الجمال يكمن في التفاصيل - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 5:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الجمال يكمن في التفاصيل

نشر فى : الخميس 21 ديسمبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 21 ديسمبر 2017 - 9:40 م

يقولون إن " الشيطان يكمن في التفاصيل"، يقصدون أن نتعامل مع الأشياء في عمومياتها لأننا حين ندخل في التفاصيل نكتشف أن المُشترك بيننا قليل. بالنسبة لها فإن الأمر مختلف فهي عاشقة للتفاصيل الصغيرة التي لا يراها كل أحد بالضرورة، هي تعتبر أن تلك التفاصيل تعطي المذاق الخاص للأشياء وللعلاقات الإنسانية أيضا. يحضُرُها دائما مثلُ السجاد الإيراني الفخيم الذي لا تشبه القطعة الواحدة منه سواها من القطع مهما تقاربت الأشكال والرسومات، فهذا التماوج في ألوان الطيور والورود وهذا الاختلاف في النقوش التي تزين ملابس الفرسان وسروج الجياد هو ما يصنع الفرق بين لوحة وأخرى مع أن جميعها يصور رحلة الصيد التي يشتهر بها السجاد الإيراني. هي لا تسوّي أبدا بين رجل يتقدم امرأته في الطريق وآخر يحاذيها صامتا وثالث يحادثها ورابع يصنع من أصابعها وأصابعه ضفيرة واحدة ، كلهم سائرون علي رصيف واحد وربما يقصدون الوجهة ذاتها لكن الاختلاف في درجة الحميمية لا يكشف عنه إلا التدقيق في التفاصيل. هي تؤمن بذلك وتعتقد فيه ومع ذلك أحيانا ما تهرب منها تفاصيل مهمة كثيرة .

***
لم تسأل نفسها أبدا إن كان أستاذ منير الذي يعمل مديرا للحسابات في مصلحتها الحكومية أرثوذكسيا أم كاثوليكيا أم بروتستانتيا، نعم كانت تعرف أنه مسيحي لكنها لم تسأله أبدا عن طائفته ولعلها لم تجد لذلك موجبا مع أن ذلك قد يكون له ما يوجبه. في كل المرات التي كانت تنزل فيها للدور الأرضي لتُعيّد عليه قبيل يوم ٧ يناير كان يلاقيها بابتسامة عريضة ويشكرها علي التهنئة، وفي بعض الأحيان كان يفتح درج مكتبه ليخرج علبة شوكولاتة ويصر أن تأخذ أربع حبّات منها لتوزعها علي أفراد أسرتها. كانت تجمعها بأستاذ منير علاقة وطيدة راحت سنوات العمل المشترك والعشرة الممتدة تضيف إليها أبعادا إنسانية الواحد منها تلو الآخر بدءا بالثقة وانتهاء بالارتياح. وعندما بشّرها أستاذ منير ذات يوم بأن خطأ ما قد وقع في حساب علاوتها الدورية وأنها ستنال مستحقاتها المالية بأثر رجعي أطلقت عليه وصف "وش الخير"، حتي إذا التقته في طريقها من بعد كانت تمازحه قائلة " ألا توجد أخطاء أخرى مفرحة يا أستاذ منير؟" فكان يجيبها بالنفي ويضيف ضاحكا "ربنا يجيب الزيادة بدون أخطاء يا ستي". ظنت صاحبتنا أنها تعرفه ثم تبين لها أنها مخطئة .
***

في العام الماضي جاء شهر ديسمبر كالمعتاد ، بدأ الزحام داخل الكنائس وأخذت فرق الكورال الكنسي تكثف تدريباتها علي ترانيم الميلاد، ازدانت واجهات الفنادق بنجوم مذهبة ومداخلها بأشجار الكريسماس المبهجة، تكرر مشهد الباعة الجائلين يمرون بين قوافل السيارات يرتدون الطواقي الحمراء فوق رؤوسهم ويلصقون اللحي البيضاء الكثة فيقتلون بعضا من ملل الانتظار، اصطفت أطباق " الأكل الصيامى" على أرفف المخابز ووجدت طريقها إلي قوائم الطعام في عدد لا بأس به من الكافيهات، انتشرت ملصقات الحفلات الفنية ورصعتها أسماء عربية كبيرة تذكرنا بأن القاهرة كانت ولا تزال حاضنة الفن العربي. جو مختلف بالكلية، صحيح أنه لا خصوصية لأعياد الميلاد في مدينة أكثر من القدس كما أنه لا مذاق لرمضان أجمل منه في مكة والمدينة لكن مع ذلك فإن احتفالات مصر "غير شَكِل " كما يقول أهلنا في بلاد الشام .
***

كانت صاحبتنا تعافر كعادتها في نهاية وقت الدوام في أحد أيام هذا الشهر حين هاتفها الأستاذ منير ليدعوها وزوجها لحفل زفاف ابنه الأكبر رامز، اعتذر لها بأنه لم يرسل لها بطاقة دعوة لأنه يعتبرها من أهل البيت وطلب رقم زوجها الخاص ليوجه إليه الدعوة بشكل شخصي. بعد التهنئة والتمنيات الطيبة توقفَت لثوان عند تاريخ الدعوة ٢٧ ديسمبر ثم تعطلت حاسة سمعها فلم تلتقط اسم الكنيسة، لم تكن تحتاج لذكاء كبير لتلتقط أن الأستاذ منير وأسرته يحتفلون بميلاد المسيح في ٢٥ ديسمبر وليس في ٧ يناير فاجتاحتها مشاعر هي مزيج من الدهشة والخجل. ياااااااااه يا أستاذ منير طوال هذه السنوات وأنا أؤجل تهنئتك بالعيد لنحو عشرة أيام فلا تصحح ولا تعتب ولا تقول، طوال هذه السنوات وأنا لا أرى تفاصيلك ولا أبصر خصوصيتك وأتعامل معك وكأنك مجرد جزء من كل، طوال هذه السنوات وأنا لا ألحظ غيابك في يوم عيدك ويتجاهل تقويمي الميلادي هذا التاريخ الذي هو مناسبتك أنت واحتفالك أنت، أف لهذه الزاوية الواحدة في النظر للبشر كمجاميع وكتل مسمطة ونسخ كربونية تطمس الاختلافات وتمحو التفاصيل، وبعد ذلك تدعي أنها متفتحة وتشيع بين الناس أنها ترحب بالتنوع والاختلاف، فهل تصدق أنها فعلا كذلك؟. طال صمتها حتى إذا جاءتها " آلو" الأستاذ منير تتعجل ردها ابتلعت مشاعرها وأكدت له حضورها بمشيئة الله .
***

ها هو ديسمبر يعود من جديد وها هو يوم ٢٥ يقترب فلا تنسى صاحبتنا واقعة العام الماضي قط ، تقترب من مكتب مدير الحسابات، تسعل متعمدة لتداري ارتباكها، تطرق الباب المقفول وتدخل دون أن يأذن لها أحد.. تقترب من أستاذ منير .. تقترب أكثر وتهنئه بصوت مرتفع وكأنها تريد أن تُسمِع نفسها " كل سنة وأنت وأسرتك بخير يا أستاذ منير" ، حتى إذا ترامى صوتها لبعض المواطنين الواقفين بالباب علا ضجيجهم وارتفعت همهماتهم " فين إحنا لسه وفين ٧ يناير" ، فلم تدرِ ساعتها أتقطب أساريرها أم تفرجها.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات