«أبو شنب» و«جحيم فى الهند».. سينما الهزار والفبركة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 5:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«أبو شنب» و«جحيم فى الهند».. سينما الهزار والفبركة!

نشر فى : الخميس 21 يوليه 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 21 يوليه 2016 - 9:15 م
لا أتذكر عدد المرات التى كررتُ فيها أن الكوميديا نوع صعب ومهم من أنواع الدراما، وأن المواقف المضحكة، أو الإفيهات المبتكرة، أو النكات الظريفة، لا تكفى وحدها لعمل فيلم كوميدى جيد، المهم أن يكون ذلك من خلال دراما متماسكة ومتقنة بكل عناصرها من شخصيات وصراع وعقدة وحل، ينطبق ذلك على الأفكار البسيطة (حكاية بطل شعبى ظريف مثل اسماعيل ياسين فى سلسلة أفلامه)، أو تقديم كوميديا اجتماعية تناقش عمل المرأة مثلًا (سواء فى أفلام مثل «الأفوكاتو مديحة» أو «مراتى مدير عام»).

بدون صنع دراما تضحك من خلالها، فأنت تضحك على المشاهد، تبيع له بعض المواقف المضحكة، أو النكات التى يمكن أن يقدمها له مونولوجيست فى حفلة، أو من خلال شريط كاسيت، بل إن بعض ما نشاهده من أعمال تدعى أنها كوميدية، تتفوق عليها بعض اسكتشات الكوميديا على الواقف (ستاند أب كوميدى) التى يقدمها بعض الهواة.

يقول شارلى شابلن إنه لا شىء يحتاج إلى التركيز والجدية مثل كتابة الكوميديا، أما الأفلام «الكوميدية» عندنا فيتم سلقها بمنطق الاستسهال، و«ليه تتعب نفسك وتعمل دراما وشخصيات وعقدة ومش عارف إيه طالما أن المطلوب شوية مواقف ضاحكة أو تحاول أن تكون كذلك؟».. الشعار هنا هو أن الكوميديا تعنى تجاهل منطق الواقع تمامًا، لا داعى مثلا لدراسة طبيعة مهنة البطل، ولا قواعد عمله، ولا حاجة لكى تفسر أى شىء عن أى شىء، الكوميديا عندنا هى بالضبط مثل «الهزار» على المقهى بين اثنين من الأصدقاء، كل واحد يتخيل ما شاء له الخيال من أحداث، ويشبّكها فى الأحداث التى يتخيّلها زميله، ثم يرشّان على «المشبّك» بعض الإفيهات، وهكذا يولد شىء يطلقون عليه «كوميديا»، ولذلك تبدو أفلام الأبيض والأسود البسيطة أمام تلك الأعمال، مثل الكلاسيكيات الكبرى أمام أفلام المبتدئين.

شاهدت فى موسم عيد الفطر فيلمين حققا إيرادات مرتفعة هما «أبو شنب» و«جحيم فى الهند»، بل يقال إن الفيلم الثانى حقق أعلى إيرادات افتتاحية (أول يوم عرض) فى تاريخ السينما المصرية. المؤسف أن الفيلمين لا ينتميان إلى نوعية الأفلام التى تضحك معها، ولكن إلى نوعية الأعمال التى تضحك علينا، لا يوجد فى الفيلمين أى محاولة لدراسة الشخصيات، أو مهنتها، أو طبيعة ظروفها، ليكون الإضحاك من خلال هذه الدراسة، هكذا مثلًا كانوا يفعلون فى أفلام اسماعيل ياسين، يدرسون طبيعة كل سلاح، تدريباته، ويوظفونها لخدمة قدرات البطل الضاحكة، الضحك من خلال منطق المهنة والشخصية، وليس بتجاهل هذا المنطق، لكى تصل إلى مرحلة الكاريكاتير، تحتاج أن تعرف أولًا الواقع الذى ستبالغ فى تقديمة، أما إذا كان الأمر مجرد فوضى، فأنت فى الحقيقة تقدم نوعا من الفبركة.

خذ عندك فيلم «أبو شنب» الذى كتبه خالد جلال، والذى أخرجه سامح عبدالعزيز، يفترض أن الفيلم بطلته عصمت أبو شنب (ياسمين عبدالعزيز) ضابطة شرطة تريد أن تتحقق فى مجال عملها، لا ينطلق الفيلم من دراسة لطبيعة عمل ضابطة الشرطة، ولا يتعب نفسه فى استغلال الواقع لتقديم مشاهد مرحة، ولكنه يفهم تجاهل قدرات الضابطة بصورة عجيبة، حيث يقتصر عملها على إعداد ساندويتشات الجبن واللانشون، وتقديمها إلى رئيسها فى العمل (بيومى فؤاد)، شىء لا علاقة له أصلا بمهنة الضابطة، بل إن عامل البوفيه الذى يقدم الشاى، قد يرفض أن يقدم الساندويتشات، ولكن هذا هو منطق الفيلم فى الإضحاك، ونتيجة لذلك لن تصدق أصلا أنك أمام ضابطة، ولكن أمام ممثلين يريدون أن يهزروا معك.

يمتد الاستسهال وقصور الخيال أيضًا إلى الضابط العنيف الشرس الذى ستساعده عصمت، سيمنحه الفيلم اسم حسن أبو دقن (ظافر العابدين)، ولأن الهدف هو استمرار المواقف الضاحكة، يواصل حسن الاستعانة بعصمت رغم فشلها فى أولى مهامها، ويبدو حسن نفسه ضابط سوبرمان، فهو يشارك مع عصمت مرة فى ضبط قضية أموال عامة، ومرة فى قضية تهريب أسلحة فى أقفاص خضراوات، ومرة فى قضية اختطاف أطفال، لا مجال لبذل أى جهد، لا فى بناء حبكة كل قضية، ولا فى الإضحاك من خلال تفاصيل المهنة، المهم هو أن تفرغ ياسمين طاقتها العالية، إنها تضحكنا فعلا فى بعض المشاهد، أما الفيلم نفسه فهو مرتبك ومشوش ومضطرب.

«أبو شنب» رغم مشاكله أفضل بكثير من «جحيم فى الهند» الذى كتبه الثنائى مصطفى صقر ومحمد عز الدين، وأخرجه معتز التونى، حيث يقطع هذا العمل العجيب أشواطًا فى السلق والفبركة والاستسهال، لدرجة أن الحكاية العشوائية التى شاهدناها، يمكن تصويرها فى أى مكان خارج مصر، الأمر يحتاج فقط إلى غابة، وأكلة لحوم بشر، وقصر كبير والسلام. جاء إقحام الهند فى المغامرة مدهشًا، إذ إن صناع الفيلم يفترضون أن هناك قبيلة هندية تريد الانفصال عن الهند، وأن زعيم هذه القبيلة يختطف السفراء الأجانب، بمن فيهم السفير المصرى فى الهند، للمساومة على قتلهم، وإجبار الحكومة الهندية على الرضوخ بإعلان استقلال القبيلة (!!)

الخيال هنا ساذج ومثير للسخرية؛ لأنه أشبه حرفيا بمحاولة قطرة مياه أن تستقل عن المحيط، طبعا هو الاستسهال، لماذا نتعب أنفسنا فى إيجاد حبكة تناسب الهند ونحن نريد زغزغة المتفرج، وجمع العيدية؟ ليه تتعب أكثر إذا كان ممكن تتعب أقل؟ وفّر جهدك فى الإفيهات التى ستجذب الجمهور فى إعلانات التليفزيون.

الأعجب أن تنتظر حكومة الهند وصول فرقة خاصة مصرية لتحرير الرهائن، والعجب العجاب أن تختلط الأمور بطريقة بلهاء لا يمكن حدوثها حتى فى «طابونة عيش»، فتصل إلى الهند فرقة موسيقى بدلا الفرقة الخاصة، ولأن التورط يقود إلى تورط أكبر، فإن أفراد فرقة الموسيقى، التى يقودها ضابط من القوات الخاصة يدعى آدم صبرى (محمد عادل إمام)، تنجح فعلا فى تحرير السفير المصرى، والأخوة من السفراء الأجانب، ويتم ذلك بطريقة أقل ما يقال عنها إنها ساذجة، ثم يغنى الجميع أغنية هندية جماعية!

قد تتذكر موقفا كتب بشكل ظريف مثل محاولة ضابط القوات الخاصة إنقاذ عالم مصرى فى إسبانيا (محمد عبدالرحمن)، أو قد تتذكر شخصية طريفة مثل ذلك المصرى الذى يساعد المخابرات، بينما تعرف الهند كلها قصته، ولكن من الصعب أن تتذكر وجود دراما أو فيلم، بل إنك ستندهش أن يصل فقر الخيال إلى درجة استدعاء مداعبات الغوريلا للإنسان التى استهلكت فى الأفلام، من عصر اسماعيل ياسين، إلى زمن فؤاد المهندس وعادل إمام.

بدون دراما ومنطق مواز لمنطق الواقع، لا يمكنك أن تتحدث عن كوميديا، ولكن نستطيع أن نقول إنه نوع من الهزار، تلك هى المسألة.
التعليقات