أزمات طهران: لماذا تختلف احتجاجات نوفمبر 2019 عن أحداث ديسمبر 2017؟ - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 2:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أزمات طهران: لماذا تختلف احتجاجات نوفمبر 2019 عن أحداث ديسمبر 2017؟

نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 1:40 ص | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 1:40 ص

نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة تقريرا عن الاحتجاجات الأخيرة فى طهران ونعرض منه ما يلى:

رغم أن الأسباب الرئيسية المعلنة التى أدت إلى اندلاع الاحتجاجات الحالية فى إيران بداية من 15 نوفمبر الجارى، هى نفسها الدوافع التى ساهمت فى تصاعد التظاهرات فى 28 ديسمبر 2017، فإن ذلك لا ينفى أن ثمة اختلافات عديدة بين الحدثين، ربما يكون السياق الزمنى هو المتغير الأهم الذى يمكن من خلاله التمييز بينهما، إذ إن الاحتجاجات الحالية تأتى فى ظل ظروف بالغة الصعوبة تواجهها إيران على الساحتين الداخلية والخارجية، على نحو يفرض غموضا حول مساراتها المحتملة وما إذا كان يمكن أن تتراجع حدتها تدريجيا على غرار ما جرى فى نهاية 2017، أم أنها يمكن أن تتطور إلى مرحلة أو مستوى آخر غير مسبوق يشكل تحديا حقيقيا للنظام.

تصعيد مبكر
ربما يكون أهم ما يميز الاحتجاجات الحالية التى تشهدها إيران، ويتمثل سببها المعلن فى الاعتراض على رفع أسعار الوقود، هو التصعيد اللافت والمبكر فيها، والذى بدا جليا فى مؤشرات عديدة منها تجاوز عدد القتلى، وفقا لتقارير مختلفة، فى الأيام الثلاثة الأولى منها حاجز الثلاثين، ووصول عدد المعتقلين إلى أكثر من ألف، مع تعرض منشآت اقتصادية لأعمال تخريب وفرض قيود على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى.

ورغم أن مثل هذه الأحداث لا تعبر عن ظاهرة جديدة فى الاحتجاجات المتوالية التى تشهدها إيران، فإن ارتفاع منسوب التصعيد فيها بشكل مبكر يبقى علامة مميزة، على نحو لا يمكن معه الفصل بين ذلك وبين الضغوط الحالية التى يواجهها النظام الإيرانى، والتى ربما تكون غير مسبوقة بالنسبة له.

ومن هنا، يمكن القول إن الاحتجاجات الحالية تتشابه مع مثيلاتها التى وقعت فى السابق من ناحية الأسباب المعلنة لاندلاعها، دون أن ينفى ذلك أن ثمة محاور عديدة للاختلاف بين الطرفين، يمكن تناولها على النحو التالى:

الأزمة الاقتصادية المزمنة: رغم أن الاحتجاجات فى ديسمبر 2017 جاءت على خلفية اقتصادية أيضا، فإنها لم تتواز مع ضغوط اقتصادية قوية يواجهها النظام. ففى هذه الفترة لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قد انسحبت من الاتفاق النووى أو فرضت عقوبات على إيران، حيث إنها بدأت اتخاذ هذه الإجراءات فى 8 مايو 2018، بما يعنى أن إيران كانت لديها القدرة على تصدير نفطها والحصول على عوائده نقدا، بالتوازى مع تحسن علاقاتها مع الدول الأوروبية. وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أن الإيرادات التى حصلت عليها إيران من صادراتها النفطية، التى كانت تبلغ قبل مايو 2018 أكثر من 2.6 مليون برميل يوميا، وصلت إلى نحو 50 مليار دولار.

لكن فى الوقت الحالى، الوضع يبدو مختلفا إلى حد كبير. ففضلا عن أن الولايات المتحدة الأمريكية انسحبت من الاتفاق النووى، فى 8 مايو 2018، فقد فرضت عقوبات ضد إيران على مرحلتين فى 7 أغسطس و5 نوفمبر من العام نفسه، وتلتها سلسلة عقوبات أخرى طالت مسئولين عسكريين وسياسيين، بالتوازى مع إلغاء الإعفاءات التى منحتها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى ثمانى دول كانت تستورد النفط الإيرانى فى 22 إبريل 2019، على نحو ساهم فى تقليص حجم الصادرات النفطية الإيرانية من حوالى 2.6 مليون برميل قبل مايو 2018 إلى 160 ألف برميل فى أغسطس 2019.

الضغوط الخارجية غير المسبوقة: لم تواجه إيران هذا المستوى من الضغوط الإقليمية والدولية فى أى وقت سابق مثلما تبدو فى الوقت الحالى، إذ كاد التصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية أن يتطور إلى مرحلة استخدام القوة العسكرية، خاصة بعد أن قامت الدفاعات الأرضية الإيرانية بإسقاط طائرة أمريكية من دون طيار فى 20 يونيو 2019.

