوتو فى أراضى برنو. إن هذا النوع من الشجاعة، المدعوم بثقل التاريخ المجتمعى، يحتاج إلى تذكير أهل برنو المعاصرين به عندما يتعلق الأمر بمقاومة تأثير جماعات مثل بوكو حرام.

إن استحضار التاريخ والتأكيد على القيم ضد التطرف العنيف يمكن أن يتخذ أشكالا عديدة. ففى أعقاب هجمات شارلى إبدو الإرهابية فى باريس فى يناير 2015، أكد أكثر من مليون مواطن فرنسى التزامهم بقيم الجمهورية الفرنسية من خلال التجمع فى ميدان الجمهورية ــ نصب تذكارى للثورة التاريخية فى البلاد التى أكدت على المبادئ التأسيسية للحرية والأخوة والمساواة.

ولا تزال هناك حاجة إلى البحث الدقيق من أجل تحديد الجهات الفاعلة المحلية فى نيجيريا التى يمكن أن تقود الجهود من خلال استخدام «التاريخ» كوسيلة لذلك. سوف تحتاج خطة العمل الوطنية لنيجيريا لمنع التطرف العنيف ومكافحته إلى إشراك المجتمع المحلى وتعزيز قدرته على الصمود. كما يجب أن يكون القادة المجتمعيين والدينيين جزءا من هذا الالتزام.

إن التطرف العنيف يزدهر فى وجود الانقسام والاستبعاد والتهميش، لكن قوة الهوية التاريخية يمكن أن توفر الشرعية اللازمة لتوحيد المجتمعات للعمل ضد عدو مشترك. ويجب على صانعى القرار النظر فى هذا النهج لأنه يتناسب مع هوية وقيم المجتمعات المتأثرة بالتطرف العنيف.

التعليقات