عزرائيل المبانى وعمر البيوت - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 4 مارس 2021 8:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

عزرائيل المبانى وعمر البيوت

نشر فى : الأحد 21 ديسمبر 2014 - 9:35 ص | آخر تحديث : الأحد 21 ديسمبر 2014 - 9:35 ص

ساعات عندما تحب أن تعرف عمر البيوت تتوه فى سراديبها من غير ميعاد.. تقف عند كومة من الأنقاض والركام، زلط ورمل، رمل وزلط.. وخليط من الذى فات، من ذكريات وناس مرت من هنا فى يوم من الأيام، وتركت أثرها على الحجر.. تلمسه فتشعر أنه عادى جماد، لكن فى الحقيقة هو أيضا عنده عمر ولى، وبعدين مات. مات ربما لأن البلدية ورجال الحى قرروا موعد القطاف وانتهاء الأجل، أى قرروا لعب دور عزرائيل المبانى، حاصد الأرواح.. بيت مملوك سابق عفا عليه الزمن من وجهة نظرهم أو بيت مهندس ظل حافظا للقب فى سوق السلاح، وشجر قديم ونادر يباع على أنه من المخلفات بعد تحميله على سيارة نقل كبيرة، بحجة تجميل وتطوير قصر مؤسس مصر الحديثة بشبرا. هل هذه الأخيرة قررت أن تكون «حديثة» بشكل أسرع فكان لابد من إزالة آثار العصور البائدة؟ هل يجب هدم ما سبق لكى يعم القبح إلى الأبد؟ لا يفهم هؤلاء أن الماضى يطل علينا دوما فى الوقت الذى يتبدل فيه الحاضر، حين تكون التحولات على أشدها وتسير أعمال الهدم والمحو على قدم وساق، فى غفلة من الزمن وممن يعيشونه.

•••

لهفت النيران مبنى المسافرخانة عام 1998 بسبب الإهمال، لم تبق على إطلاله، اختفت حوائطه العالية وأسراره، وحاول البعض مثل الكاتب جمال الغيطانى أن يعيد بناءه من الذاكرة فى كتاب صدر سنة 2007 عن دار الشروق بعنوان «استعادة المسافرخانة». وظهر السكان كما لو أنهم مجرد كومبارس فى رواية التاريخ، لكن من دونهم لاختلفت الحكاية والرواية، فرغم أهمية سكان المكان إلا أنهم عابرون، يخافون من أمنا الغولة ومن العفاريت التى صارت موضة العصر والحديث المفضل لإعلامه. دائما هناك سحر الغموض ورغبة فى الربط بين الأشخاص والأحداث.. من كان يعيش فى هذه الغرفة من قبل؟ ومن هو مدكور أو المغربى اللذان هدمنا منازلهما فى القاهرة القديمة؟ وكيف تكون هيئة البيت الذى زاد عمره عن المائة عام؟ وكيف تبدو تجاعيد الحائط بعد العام الألف؟ رائحة الألغاز تشتم عن بعد، وعلى رأسها لغز الفساد الذى لا يفرق بين ما هو تراث وما هو مجرد ميراث أو تركة السيد الوالد. لا يجيدون قراءة علامات التشقق على الجدار، ولا تدركهم لعنة المُلاك السابقين، فقط يفكرون فيما ستجلبه لهم الأنقاض والأرض الفضاء التى ستباع بالمتر، ونباع نحن وذاكرتنا بالقطعة.

•••

مبنى واحد يتبدل عليه السكان فيصبح هو البطل، سواء «عمارة يعقوبيان» كما رسمها علاء الأسوانى فى وسط القاهرة أو «قصر البرغوث» بشخصياته الغريبة التى تخليتها الروائية التركية إليف شافاق، وقد أقيم على أنقاض مقابر قديمة فى حى شعبى بمدينة استانبول أوائل الخمسينات، ثم امتلأ حديثا بالنفايات والحشرات (فقط فى الرواية).. المكان فى كثير من الأحيان يكون هو الشاهد الأهم على تحولات البشر، وعندما يختفى مبنى فجأة يترك خلفه فراغا، كما لو شكل ثقبا فى ملاءة التاريخ. وهو ما كان عندما كتب علاء خالد روايته الأولى، قبل سنوات، «ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر». توفيت والدته وبيعت فيلا العائلة بمنطقة بولكلى، وظل لفترة لا يستطيع أن يمر فى الشارع حيث كانت الفيلا. ثم كتب روايته عن بيت العائلة وجعله مرتكزا لحكايات الجد ابراهيم ومصائر الأم والأب والأصدقاء والجيران والزملاء من أبناء الطبقة الوسطى والسكندريين العاديين.. ربما خف الألم قليلا بفعل السرد والبوح ومحاولة استيعاد ما لم يعد موجودا على الورق، لكن ما يمضى ويختفى لا يمكن استرجاعه، فقط نستحضره فى الذاكرة ليظل عالقا فى مساحة ملتبسة بين الحقيقة والخيال.

ويظل دور عامل الهدد الذى يحمل الفأس أو يقود البلدوز هو ضرورة فى أسطورة المحو، فهناك دوما شخص مجهول أو بالأحرى عدة أشخاص لا علاقة لهم بالموضوع ولا بالسكان ولا بالتاريخ يباشرون تحطيم الجدران والأعمدة بشكل عشوائى، لأنهم كلفوا بذلك.. يساعدون «عزرائيل المبانى» فى مهمته، لكى تتبدل المدن وهيئاتها وتضاريسها وملامحها.. قطعا مدينة عريقة مثلما استانبول لن تكون كما عرفناها بدون عمارة آل باموك التى وصفها صاحب نوبل عندما روى تاريخها وتاريخ أسرته. وقطعا من يقوم بالهدم لن يشعر بقيمة الجدار الذى حمل يوما صورا عائلية زينت الصالون أو سرداب أسفل المنزل شهد عذابات ووحدة سجناء. مساعد عزرائيل لا يعرف سوى منطق «كل من عليها فان»، ويطبقه على البشر والحجر، ثم يقف لا مباليا وسط الركام.

التعليقات