كما وصلت العلاقات بين إيران والدول الأوروبية إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد أن كانت قد شهدت تحسنا كبيرا فى عامى 2016 و2017، بدا جليا فى الزيارات المتكررة التى قام بها الرئيس حسن روحانى إلى بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا إلى جانب الفاتيكان، وذلك بسبب الإجراءات التصعيدية التى تواصل إيران اتخاذها، لاسيما على صعيد تخفيض مستوى التزاماتها النووية وآخرها إعادة تخصيب اليورانيوم فى مفاعل فوردو.

ومن هنا، لم يعد انسحاب بعض تلك الدول من الاتفاق النووى، على غرار الخطوة التى اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، مستبعدا، بعد أن أدركت أن استمرار العمل به لن يحقق الأهداف التى كانت تسعى إليها من خلاله، حيث أفرغته الإجراءات الإيرانية من مضمونه.

الصراعات الداخلية الحادة: عندما اندلعت الاحتجاجات فى ديسمبر 2017، كانت إيران قد انتهت من إجراء الانتخابات الرئاسية وقبلها الانتخابات التشريعية، حيث أسفرت تلك الاستحقاقات عن تحقيق تيار المعتدلين، الذى يضم قوى من المحافظين التقليديين والإصلاحيين، نتائج بارزة بدت جلية فى حصوله على نسبة كبيرة من مقاعد مجلس الشورى بالتوازى مع فوز الرئيس حسن روحانى بفترة رئاسية ثانية على أحد أهم رموز تيار المحافظين الأصوليين رئيس السلطة القضائية الحالى إبراهيم رئيسى الذى تشير تقارير عديدة إلى أنه ربما يدخل ضمن قائمة المرشحين لخلافة المرشد الأعلى للجمهورية على خامنئى فى منصبه، خاصة فى ظل اقترابه بشكل كبير من المرشد، ونجاحه فى تأسيس علاقات قوية مع المؤسسات النافذة فى النظام، وفى مقدمتها الحرس الثورى.

أما الآن، فإن الاحتجاجات الحالية اندلعت قبيل فترة وجيزة من الاستحقاقات التشريعية والرئاسية القادمة، حيث سوف تجرى الانتخابات التشريعية فى فبراير 2020، تليها الانتخابات الرئاسية فى ربيع 2021.

وهنا، فإن تيار المحافظين الأصوليين يسعى إلى تعزيز نفوذه داخل مراكز صنع القرار فى النظام عبر تحقيق نتائج قوية فى هذه الاستحقاقات، حيث سيحاول استعادة الأغلبية داخل مجلس الشورى، والفوز بمنصب رئيس الجمهورية، الذى لن يتولاه الرئيس روحانى لفترة رئاسية ثالثة، حيث لا يسمح له الدستور بالترشح لفترة رئاسة ثالثة على التوالى، على نحو يضع تيار المعتدلين أمام مأزق حقيقى نتيجة غياب الشخصية التوافقية التى يمكن أن تحظى بإجماع من جانب القوى الرئيسية فيه، للعمل على استمرار تكريس سيطرته على هذا المنصب.

وربما يفسر ذلك، إلى حد كبير، أسباب حرص اتجاهات عديدة على الإشارة إلى أن ممارسات بعض مؤسسات النظام كانت سببا رئيسيا فى تفاقم الاحتجاجات الحالية، على غرار الحرس الثورى الذى يشارك فى عمليات تهريب الوقود إلى دول الجوار، بسبب رخص ثمن الوقود الإيرانى مقارنة بتلك الدول، حيث تشير التقديرات إلى أنه يتم تهريب ما بين 10 إلى 20 مليون لتر يوميا.

كما لا يمكن استبعاد أيضا أن تتجه قوى المحافظين الأصوليين إلى استغلال الاحتجاجات الحالية لممارسة مستوى أعلى من الضغوط على الرئيس روحانى، على نحو يبدو جليا فى محاولات استدعائه للمثول أمام مجلس الشورى، وهو ما يوحى بأنها تحاول توظيف الاحتجاجات الحالية لتعزيز فرصها فى الفوز بالاستحقاقات السياسية القادمة.

فى النهاية، يمكن القول إن ما يحدث فى إيران يطرح دلالة مهمة تتمثل فى أن المقاربة الأمنية التى يعتمدها النظام فى التعامل مع الاحتجاجات لم تحقق نتائج بارزة، بدليل أن تجدد الاحتجاجات وتصاعدها أصبح سمة رئيسية فى التفاعلات الداخلية الإيرانية خلال العقد الأخير.

النص الأصلي:

التعليقات