مقاربات ومستجدات في مسيرة الأزمة الليبية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأحد 25 أكتوبر 2020 9:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

مقاربات ومستجدات في مسيرة الأزمة الليبية

نشر فى : الإثنين 21 سبتمبر 2020 - 9:25 م | آخر تحديث : الإثنين 21 سبتمبر 2020 - 9:25 م

شهدت الأزمة الليبية خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2020 تحولًا ملحوظًا من حشد الأطراف المتصارعة ومؤيديهم قوات وأسلحة على خطوط المواجهة، إلى حالة من الهدوء على المستوى العسكري ونشاط مُكثف على المستوى السياسي والاقتصادي على كافة المستويات سواء فيما بين الأطراف الليبية المتصارعة مباشرة، والتي فتحت أو استعادت قنوات اتصال وحوار كانت قد أغلقت منذ إبريل 2019 وربما قبلها بقليل، وأيضا على المستويين الإقليمي والدولي، وكل ذلك بهدف تثبيت وقف إطلاق النار باتفاق محدد البنود، والإعداد لممارسة لجنة الحوار السياسي الليبي عملها المرتقب في جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة.

ومن هذه المقاربات اجتماعات المشاورات التي عُقدت بين وفدي البرلمان الليبي المعترف به دوليًا ومقره طبرق، ووفد المجلس الأعلى للدولة الموالي لحكومة برئاسة فايز السراج في طرابلس، وذلك في مدينة بوزنيقة المغربية على مدى نحو خمسة أيام ما بين 6-11 سبتمبر 2020 حيث بحث المجتمعون السبل التي تؤدى إلى حلحلة لحالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، وأوضاع المؤسسات وتوزيع بعض المناصب القيادية أو كما سميت السيادية، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا. وقد اتفق الوفدان على توزيع بعض المناصب على أقاليم ليبيا الثلاثة بحيث يكون رئيس هيئة الرقابة الإدارية، ومحافظ البنك المركزي الليبي من إقليم برقة، وأن يكون رئيس مكافحة الفساد، ورئيس المحكمة العليا من إقليم فزان، ويكون رئيس المفوضية العليا للانتخابات، والنائب العام، ورئيس ديوان المحاسبة من إقليم طرابلس وهكذا توزيع المناصب الأساسية.
***
وخلال المشاورات رفض وفد طرابلس إلغاء الاتفاقيات الموقعة بين حكومة الوفاق وتركيا، كما يرفض تشكيل لجنة دولية محايدة لمراجعة هذه الاتفاقيات. بينما طالب وفد البرلمان الليبي بعودة الأموال التي أودعتها حكومة الوفاق الليبية في بنوك تركيا، ويتمسك الجيش الوطني الليبي بتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها. كما جرى بحث اقتراح تشكيل لجنة مراقبة دولية للموانئ النفطية تحت مسئولية الجيش الوطني الليبي.

وقد جرت بالتوازي مع المباحثات الليبية في بوزنيقة في المغرب، والتي أكد مسئول مغربي إنها ليست مبادرة جديدة وإنما مُكملة لعمل الأمم المتحدة، مباحثات ليبية أخرى تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في مدينة مونترو- بسويسرا، حيث بحثت إعادة تشكيل المجلس الرئاسي الليبي على ضوء مبادرة المستشار عقيلة صالح، وتشكيل حكومة ليبية مستقلة، وإجراء انتخابات عامة بعد نحو 18 شهرا، والعمل على استئناف الحوار السياسي الليبي– الليبي فى أقرب وقت ممكن.

كما جرت فى القاهرة، وبالتوازي مع المشاورات فى بوزنيقة وسويسرا، مشاورات مع وفد ليبي من أعضاء مجلس النواب الليبي في طرابلس وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة، وأعضاء من عملية بركان الغضب التابعة لقوات حكومة الوفاق. ودارت المشاورات حول كل ما يتصل بالعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، والتمهيد للحوار السياسي الليبي من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية.

وكانت روسيا وتركيا على نفس مسار كل هذه المشاورات بالمباحثات التى جرت بين وفدى البلدين في أنقرة يومي 15 و16/9/2020 استكمالا لمباحثات أجريت فى موسكو فى أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر 2020، وضم وفدى البلدين ممثلين من وزارات الخارجية والدفاع، والمخابرات فى كل من تركيا وروسيا، وقد بحثا الانسحاب العسكري من مدينة سرت الليبية مع الإبقاء على منظومة دفاع جوى فى منطقة القرضابية القريبة منها، واقتراح الروس إنشاء قوة شرطية مُحايدة يتم اختيار قائدها بالتشاور بين الأطراف المعنية، وقد سبق أن وافقت تركيا على مقترح يجعل مدينة سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف الأمم المتحدة. وقد بحث الجانبان تحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى دائم فى كل أنحاء ليبيا.
***
وعلى المستوى الدولي فقد تبنى مجلس الأمن قرارا فى 15/9/2020 بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام حتى 15 سبتمبر 2021 ويعمل بها نحو 200 شخص وترأسها حاليا بالإنابة السفيرة الأمريكية ستيفانى ويليامز. كما وافق مجلس الأمن على المقترح الأمريكي بتعيين مبعوث أممي خاص للأزمة الليبية، ويساعده منسق يرأس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ويختص بالشئون المالية والإدارية حتى يتفرغ المبعوث الأممي للعمل على التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة الليبية. وطلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة اختيار مبعوث أممي ليخلف غسان سلامة الذي استقال في مارس 2020.

وقد أعلنت ألمانيا إنها تَعّد بالتعاون مع الأمم المتحدة لعقد مؤتمر برلين الثاني بشأن الأزمة الليبية فى 5 أكتوبر 2020 يحضره طرفي النزاع في ليبيا وعدد من وزراء الخارجية يمثلون ألمانيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وتركيا، والإمارات العربية، والكونغو برازافيل، ومصر، والجزائر، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية. ويلاحظ عدم ذكر كل من تونس وهي دولة الجوار لليبيا، ولا المغرب وهى التى وقعت فيها اتفاقية الصخيرات، وأجريت فيها فى بوزنيقة مشاورات ليبية، وتشاد وهي دولة جوار مع ليبيا ولم يتضح بعد هل ستتم دعوة أيا منهما أم لا.

وأعاد الرئيس الجزائري عبد الحميد تبون فى لقائه مع وزيرة داخلية إيطاليا يوم 15/9/2020 تأكيد حرص الجزائر على إبعاد الأجندات الدولية والأطماع الخارجية عن عملية البحث عن حل سياسي للأزمة فى ليبيا. وسبق أن أكد فى أغسطس 2020 أن الجزائر دعت لعقد مؤتمر لديها يجمع أطراف الأزمة الليبية تحت رعاية الأمم المتحدة، وبحضور دول الجوار لليبيا فقط وهي مصر، وتونس، والجزائر، وتشاد. ولكن هذا الاقتراح ربما يتجاهل مدى تأثير أطراف إقليمية ودولية على مواقف الأطراف الليبية ومن ثم يتعين مشاركتها فى أي مؤتمر عام يبحث التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية.
***
ولعل من أهم التطورات فى الأزمة الليبية هو دخول الشعب الليبي دائرة الأحداث، خاصة الشباب، بمظاهرات عمّت فى البداية طرابلس ومدن غرب ليبيا، ورفع بعضها شعارات ضد حكومة الوفاق والمطالبة باستقالة رئيسها فايز السراج، وامتدت هذه المظاهرات الاحتجاجية إلى شرق ليبيا وجنوبها وطالبت باستقالة الحكومة الموازية فى بنغازى وهى التى يرأسها عبدالله الثنى. وقد دارت مطالب المتظاهرين بتحسين معيشتهم ووقف انقطاع الكهرباء، وشح مياه الشرب وارتفاع أسعار الوقود خاصة فى الجنوب، وانتشار الفساد، وتغول الميلشيات خاصة الأجنبية منها.

وقد أعلن عبدالله الثنى استقالة حكومته ما أدى إلى سعى كبار رجال القبائل لديه للعدول عن الاستقالة وإبدائهم الاستعداد لمساعدته.

كما أعلن فايز السراج عن استعداده لتسليم مهام حكومته إلى رئيس جديد للسلطة التنفيذية تختاره لجنة الحوار الليبية وذلك قبل نهاية شهر أكتوبر 2020. ورحب السراج بنتائج المشاورات التى ترعاها الأمم المتحدة بين الليبيين، وناشد لجنة الحوار الليبية بالإسراع بتشكيل السلطة التنفيذية الجديدة لتحقيق الانتقال السلمي السلس للسلطة، كما رحب بالاتجاه نحو توحيد المؤسسات الليبية وتهيئة المناخ لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

ومع ملاحظة أن استقالة السراج مرتبطة بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، إلا أنها أثارت ردود أفعال داخل ليبيا ما بين من يرى أن استقالته ستحدث حالة من الارتباك والفوضى، ومن يرى أنها استقالة متأخرة لأنهم يرون أن السراج ليس له سيطرة كاملة على الأوضاع حيث يشاركه فى ذلك وزراء فى حكومته، والميلشيات، والتدخل التركى. وكان رد فعل تركيا قويا حيث أبدى وزير الخارجية التركى أن ولاية السراج تنتهى العام القادم، كما أبدى الرئيس أردوغان استياءه من إعلان السراج عزمه ترك منصبه قبل نهاية أكتوبر 2020. ويبدو أن السراج لم ينسق فى ذلك مع الرئيس أردوغان رغم لقائه معه قبل إعلان الاستقالة المشروطة بأيام فى أنقرة. ولعل من أهم أسباب انزعاج تركيا من تنفيذ استقالة السراج، تأثيرها السلبي على مذكرات التفاهم التى عقدها مع تركيا سواء فى مجال التعاون الأمنى والعسكرى، أو ما يسمى مذكرة الحدود البحرية بين تركيا وليبيا فى البحر المتوسط، خاصة وأنها مذكرات تفاهم لم يعتمدها البرلمان الليبي ومن ثم فهى لا ترقى إلى مرتبة اتفاقيات تلتزم بها الحكومات الليبية اللاحقة حيث يمكن لأى حكومة جديدة إلغائها أو أن يتولى الإلغاء البرلمان الليبي المنتخب فى إطار التسوية السياسية.
***
من جانب آخر أعلن المشير خليفة حفتر يوم 18/9/2020 استئناف ضخ وتصدير البترول بشرط عدالة توزيع العوائد بين الأقاليم الليبية الثلاثة، وعدم استخدامها لتمويل الميليشيات أو فى عمليات يشوبها الفساد. وقد تم الاتفاق مع حكومة الوفاق على تشكيل لجنة للإشراف على توزيع عوائد النفط وحسن استخدامها حتى نهاية العام الحالى 2020، وتوحيد سعر الصرف، وفتح التحويلات والاعتمادات، وعمليات المقاصة المصرفية دون تمييز، وقد أبدى بعض وزراء حكومة الوفاق ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري اعتراضهم على هذا الاتفاق بدعوى عدم قبولهم مشاركة المشير حفتر فى التوصل إليه.

والحقيقة إن كل هذه المقاربات والمستجدات على مسار العمل للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية يرضي كل الأطراف بصورة أو أخرى، حتى وإن لم يحقق كل مطالب كل منها، إلا أنه فى المحصلة النهائية هو الحل الوحيد العملى والممكن والذى أدى إلى كل هذه التحركات والاجتماعات، رغم ما قد تثيره من ارتباك في البداية، إلا أن تجميع محصلتها لتكون حاضرة فى مؤتمر برلين الثانى بشأن الأزمة الليبية، لا شك أنها ستكون إيجابية وتفتح الطريق أمام حوار جاد وبنّاء بين الأطراف الليبية لإنهاء أزمة مستحكمة طال أمدها أكثر مما ينبغي، أو على الأقل نزع فتيل احتمالات نشوب حرب إقليمية بالوكالة على الأراضي الليبية.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات